الحراك الجزائري وإنجاز مفاهيمية “العمق”

 

لا يرسم العمق حدوده فقط عموديا، بل ينتشر “العمق” المفهمي أفقيا ليشكل الفضاء الأمثل لبناء الدراية بالأشياء وما يدور في الواقع قصد تفجير إوالية الوعي الذي يعتبر الأساس المفهمي الأوّل في إدارة عملية الفهم عن طريق التفاهم، إذ كل فهم يحتاج إلى تفاهم كما تفيد الظاهراتية.

انبثق الفاعل الحراكي مهموما بفهم المآل الفجائعي للحالة الوطنية التي صيغت ضمن سردية مناوئة للأخلاق السياسية الرّائدة في مجال الحوكمة الإنسانية، وحسب توصيف أحد المحلّلين السياسيين فلقد كنّا محكومين من قبل مجموعة من » الجانحين « « délinquants »، وهو ما أنتج أزمة على مستوى القيم الصانعة للمسار المجتمعي الجاهز لكل انفتاح وتواصل مع فعاليات الوضع المجتمعي والإنساني الممهور بالقيمة والعقل والفكروية المضطلعة بالإنتاجية الخصبة، ولهذا تتم كافة الوظائف داخل كتلة الحراك دون أن تحدّد معلما يؤمّن استمرارها في الوعي كمعلم يمكن أن يكون سندا معرفيا وثقافيا في عملية التشكيل المفهومي ما بعد الحراكي.

يتأثّث الحراك على المستوى القيمي بسردية المنفعة التي تبني تشكلاتها المبدئية على معادلة الحرص الشديد على تحقيق كل سلوك يوازِن داخل كتلة الحراك بين مسار المطالب الثابتة والمتصاعدة ومسار متطلّبات الحراك المنسجمة مع فعل السلمية، فالثابت في واقع الحراك أنّ هناك جملة من المطالب التي تقع بين مجتمع يرسم مستقبله في أفق تنحته الدافعية الشعبية المنفلتة من عقال الخوف، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تنحته هواجس مستقبل الحراك ذاته الواقع بين مدى زمني مستمر تصنعه بعناية المؤسسة العسكرية بخرجاتقائد الأركان الإعلامية، والتحليل الإعلامي المرافق لسيرورة الحراك والمناور على هوامشه، إذ لا يخفى على العقل التحليلي أنّ الإعلام واتته الفرصة ليصنع هامشه التسويقي في ظل لحظة أهم ما يميّزها الانفتاح على الواقع بعدما كان مغلقا بفعل الركود السياسي وعزوف الفعالية الشعبية عن الخوض في السياسة التي تصحّرت فضاءاتها بفعل العبث المخلِّ بميزان القوى الفاعلة فيها.

لكن هل يسلم الواقع الحراكي من ارتدادات الاستمرار في الخروج الشارعي؟

من أهم ارتسامات الأزمة القيمية في منطق الحراك هو الاهتمام بمن تخلّفوا عن الخروج، والمطالبة بالالتحاق بالركب المناهض لسلطة الفساد ومجتمع الخمود، وطبعا هذا المطلب لا يمكن لأي عقل أن يعدّه من ثانويات الفعل الحراكي، لأنّ الهبّة المجتمعية يجب أن تكون شاملة وفاصلة في طبيعة إحداث القطيعة مع سلوكات الماضي السياسي الفاسد، ولكن دون إسقاط تلك الهوامش التي يجب أن تتابع الحراك عن بعد لتمتلك مكنة القدرة على التحليل الموضوعي الذي قد تخلّ به مفاعيل الاندماج العاطفية في كتلة الحراك، وهو ما يتوسّم في الفعل الثقافي الناجز في وعي قراءات المسار وتفكيك عوامله وترسيمحدوده ووظائفه السوسيولوجية والسياسية والثقافية في مشهد الجزائر المستقبلي.

إنّ الفعل النّبيه السوسيو – سيكولوجي للحراك قد أبان عن متواليات معرفية نابعة من تفاعل الإنسان مع محيطه وواقعه ووجدانه، فعندما يسمّي أحد مواقع العاصمة “الممر المغطّى” بـ “غار حَراك” فإنّ التتويج السياسي لهذا السلوك التفكيري يكشف عن مدى الإضاءة التي انقدحت داخل الوعاء التوعوي للحراك باعتبار سلمية المسعى النبوي والرّغبة في الانفكاك من أزمة النّفق، وهي أزمة بنيوية خلقت على مستوى الوعي مفهوم الانسداد، ولكن الحراك كانتفاضة من داخل الوعي بالفساد السياسي الذي انتهك حرمة الكرامة السياسية للمواطن وأحاله إلى مجرّد رقم يُتذكّر فقط عند المواعيد الانتخابية، كتفضّل من ذوي الشأن على أفراد القطيع المجتمعي. هذه الانتفاضة جعلت الانسداد مسافة تكمن بعدها كوّة الضوء الموجودة آخر النّفق.

يسير الحراك الشعبي ضمن نهج آمل في الوصول إلى النّهاية الخاتمة لفصول المأساة الوطنية التي كرّسها السلوك المنحرف لطغمة سياسية مصلحيةتفنّنت في إهدار المورد الاقتصادي الوطني وتفكيك بنى الدولة المؤسّسية والعمل على تأسيس السلطة المافياوية التي تعتمد منطق المليشيات القائم على الإقصاء والنهب والتخلص من الخصم ونشر سياسة التفرقة بين المواطنين عن طريق إذكاء روح الجهوية والقبلية والعروشية وبالتالي اللعب على وتر تفكيك بنية الوحدة الوطنية، التي تقوم أساسا على التنوّع الحاصل في النسيج الاجتماعي عبر مساحة الوطن، ومنه كان رفض الحراك لاقتراح المؤسّسة العسكرية بإلغاء رفع الأعلام الدالة على جهة أو ثقافة، ويكون العلم الوطني هو المعبّر الوحيد عن توجه الحراك، وهو ما يضع عدّة أسئلة على المحك الوطني، فاللحظة الحراكية ليست صراعية مع الأعلام أو المؤشرات الدالة على ثقافة أو جهة، بل هي لحظة رغبة وأمل في إزالة نظام بكل رموزه وسلوكاته وإحلال نظام جديد ضمن مفهوم “الجمهورية الثانية” الذي يجعل من التنوّع الإعلاني عن الثقافات والجهات عنصرا جوهريا في انبثاق وإبراز مسار الوحدة الوطنية ضمن آليات المخالطة والاختلاف والتعايش والتسامح والقبول.

يستمرّ الحراك في تتويج اللحظة العامرة بالإنسان الجزائري العميق، أو إعادة بعث “الجزائر العميقة” تلك التي تناهض مفهوم “الدولة العميقة” بإنتاج تصورات الإحلال وإنقاذ الدولة من عمقيتها التي تمس بنبلها الأخلاقي والمقصدي الدالين على عمق المفهوم القانوني للدولة الذي يجمع بين الرقعة الجغرافية والشعب والسلطة والسيادة، فالدولة العميقة مفهوم يدل على معنى تسلّطي يديم استمرار نظام فاسد قائم على الريع لا يهمّه من السلطة سوى الاستثمار في تعب الكادحين والمتاجرة في عرقهم وقيامه على نظام السّخرة الهادف إلى الاستيلاء على مقدرات الوطن، وحركة الحَراك تكشف عن رجاحة المقصد في الخروج إلى الشارع، الذي صيّره نظام الفساد استمرارا للبكائيات والخيالات الحالمة لجماهير فقدت كل رغبة في التغيير، فالسير في الشارع لا يعبّر في نهاية المطاف سوى عن ترجل الفارس الذي مهما طال لا يعبّر سوى عن أخلاق الفروسية في إعادة الروح الإنسانية للحياة، وبالتالي فاستمرار الحراك أو روحه إنّما تعبّر عن مفهوم “الجمهورية العميقة” البديلة لواقع ومفهوم “الدولة العميقة”، “الجمهورية العميقة” في طلائعها الشعبية المعبّرة عن الاختيار الحر للتمثيل على مستوى المجالس والهيئات، والإقبال العفوي على كل ما من شأنه أن يوطّد دعائم الحكم الرّاشد ويديمه، واستنبات روح المبادرة التي قضى عليها التربّح غير المشروع للطغمة الفاسدة على حساب مستقبل الشعب ونضالاته الكبيرة من أجل إنجاز لحظة الكرامة والعدالة والحرّية.

لا تعليقات

اترك رد