التّربية الرّوحيّة

 

التّربية أشبه بعمليّة الزّرع تحتاج صبراً وسهراً وانتظاراً ومجهوداً حتّى تبلغ مرحلة الحصاد. وكما أنّنا نعتني بتربيتنا الجسديّة والنّفسيّة والفكريّة فلا بدّ من الاهتمام بشكل متساوٍ بتربيتنا الرّوحيّة الّتي تشمل كلّ كياننا الإنسانيّ. فالرّوح لا تنمو بمعزل عن الفكر والنّفس والجسد.
تبدأ التّربية الرّوحيّة على مستوى الفرد أوّلاً لتنتقل إلى العائلة والجماعة. وهي تتطلّب مسيرة حياة، ولا تتوقّف عند مرحلة معيّنة. بمعنى آخر، التّربية الرّوحيّة رحلة مع الرّبّ منذ البدء وإلى النّهاية. تمرّ بمراحل عدّة وقد يتخلّلها سقطات وقيامة فالحياة مع الرّبّ أشبه برسم القلب. كلّما تراءت تعرّجاته دلّ على الحياة، ومتى استقام الخطّ دلّ على الموت.
وكما لكلّ تربية أسسها كذلك للتّربية الرّوحيّة أسسها وقوانينها، إن جاز التّعبير. على المستوى الشّخصيّ، تتطلّب منّا الصّلاة بشكل مستمرّ، بمعنى أن نحيا بقلب يصلّي. ولا ريب في أنّ ذلك يفترض مجهوداً وتركيزاً وحبّاً كبيراً للرّبّ. القلب المصلّي منهج تعليميّ للعقل والفكر، فيحصر اهتمامهما بما هو فوق، فيستنيران. تلك الاستنارة، تمهّد لاتّزان كلّ كياننا الإنسانيّ، فنجيد السّلوك في درب الرّبّ كما تساعدنا على المضيّ في هذه الحياة بأقلّ ضرر روحيّ ممكن. كما تفترض منّا الطّاعة والتّواضع. الطّاعة جزء لا يتجزّأ من الحياة المسيحيّة، ولا بدّ أن نميّز بينها وبين الخضوع الأعمى. الطّاعة ذكاء روحيّ، وثقة مطلقة بالرّبّ. لم نقرأ في الكتاب المقدّس أبداً “نعم” غير واعية، بدءاً من إبراهيم مروراً بوالدة الإله وصولاً إلى كلّ القدّيسين. والوعي في الكتاب المقدّس مساوٍ للثّقة بالرّبّ. نقول “نعم” ونطيع لأنّنا ندرك في أعماقنا أنّ الرّبّ لا يريد لنا إلّا الخير والحبّ والجمال.
وأمّا التّواضع فهو فضيلة الأنقياء الّذين لا يحسبون أنفسهم أفضل من أيّ شخص، لأنّهم يدركون حجمهم أمام عظمة الله. يقول المطران جورج خضر: “من نحن، أمام عظمة عمل المسيح الخلاصيّ، لا شيء”. التّواضع درب القداسة، وكلّما اتّضعنا ارتفعنا نحو الرّبّ. يقول الرّبّ في (متى 29:11): “تعلّموا منّي، لأنّي وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم.” ما يجعلنا نفهم أنّ التّواضع قيمة إلهيّة لذلك نرتفع بالتّواضع ونلامس قلب الله.
على المستوى التربية البنويّة، نحتاج أن نربّي أبناءنا تربية روحيّة كما جسديّة ونفسيّة وفكريّة. نحن لا نعلم شيئاً عن طفولة يسوع المسيح، لكن يكفي أن نقرأ في إنجيل لوقا (52:2): “أما يسوع فكان يتقدّم في الحكمة والقامة والنّعمة، عند الله والنّاس.”
لعلّنا نهتمّ بأطفالنا من النّاحية الفكريّة والجسديّة والنّفسيّة أكثر من الرّوحيّة. فنهتمّ لتعليمهم أفضل علم، وتأمين لهم المأكل والمشرب وكلّ مستلزمات الجسد والمتعة النّفسيّة، إلّا أنّنا نمنح المساحة الرّوحيّة وقتاً أقلّ وجهداً أقلّ. وقد نحصر الاهتمام الرّوحيّ بالذّهاب إلى الكنيسة والصّلاة وهذا جيّد، لكنّ الطفل يحتاج إلى مثال روحيّ حيّ يعكس له أهمّيّة الحياة الرّوحيّة بعيداً عن الوعظ والواجب.
وقد نهتمّ بالنّاحية الرّوحيّة كما نهتمّ بكلّ نواحي الكيان الإنسانيّ، إلّا أنّنا نصطدم، بمرحلة ما، بتمرّد أبنائنا الفكريّ والرّوحيّ. خاصّة في هذا الزّمن الّذي نعيش فيه محاربة شرسة لكلّ ما هو روحيّ. هنا تساندنا تربيتنا الرّوحيّة الشّخصيّة، فنظلّ ثابتين، غير متزعزعين، واعين لأهمّيّة أن نبقى مثالاً لأبنائنا، واثقين بأنّ الرّبّ يعتني. فمن الطّبيعيّ أن يمرّ الإنسان بصراعات عدّة متأثّراً بالمحيط، والمجتمع، والأصدقاء. من هنا نعود إلى مثل الزّرع الّذي قد يطرأ عليه مرض أو علّة، فيسرع الزّارع إلى علاجها بصبر ومحبّة وتعب حتّى لا تضمحلّ الغلال.

لا تعليقات

اترك رد