هم رجعنا لجني عام الأول


 
هم رجعنا لجني عام الأول

تذكرت هذا المثل القديم والذي قد لايبدو مألوفا لكثير من أبناء جيلي وأنا أستمع لخطاب رئيس الوزراء حيدر العبادي في جزئيته التي أسبغ فيها على مقتحمي الخضراء وصف “البعثية” تلك المقطوعة الموسيقية التي لم يجيد حزبه سوى العزف عليها طوال 13 عام محاكيا عقدته النفسية المسماة “البعث ” الذي أغدق بدوره على كل من وجهوا له سهام النقد ابان فترة حكمه بكافة أنواع التهم وعلى رأسها “دعوجي” مانحا هذا الحزب المخادع مكانة خاصة في الوعي الجماعي الشيعي !! ولايمكن تصنيف اقحام البعث في كل حراك جماهيري من قبل سلطة حزب الدعوة الا خدمة له عبر منحه شرفا لم ينله بنفسه خصوصا عندما تهاوى جبروته “على العراقيين فقط” في 3 أسابيع أمام جحافل الغزاة بعد أن فر كبار قادته مذعورين تاركين عبء المواجهة على صغار رفاقه والجنود البسطاء (ولد الخايبه) .

الطبيعي أن تبلغ موجة التذمر الشعبي من هذا الواقع المأساوي الذي يعيشه العراقيون ذروتها لتتبلور بمظاهر احتجاجية مثل الانتقادات والمظاهرات وحتى الاعتصامات وصولا لاقتحام المنطقة الخضراء ، غير الطبيعي أن يتم وصف أي حراك مطالب بالاصلاح أو التغيير أو بتحسين الواقع الخدمي أو بالحقوق المسلوبة بالبعثي ! لنكون أمام حزب ذو قاعدة جماهيرية عريضة لو صدقت هذه الادعاءات المزيفة .

لقد ترسخت مبادئ حزب البعث في المجتمع العراقي نتيجة طول فترة حكمه أما رغبة (في الوسط السني) أو رهبة (في الوسط الشيعي) لكن انتفاضة آذار 1991 والغزو الأمريكي 2003 كشفتا عن حقيقة هشاشة قواعده في المناطق الشيعية والكردية وبدا واضحا بأن عمقه الاستراتيجي لا يتعدى المناطق السنية ولم يكن نظيره السوري بحال أفضل عندما أثبتت الأزمة هناك ان الساحل هو ملاذه الأخير ! وفي ظل هذه المعطيات يحق لنا أن نتسائل ما المقصود بالبعثي في أدبيات الاسلام السياسي الشيعي عامة ؟ وحزب الدعوة الحاكم خاصة ؟ وذلك لا يتم الا باستعراض مسيرة البعث العراقي بعد العام 2003 بمعزل عن أي رؤية سياسية مؤيدة أو مناوئة له أولا .

لقد رفض البعثيون العملية السياسية منذ البداية وشهروا سلاحهم بوجه القوات الأمريكية والقوى الأمنية العراقية مانحين الغطاء السياسي لجحافل المرتزقة العرب ممن دخلوا العراق بحجة الجهاد (وكانوا السبب الحقيقي في بداية العنف الطائفي) وتحالفوا بادئ الأمر مع مجاميع اسلامية محلية الا انهم وبسبب ماضيهم الاستبدادي وأفكارهم القومية اللادينية أخذ نفوذهم بالانحسار تدريجيا وتراجع تأثيرهم لصالح الراديكالية الاسلامية ذات النزعة الجهادية وأدى ذلك بالتالي لتراجعهم الميداني مما دفعهم للتحول لحزب “شبه ديني في ظل قيادتهم الحالية” برغم مايقال عن صلاتهم ببعض السياسيين الحاليين ووجود دعم اقليمي لهم ومع ظهور داعش وحملتها الشرسة ضد جناحهم العسكري (النقشبندية) عقب انهيار التحالف بينهما أصبح الحزب في موقف لايحسد عليه سياسيا الا ان ذلك لم يحول دون استمرار استخدام حزب الدعوة لعودته كفزاعة لعوام الشيعة لحملهم على القبول بحالتهم المزرية والتغاضي عن الفساد الكبير المؤثر سلبا على واقعهم المعيشي .

وبالعودة لسؤالنا عن ماهية البعثي فأن الأجابة لا تخرج عن 3 احتمالات على النحو الأتي :
1.أن يكون المقصود به هو المؤمن فعلا بمبادئ الحزب وأهدافه وهو احتمال ضعيف لعلم القيادات السياسية الشيعية بانقسام البعث وتشتت أفراده ، كما ان السنوات السابقة أثبتت بأن البعث كفكرة لم يكن هو ما يثير حفيظة معارضيه السابقين بقدر ماهي سنية صدام أو الرغبة بازاحته عن حكم بلد الغني لتحقيق مصالح شخصية وهو ما أكده اندفاع الاسلاميين الشيعة خصوم البعث العراقي للقتال دفاعا عن البعث السوري داعم قاعدة الزرقاوي بحجة الدفاع عن المراقد المقدسة !
2.أن يكون المقصود به هو السني عموما وهو الانطباع الذي ولدته حملة اجتثاث ضباط الجيش وكبار موظفي الدولة من البعثيين والتي جرت بانتقائية شديدة وعلى أسس طائفية واضحة في الغالب ، في الوقت الذي تم توصيف كل تحرك سني داخل العملية السياسية وخارجها على حدا سواء بهذه التهمة .

3.أن يكون المقصود به كل تحرك معارض وساعي لتغيير الواقع المزري وهو ماكشفت عنه التظاهرات الشعبية والمدنية المطالبة بالاصلاح والاعتصامات الصدرية فأصبحت تهمة البعث أو التواطؤ معه جاهزة لكل صوت معارض للطريقة السيئة التي تدار بها البلاد ولو كان بين صاحبه والبعث خصومة قديمة وشرسة مثل الشيوعيين أو السيد مقتدى الصدر نفسه ! وهو الخيار الراجح اليوم والتحديث الأشمل لهذه الوصف !

ليس لحزب الدعوة مانع يذكر في استخدام فزاعته البعثية المفضلة ولو بعد 50 عام من الآن طالما انها تضمن له بقاءه على سدة الحكم لكنه لايدرك اننا اليوم في العام 2016 وأن تلك الحيل لم تعد تنطلي على شعب فقد صبره وشارع غاضب يسوده الشباب الذي فتح عينيه على مرارة حكمه فيما بقي ظلم الحكم البعثي مجرد قصص مروية عن الأباء والأجداد لن يكون لها تأثير عليه قياسا بمن عانوا مباشرة منها وهو المتطلع (أي الشباب) اليوم لحياة كريمة وأمنة فشل الحزب الديني في توفيرها له وهو يحاكي حزب البعث في ظلمه واستبداده ليصبح وريثه الشرعي بأمتياز ويزيد عليه أضعافا مضاعفة في الفساد مسيئا لتراث مؤسسه السيد محمد باقر الصدر ومعطيا انطباعا سلبيا عن الحركة الاسلامية السياسية ومشوها صورة الاسلام عموما والتشيع خصوصا والأدهى من ذلك كله ان “الدعوجية” لايزالون غير مدركين لحقيقة سير حزبهم وبخطى ثابتة نحو مصير مشابه لحزب البعث الذي لا يمكن نكران استفادته من كل تحرك شعبي غاضب على العملية السياسية الحالية وهو مايبلوره بمجموعة من المؤتمرات السياسية “المريبة” دون أن يعي هو الأخر بأن الحالمين بالتغيير والداعين للاصلاح اليوم ليسوا بوارد اعادة عقاب الساعة الى الوراء بقدر تطلعهم نحو مستقبل مشرق بعيدا عن الذكريات الأليمة حصيلة الاستبداد القومي والمحاصصة الطائفية .

لا تعليقات

اترك رد