“خارج الطيف” لجهاد الأحمدية قبسٌ من جَمال وبوحٌ شفيف

 

وأَنا في رحابِ الشِّعرِ تسبقُني الدَّهشةُ وتعرِّشُ في البالِ رغبةٌ غامرةٌ في الحديثِ بشغفٍ عن الشَّـاعرِ جهاد الأحمدية، فأَحتارُ في تكوينِ بدايتِه وأَستشرفُ من علوِّ همَّتِه وارتفاعِ مجدِه أَقوالاً له في حديثِهِ عن الشِّعرِ وتوصيفِه له، فيقول:
“الشِّعرُ جنونٌ مخمليٌ على جناحِ التَّجلي وبوحٌ شفيفٌ على إيقاعِ القلب”.
فهو الذي يثورُ ويغتلي عشقاً، يرفرفُ كما الحساسين، يعشِّشُ كقبَّرةٍ في ثنايا الوجدان، يبحثُ عن كلِّ ربيعٍ وعن كلِّ دفءٍ كالسُّنونو.” والشِّعرُ لديه “مواويلُ فرحٍ وعذاب، تنتشي بما يفرحُ الروح، وفي عذاباتِه دفةٌ للخلاص”.
على بساطِ سندسِه نرتشفُ لذَّةَ الشِّعرِ البهيِّ الناصع، نقفزُ بأَنفاسنا مع أَنغامِه، ونسرحُ في فضاءاتِه اللاَّفتةِ في عالمِ الحُبِّ والغزل. يطالعُنا في شِعرِه عنترةُ والغزاليُّ ليبثَّا أنفاسَهما ، كيف لا .. وهو الثابتُ في الميدان، الأَصيلُ الذي لا يقلِّدُ أَحداً أَو يتسلَّقُ على جدرانِ أَحد، بل يستشفُّ من الشُّعراءِ الكبارِ أَرواحَهم ويبثُّها عبقَهُ ليعطِّرَ بها أَرواحَنا فيقول:
“هل غادرَ العُشَّاقُ من عسلِ
ما أَمطروه بوابلِ القُبَلِ
حتى أُحبَّكِ غير ما فَعَلوا
يا حلوةَ العينين والُمَقلِ ؟
هل غادرَ الشُّعراءُ من لغةٍ
ما أَلبسوها حلَّةَ الحللِ
حتى أَحوكَ بمغزلي غزلاً
غيرَ الذي حاكوه من غزلِ؟؟ ص 7 – 8
وفي “إنانا والهوى جبلي” يسيرُ الأَحمدية على سجَّادةِ عشقِ نزار قليلاً، ولا يستغرقُ كثيراً في الشَّرابِ من نبيذِ الهوى الحسِّيّ، فتراه يعتلي ويرتقي مستعيناً بعصا موسى، ناهلاً من الموروثِ الدينيّ، فيصغي إلى حديثِ الروح، ويعزفُ على أوتارِ القلبِ لحناً لحورياتِ الجَمال:
“آهِ من شهدٍ تكوَّرَ ناهدينْ
من خيوطِ الشَّمسِ تلمعُ
فوقَ زغبِ الأبيضينْ .. “ ص 17
…………………
“آهِ حين الربُّ أهداني
عصا موسى
لكي ينشقَّ بحرُ الخوفِ قدَّامي
وينداحَ اللُّجَينْ
آهِ حين الرَّبَّةُ الأُولى
تمادَتْ في تفاصيلي
وغطَّت في دماءِ الشمسِ ريشتَها
وخطَّت أوَّلَ الآياتِ
في مشكاةِ قنديلي… “ ص 18- 19
يتحدثُ الشَّاعرُ عن تأثُّرِهِ بنزار قباني فيقول: “الشِّعرُ عند نزار قباني قنديلٌ أخضر، وعندي قنديلٌ بكلِّ ألوانِ الطَّيف، بنفسجيُّهُ يبدِّدُ عتمةَ الجهل، وبرتقاليُّهُ يمتصُّ أوجاعَ البؤسِ وما بينهما يطرِّزُ شالاتِ الحياةِ بخيطان الجنون.”
ويجيئُنا باحتمالاتٍ عديدةٍ يقطفُها عن أَفنانِ شجرةِ الحياةِ، فيمطرُنا بالأسئلةِ التي تأخذُنا إلى “نيرودا” وأَسئلتِهِ الوجوديَّة، غيرَ أنَّه يعرفُ الإجابةَ جيداً بوجودِ الأَملِ المبثوثِ بعد كلِّ الاحتمالاتِ إذ يقول:
ما لي يراودُني الرَّحيلُ
عن الفصولِ
إلى احتمالاتِ الفصولْ
عن كلِّ ما بذرَ الفؤادُ
من المواسمِ في الحقولْ. ص 35
…………………..
إلى قولِهِ:
“علَّنا ننجو معاً
من لعنةِ الزَّمنِ المحالِ
إلى احتمالِ المستحيلْ.” ص 37
يصفُ جهاد الأحمدية الشِّعرَ على أنَّه: “أيقونةٌ للسلامِ، دموعٌ بطعمِ الأسى والفرح، ونواقيسُ تجلجلُ في مهرجانِ القيامةِ تعلنُ عن عاشقَين تكلَّلا بالأبدِ.” فيقولُ في قصيدةِ “عندلة”:
“فأعودُ إلى كهفي الوثنيِّ
أُمارسُ سحرَ مراودتي
فالصُّغرى تعرفُني عُمَراً
والكبرى تعرفُ شيطنتي
وخزامى تبني لي قصراً
من عاجٍ حنطيِّ اللُّغةِ
سأُضيءُ دروبَ مواويلي
كي تعرفَ دربي ملهمتي…” ص 82 – 83
ثم نراهُ ينهلُ من معين السَّلفِ ويستقي من جداولِهم ليملأ بحيرةَ معارفِه التي ساهمَتْ في تشكيلِ شواطئِ القصيدةِ لديه، فينطلقُ منها إلى اللاّوصول، فيقول:
فأُمَيدِنُ في ساحاتِ الشِّعرِ
على إيقاعِ مخيِّلتي
وأُحاورُ عنترةَ العبسيَّ
وأَقطفُ من كرْمِ نُعيمة
أَتذوَّقُ خمرَ أَبي النوَّاسِ
فأَعشقُ ليلى وبثينة…” ص 81 – 82
وفي “دائرةِ السُّكون” يخاتلُ اللُّغةَ في معادلةِ التَّكوينِ الشِّعري والبلاغي فيتجلَّى روعةً باستخدامِ قواعدِ اللُّغةِ وينزاحُ بها بلطفٍ وبعمقٍ إلى مبتغاه، فيقول:
“أَمجرَّدٌ في صيغةِ المزيدْ
أَم مُطلَقٌ في صيغةِ المفعولْ
أَم أَنني أَفعلُ ما أُريدْ
في صيغةِ المبنيِّ للمجهولْ
أَم أَنني أَنصبُ مفعولينْ
إن أَفردِ الكفَّينْ
وليس لي أَن أَرفعَ الجبينْ
إن بحتُ بالحقيقةِ المشاكسة
بل أَرفعُ اليدينْ” ص 55 – 56
وقد يستعينُ بمفرداتِ النَّحوِ كي يصوِّرَ حالََه، لاعباً على وترِ اللُّغةِ بشكلٍ رائعٍ وبمعالجةٍ فلسفيةٍ بليغةٍ لمَّاحةٍ قلَّما نجدُها عند غيرِه،
“وأَخيراً عدتُ إلى لغتي
مرفوعَ الفاعلِ والصِّفةِ
منتصباً كالألفِ الشامخِ
مفتوحَ العينِ بأَفعالي
أَتساءلُ فيُجابُ سؤالي
فأُنوِّنُ ما يستهويني
وأُحرِّكُ ساكنَ آمالي …. “ ص 80
فاللُّغةُ لديه تغزلُ بنبضٍ شِعريٍّ فريدٍ لتعلنَهُ سفيرَ الحروفِ في مهرجانِ القصيدة. فهو يتَّكئُ إلى موروثٍ شعريٍّ غنيٍّ لأُمَّةٍ شاعرة، وهذا على حسناتِهِ قد حمَّلَه كثيراً من المسؤوليةِ لأنَّ التميُّزَ صعبٌ مع هكذا إرثٍ غني، حسبَ قولِهِ.
تأثَّرَ شاعرُنا بكل من اطَّلعَ على تجربتِهِ من السَّلفِ الفكريِّ والأَدبي ولكنَّه الثَّائرُ دائماً على كلِّ مألوفٍ ومُقلَّدٍ ومُحَبَّرٍ مجافٍ للطَّبعِ والسَّلاسة، فهو يحلِّق بعيداً عن السطحيَّةِ دون أَن يتوهَ في الغموضِ. فيعتمدُ البساطةَ الخبيرةَ، والعفويَّةَ المدرَّبة ليضعَ بصمتَه الخاصةَ في كتابِ الشِّعر مستنِداً إلى موهبتِه الجامحةِ متلاطمةِ الأمواج، التي أغتنت من ثقافتِه الواسعةِ وغناهُ الفكريّ، مضافاً إليها تجربتُه الحياتيةُ ومعاناتُه الخاصة، فكانت شاعريَّتُهُ جيَّاشةً ولامعةً تعكسُ شفافيَّةَ حروفِه وعمقَ فكرِهِ وفلسفتِه الحياتيَّةِ التي علَّمتْهُ أَن يثابرَ للوصولِ إلى أَهدافِه غيرَ مبالٍ بحبائلِ الاحباط ورياحِ الهزيمةِ أَو الانهيار، متحدِّياً ورافضاً للواقعيَّةِ المهترئةِ وثوبِها الرَّثِّ الذي يحاولُ أَن يرفوَهُ بخيطانِ الأَملِ وشعاعِ النُّورِ مع كل صباحٍ مُقبل، فالشَّمسُ لديه لا تغيبُ إلاَّ لتشرقَ من جديد:
“سأمحو من العمرِ ما لا يساوي
وما لا يُداوى وما لا يُداوي
فنصفُ الرَّغيفِ الذي في يميني
يقيني من الجوعِ ما قد يقيني.
وصاعٌ من القمحِ في ركنِ بيتي
يساوي أُلوفاً
من الحنطةِ الوعدِ في القافلة.” ص 69
ويستدعي الحَمامَ في كأسِ الغوايةِ ويعجِّلُ في قرعِ الطُّبولِ بعد سماعِهِ رنَّةَ الكأسِ الأخيرة، لكنَّه حين يكتملُ الظَّلامُ يلجأُ إلى بحرِ القصيدةِ الذي لا يَقيه من شرِّ الخنَّاسِ الذي يوسوسُ في صدورِ العاشقات، إلى أَنْ يدسَّ له الشَّيطانُ الغوايةَ في الشَّراب، فيتوهُ في فوضى الكلامِ ليكتشفَ أنَّه كان منشغلاً بترويضِ القصائد:
“لا شكَّ أَنَّ ملاكَ روحي
كان منشغلاً
بترويضِ القصائدِ
عن محاورةِ المكانْ ..” ص 74
ويجتمعُ في ثالوثِ الغربةِ ضميرُ الغائبِ وسارقُ النَّارِ ودائرةُ السُّكون في فضاءِ غربةِ النَّفسِ وراءَ أُفقٍ دنيويٍّ ترتسمُ في سمائِه مداراتُ صراعٍ وجدانيٍّ يؤجِّجُ الشَّاعرَ فيبحثُ عن عشقٍ مشاغبٍ يدهشُ الروحَ ببوحِه المفاجئِ بأَسراره الدَّفينة، من خلالِ محاورتِه مع ذاتِه العاشقة، فهو سارقُ النارِ من شعلةِ الرَّبِّ مثل بروميثيوس وهذا ليس ذنباً يُعاقَبُ عليه من يعترفُ به:
لمن سوفَ أَشكو،
إذا كنتُ أَشكو !
وإن كنتُ أَشكو
فهل ما يُسرُّ؟؟
أَنا سارقُ النَّارِ
من شعلةِ الرب أَدري
وأَعلم أَنَّ القصاصَ
الذي سوف يأتي من الرب
يوماً سيأتي .. “ ص 51 – 52
ولا تَخفى علينا عروبةُ شاعرِنا الباحثِ دوماً عن كلِّ أَصيلٍ وإنسانيٍّ وحقَّاني، فهو يحمِّلُ شعرَهُ عبءَ الكلمةِ الصادقةِ الحرَّةِ التي تفيضُ بالحسِّ القوميِّ لكلِّ بقعةٍ من الوطنِ العربي، ويخصُّ غزَّةَ القلبِ بطيبِ الثَّـناء فيتقاسمُ معها القهرَ وأَسبابَ الخيبةِ، ويضعُ يدَه على موضعِ الأَلمِ طارحاً أَسئلتَه المتهكِّمَةَ على أَعدائِها والمتسيِّبين في حقِّها، ثم ينهضُ بأَملٍ محقَّقٍ بهمَّةِ شعبِ فلسطينَ وأَحرارِ الأُمة، إذ يقول:
“تَبَّتْ يدُ التَّاريخِ
والتَّاريخُ تبْ
يا أُمَّنا الكبرى التي لمَّا تغِبْ
أَين الوصايا والهدايا واللُّعَب؟” ص 114
ويقول:
“عجبٌ عجبْ
يا أَهلَ غزَّةَ
كيف لم تستبشروا
بهتافِ من يستنكرونَ
ويرفعونَ على دمائِكم النُّخَبْ!” ص 115
ثمَّ يكرِّرُ الخطابَ والمناداةَ التي تنهمرُ حنوّاً وفخراً بأَهلِ غزَّةَ فيقول:
“يا أَهلَ غزَّةَ
كَمْ حملتُمْ عن دمانا
عبءَ أَسئلةٍ
تُجابُ على الصَّليبِ
وليس في الكلماتِ
أَو رفعِ العتبْ!” ص 115 – 116
إلى أَن يستحضرَ درويشَ في لغةِ النَّصرِ والثورةِ فينبثقُ الأَحرارُ من كلِّ أُغنيةٍ لدى شاعرِنا ومن كلِّ داليةٍ ونايٍ وقصب:
“فنجيئُكم من كلِّ أُغنيةٍ
وداليةٍ ونايٍ من قصبْ
لا تيأَسوا سنجيئُكم
من كلِّ أُغنيةٍ
وداليةٍ ونايٍ من قصبْ.” ص 116 – 117
ونأتي إلى القصيدةِ التي حملَ عنوانَها الكتابُ الجميلُ الحافلُ بكلِّ مدهشٍ ومبتكَرٍ وعميق، حيث يستوقفُنا الحضورُ الطَّاغي للطبيعةِ الجبليَّة في شعرِ الأَحمدية، كيف لا وطبيعةُ لبنانَ الخلاَّبةُ تروِّضُ الصخورَ فتنطقُ وتنثرُ الماءَ في خافقِ الغيمِ فيهطلُ شِعراً جميلاً، فيقول شاعرُنا:
“قد عنَّبَ العنَّابُ في شفَقي
والتِّينُ تيَّنَ في بساتيني
وتَتَفَّحَ التُّفَّاحُ في أُفُقي
وازَّيْتَنَتْ حبَّاتُ زيتوني” ص 108
ثم يعودُ بنا إلى المهدِ والوطنِ والأَهلِ، إلى هذه البيئةِ الحاضنةِ لشِعرِه وأَدبِه إذ يقول:
“هذا الزمانُ اختارَ لي لُغتي
واختارَ لي وطناً ليُشقيني
واختارَ لي أُمّاً به وأَباً
لولاهما من كان يَبكيني؟!” ص 110
فالتَّماهي مع الطَّبيعةِ واضحٌ في شِعرِ الأَحمدية ، فهو يعرفُ أَسرارَها ويشاطرُها الأَحاسيسَ فيقولُ في “اعترافات”:
“والنّسرُ لو لم يعشقِ السَّحابْ
لما استوى مُسلطِناً
على أُرجوحةِ المطرْ.
ماذا تلاقي في سكونِ الماءِ
إلاَّ عنفواناً ساذجاً في صمتِها.”
جاءت الصورُ الفنِّيَّةُ في “خارجِ الطَّيف” من كلِّ منابعِ الجمالِ محمولةً على إيقاعٍ شِعريٍّ عذبٍ من إيقاعاتِ شعرِ التَّفعيلةِ حيناً، وأَحياناً أخرى من الإيقاعاتِ الكلاسيكيَّةِ على بحورِ الخليل. نستمعُ في شِعرِهِ إلى نواقيسِ الإلهامِ وهي تدقُّ في كلِّ فراديسِ الجَمال، مرصَّعةً بالأَملِ الذي لا يستسلمُ إلى براثنِ الحزن متكئاً على مهارةٍ عاليةٍ في اصطيادِ اللَّحظةِ، بارعاً في تحويلِها إلى صورٍ جميلةٍ معبِّرة، إلى جانبِ إتقانِهِ التقاطَ الرموزِ الدِّينيَّةِ والتاريخيةِ والأُسطوريةِ وتوظيفَها لتكونَ لبِنةً متينةً في بناءِ القصيدةِ، مبتعداً بهذه الرموزِ عن التصنُّعِ والافتعال. فنراهُ يرسمُ بريشتِهِ المغموسةِ بشعاعِ الشَّمسِ أَلوانَ طيفِه، فتأتي على شكلِ قصائدَ دافئةٍ تتسلَّلُ بعفويَّةٍ موحِيةٍ إلى شِغافِ القلبِ وتسكنُ في ثنايا الوجدان، ثم تستوي على عرشِها في أَيكةِ الروحْ.

المقال السابقالرجل – النملة (2015)
المقال التالىضبابية احتمالات الدور الثاني في كان 2019
سمر الغوطاني من مواليد السويداء ، سوريا - حائزة على شهادة الإجازة في اللغة العربية - جامعة دمشق شاعرة ترسم بوحها الذاتي بموشور العشق فينثال اللون في بوتقة الروح لحنا دافئ الايقاع ، و عبقا لا يغادر الذاكرة ، نشرت العديد من قصائدها في الصحف المحلية ( الأسبوع الأدبي - الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد