حوار الدم…والأخوة الأعداء


 
حوار الدم...والأخوة الأعداء

لم أسمع أو اقرأ أن بلدا حدث فيه مثل هذا الشتات والتشظي والفرقة والتنابذ والشقاق مثل هذا البلد، كما لا أصدق أن بلدا جرت فيه الدماء وتطايرت فيه الأشلاء واستبيحت فيه الحدود وترملت فيه النساء ويتمت فيه الأبناء مثل بلدي العراق لأني كنت شاهد عيان عليها ، ولم يحدث لأي بلد آخر كما حدث لبلدي في أنه كان قبلة للمستعمرين والغزاة والمحتلين والمغامرين وللثوار والمخربين كبلدي…. وفي سفره الخالد أدلة شاخصة وحية على ذلك ، كما لم يسطر التاريخ حالات هدر للثروات وتبذير للمقدرات وفساد ولصوصية كما هو حادث ويحدث في وطني، وليس هناك ثمة وطن غني كل هذا الغنى الذي تضرب به الأمثال وأهله فقراء كل هذا الفقر… على الرغم من ذلك،…

نعم كل هذا استثناءات للعراق وأرقام قياسية تسجل باسمه دون حاجة للرجوع لموسوعة غينيس ، وخصوصا في العصور الحديثة وعلى وجه التحديد في العقد الأخير ، أي بعد سقوط النظام السابق فقد كان قمعه وسطوته كفيلة بإرجاء كل هذه التناقضات، فبعد أربعة عقود من الدكتاتورية والاستبداد والحروب والحصار ..كنا قد استبشرنا بأن الديمقراطية ستجلب لنا الخير العميم عبر حكومات وطنية رشيدة وراشدة ، على الرغم من كون الطيف السياسي الذي مكنه الغزاة لم يحظى بتعاطف غالبية الشعب العراقي ، حيث دعم المحتلون القوى الإسلامية الأصولية ومكنوهم في بناء حكومة عميقة طائفية وأشاحوا عن الأحزاب والجماعات الليبرالية ومنظمات المجتمع المدني الحقيقة، غير أن الشعب المنهك المدمر الذي تلقى ويلات الحروب والاستبداد والحصار والجوع والإهمال لم يكن يمتلك القدرة على مواجهة هؤلاء الذين تلقوا الدعم والإسناد من المحتلين فضلا عن نشرهم الدوغما والشعارات التضليلية التي انتشرت سريعا انتشار النار بالهشيم ووطدت أسس سلطة فوق دينية ومن طراز خاص ايضا ، إجمالا لقد مكن المحتلون هؤلاء من سرقة الحلم العراقي بعد الانعتاق من براثن الدكتاتورية، وجعلوهم يتقاسمون (الاخوة الاعداء) كعكة السلطة بنهم بالغ وبقدرة الكلاب المسعورة ، وتداولوا السلطة خلال 13 عاما كمن يتداول خزنة دولارات مهمته كيفية افراغها.

كانت رحلات مضنية من عذاب جديد للعراقيين اتسمت بسطوة الإرهاب وتغول المليشيات وتجذر المحاصصة وتسيد الفقر الإهمال والبطالة وتحكم الفساد بكل أشكاله أنواعه وبشكل ليس له مثيل فضلا عن ثيمة ثابتة وراسخة هي سوء الإدارة والجهل المطلق بقوانين الدولة الحديثة التي يجب ان تتماهى مع مفهوم الديمقراطية، …العراقيون ..كانوا في موضع المغلوب على أمره طوال هذا الزمن الصعب، وليس لهم مهنة سوى الصبر والأمل بالتغيير والثقة بالمستقبل ..وحسن الظن، ولكن الإخوة الأعداء الذين هم من دائرة عقائدية واحدة لكن فرقتهم المصالح والنفوذ والرغبة بالاستئثار ، ولم يثمر صبر العراقيين إلا فاكهة أشد مرارة وأكثر بؤسا من زمن النظام السابق ، فقد انشغل اخوة (كرامزوف ) بالسرقة والفساد والاستحواذ فضلا عن التسابق المهين لتنفيذ أجندات إقليمية ، وعم الخراب واشتدت ضراوته بدخول داعش إلى الأراضي العراقية وسيطرتها على أراض واسعة وأسلحة ومعدات قيل ان تكلفتها فلكية ..وقتل من قتل وهجر من هجر وقطعت رؤوس واغتصبت عذارى وأسرت حرائر ، كل هذا بسبب غفلة وانشغال الإخوة الأعداء بالسرقة واللصوصية ، ولم يكن أمام العراقيين سوى التظاهر والاحتجاج والمطالبة بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية ، ودخلت بعض فصائل هؤلاء على هذا الحراك فاختلط الحابل بالنابل ، وعلى الرغم من رغبة الكثير من العراقيين باتساع دائرة الاحتجاجات والمطالبات لكن التوجس والخوف من انحراف قطار الاحتجاجات والمطالبات عن مساره كان قائما وبشدة بسبب مشاركة هذه الفصائل بالحراك ، وحدث هذا فعلا …

وكان الهجوم على الخضراء واقتحام البرلمان خطوة حاسمة في تعقيد المشهد السياسي والإطاحة بأحلام حكومة التكنوقراط المزعومة ….وربما كان هذا ما تتمناه الإطراف السياسية المتحكمة بالمشهد السياسي وهم في اغلبهم من الإخوة الأعداء ، الذين استمروا في المراوغة والمخاتلة والإرجاء في خطوة بالغة الغباء والسطحية في اللعب على عنصر الزمن ..بمساعدة او مساندة او استغفال رئيس الوزراء الحائر ألعبادي الذي يقف على ارض بالغة الهشاشة، ولم يستمر الأمر طويلا ، انفجر الوضع اليوم واقتحم المتظاهرون الخضراء والبرلمان ثانية ..وواجهتهم القوات الأمنية بالرصاص والقنابل المسلية للدموع وفي حصيلة أولية تناقلت الإنباء اصابة 17 محتجا بعضهم بجروح بليغة وهناك انباء غير مؤكدة عن قتلى ….ودار دولاب الدم الذي لا أعتقد أنه سيجد من يوقفه ……فالأخوة الأعداء قد استنفذوا كل قدراتهم في التفاهم مع بعض ..ولم يعد هناك وقتا سوى للتحاور بالدم …الذي نرجو مخلصين أن يجنب الله العراقيين من غلوائه…

لا تعليقات

اترك رد