ثقافة المعارضة في الدولة الحديثة

 

تعد المعارضة السياسية أحد الأسس المهمة في تقدم المجتمعات وتطورها ومعيار مهم في تقدمها ، والتي ينبغي أن تحافظ قوة المجتمع وتماسكه . لهذا أولى علماء الاجتماع اهتماما كبيراً بالنظام الاجتماعية في القبول والاعتراض ، وأولوه أهتماماً كبيراً وتأتي في مقدمتها المعارضة السياسية ، والمعارضة في قاموس المصطلحات تعني هي عدم الموافقة على قرار سبق اتخاذه أو مناهضة اتجاه لاتخاذ قرار معين ، فهم مجموعة من الناس التقت آراؤهم وتحركت للوقوف ضد السياسات الحاكمة في بلد من البلدان، ويقدم هؤلاء آراء مضادة لآراء السلطة الحاكمة من خلال الأطر الدستورية والقانونية، فهم معارضون لسياسات ضمن نظام الدولة، أما إذا وصلت معارضتهم لوجود النظام بالكلية فهم حينئذٍ جماعة خارجة على القانون، بمعنى انهم مخالفون للنظم الحكومية ، وليس لنظام الدولة العام ، فنرى في كثير من الدول المتقدمة ان المعارضة لها كيانها الخاص ، ولها وجودها وحقوقها ، وتكون محمية من الدولة وحكومتها ، والمعارضة كمفهوم سياسي تعني طرح المشروع السياسي أمام الجمهور ‏وترك الخيار له ، لهذا فان أي خلاف سياسي أو معارض ليس بين الأشخاص وإنما بين ‏الأفكار،وعلى هذا الأساس فإن التيارات السياسية التي تدعى بالمعارضة تمارس سياسة النقد من ‏أجل تفعيل الرقابة وتطوير الأداء للحكومة ، وليس بقصد التجريح والمس ‏بكرامات هذا أو ذاك أو محاولة إسقاط الحكومة وهكذا، فإن العمل السياسي في صيغة المعارضة لا يعني ‏إلا المنافسة العقلائية من أجل رفع مستوى الديمقراطية وبناء ركائز العمل السياسي الحر على وفق مبدأ ( الحاكم والمعارض) ورفع المستوى الفهمي للديمقراطية عند الجمهور ‏ففي ظل المنافسة السياسية الجادة فإن الغلبة تكون للصوت الذي يخدم المواطن والمشروع الوطني ، وسواء أكانت تلك المعارضة السياسية مدعومة من الدولة لتكون موجهة أم لم تتدخل الدولة أو الحكومات في تأسيسها فان وجودها واقع حال أصلاً في الحالين .

أن المعارضة بمفهومها يقع ضمن الإطار الذي يعطي فكرة مختصرة عنها وأهمية تمتعها بالأخلاقيات التي تجعلها معارضة بناءة وليس هدامة للنظام السياسي والدولة ، وإذا كان ثمة فرق ما بين الأخلاقيات والممارسة، فإن الأخلاقيات عبارة عن قواعد موضوعة تعبر عن السلوك المهني المطلوب من القائمين على المعارضة السياسية الالتزام بها، وتبقى هذه الأخلاقيات عديمة الفائدة ما لم تترجم إلى واقع عملي ملموس خلال ممارسة الأحزاب السياسية لعملية المعارضة للحكومة أو تأدية الواجبات المناط بها، مثل احترام حقوق الإنسان , وحماية المدنيين بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية والحزبية, كذلك وضع مصالح البلاد العليا في المقام الأول وعدم المساس بها, فالمعارضة تكون لبعض سياسات الحكومة والتي تكون قد أضرت بالشعب بصورة مباشرة او غير مباشرة, وليس للنظام القانوني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد, او وحدة الأراضي , او المصلحة العليا للدولة , او حل الأجهزة الإدارية والأمنية للدولة قبل ان تستكمل الأجهزة البديلة وبهذا تكون المعارضة السياسية قد وضعت مصير البلاد ككل على المحك. وانطلاقاً من هذا الفهم فأنه توجه الكثير من الانتقادات للمعارضة السياسية في بعض دول العالم (وخاصة العالم الثالث) على أنهم يفتقدون الاهتمام بالسلوكيات الأخلاقية وعدم مراعاة السياقات القانونية والدستورية في البلاد ، ولكن تبقى المعارضة في ذاتها وأدواتها خطوة من خطوات بناء وترسيخ الديمقراطية ودعامة مهمة من دعائم النظام السياسي الحديث .

لا تعليقات

اترك رد