حرمة الاتصالات الهاتفية

 

من المعروف ان الاجراءات الحمائية الجنائية باعتبارها قيدا علي الحرية لا يلجأ اليها الا للضرورة القصوى فالمشرع عادة لا يقرر هذه الوسيلة من الحماية الا اذا كان هناك ما يدعو الي ردع الجاني ومنع غيره من ارتكاب الجريمة

ولذلك فان المحادثة التليفونية وهي اقل منعه من المراسلة المكتوبة المغلقة تكون في حاجة الي حماية اشد ومن هنا حظيت في معظم النظم بالحماية الجنائية خلافا للمراسلة المكتوبة المغلقة فالاتصالات الهاتفية تتمتع منطقيا بحماية تماثل تلك المقررة للمراسلات السرية الا انها تستفيد بالإضافة لذلك بحماية القانون الجنائي المقررة لحرمة الفة الحياة الخاصة .

واشار بعض الفقه الفرنسي الي هذه الحماية بقولة ان خصوصية الحدث ومنه المحادثة التليفونية – تدخل ضمن عناصر الحياة الخاصة لتنأي عن اي تطفل او تتبع ويدرج هذا الرأي سرية المراسلات كعنصر من عناصر سرية الفكر .

وهكذا اكتملت الي حد كبير الحماية الجنائية في فرنسا بالقانون الصادر في 17 يوليو 1970 وتدعمت حرمة الحياة الخاصة بصفة عامة حيث تم استحداث جرائم التنصت غير القانوني وتسجيل الاحاديث الخاصة دستورية حرمة المحادثات التليفونية وقد نص علي حرمة المحادثات الهاتفية عدد من دساتير دول العام ولا شك ان تضمن الدساتير نصوصا تحمي من التنصت التليفوني غير القانوني تقدير من هذه الدول لمواجهة هذه الاعتداءات التي وصفها القاضي هولمز بانها عمل قذر وانها طاعون يجتاح الامة الامريكية وانها تدخل في الحرية الشخصية اشد وطأة وخطرا من الاجراء القضائي بالتفتيش في عصر الاستعمار .

وقد لاحظ البعض في دراسته خطورة التقدم العلمي والفني علي الحرية الشخصية وتعريته للحياة الخاصة فيما اسماه بالجاسوسية السمعية البصرية وقد تعاظمت وتفشت هذه الجاسوسية حتي اصبحت هذه الجاسوسية التي تفاقمت لديها القدرة بسهولة وخفاء في التقاط اي محادثة خاصة تليفونية او غيرها مهما تخفت المحادثة وتحصنت خلف اجراءات الحماية ووسائل الردع المختلفة لذلك عد هذا سقطة خلفية للتقدم العلمي .

ولذلك حاول كثير من الدول تضمين الدستور نصوصا تحمي هذه المحادثات فنص دستور مصر 2014 في مادته ( 54 ) ( الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونه لا تمس وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض علي احد او تفتيشه او حبسه او تقييد حريته بأي قيد الا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق ) والمادة ( 57 ) تنص ( للحياة الخاصة حرمه وهي مصونة لا تمس . وللمراسلات البريدية والبرقية والالكترونية والمحادثات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال حرمه وسريتها مكفولة ولا تجوز مصادراتها او الاطلاع عليها او رقابتها الا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة وفي الاحوال التي يبينها القانون )

وتقرر محكمة النقض ان مثل هذا النص قابل للتنفيذ بذات ولذلك يجب مراعاة ما اوجبه من ضرورة وجود امر قضائي مسبب ويكون من عدم المشروعية الدستورية اهدار هذين الضابطين الهامين المنصوص عليهما بهذه المادة وهما ضرورة صدور امر قضائي مسبب وتحديد مدة هذا الامر .

من الضروري معرفة أن الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، سواء كان بالتنصت على المكالمات التليفونية او تسجيلها، وكذلك التقاط الصور ونشرها، يعد عصفا بنص دستوري يصون ويحمى الحياة الخاصة لكل إنسان، فنص المادة 57 من دستور 2014 اتسع في ضماناته ليشمل المراسلات البريدية والبرقية الإلكترونية، وكذلك المحادثات التليفونية وغيرها من وسائل الاتصالات وكفل سريتها.

لم يكن للفقه والقضاء رأي واحد بشأن الطبيعة القانونية للدليل الصوتي ومنها الأحاديث الهاتفية فقد ذهب رأي في الفقه الى اعتباره مجرد وسيلة تعين في الوصول الى الدليل القولي او المحافظة عليه وليس دليلا ماديا في حين اعتبرها بعض الفقه الايطالي بأنها ” نوعا من المحررات ” من حيث كونها وسيلة حديثة لتحديد الكلمة المنطوقة وهو ما قررته محكمة النقض الايطالية ايضا ، وقد عارض هذا التكييف اتجاه آخر في الفقه الايطالي بالقول: ان تلك التسجيلات لا يمكن اعتبارها محررا بدعوى ان المشرع يعني بالمحررات تلك التي تتم بالكتابة دون ان يندرج تحتها اية وسيلة اخرى تصويرية او صوتية

. واعتبرها بعض الفقه في امريكا الى انها مجرد اداة للتحري وليس وسيلة لجمع الادلة اما المحكمة الفيدرالية العليا في امريكا فقد ذهبت في قرار لها عام 1991 الى اعتبار التسجيل نوعا من الضبط بينما اعتبرت التنصت من قبيل التفتيش اما بعض احكام القضاء اللبناني فقد ذهبت الى ” ان التسجيلات تعد قرينة – وان كانت ضعيفة – يضيفها القاضي الى سائر ادلة الاثبات ومع ذلك فقد ذهب الراجح في الفقه الى اعتبار التسجيل الصوتي اجراءا من اجراءات ” التفتيش ” بدعوى ان التفتيش هو الاطلاع على محل منحه القانون حرمة خاصة باعتباره مستودع لسر صاحبه لضبط ما عسى ان يفيد في كشف الحقيقة في جريمة معينة.. ويذهب الدكتور المرصفاوي الى الدفاع عن هذ التكييف بالقول “.. واذا تمعنا قليلا في التسجيل الصوتي لوجدناه لصيق الشبه بالتفتيش، هذا ما لم يعد نوعا من التفتيش فعلا ذلك ان الغاية منه هي البحث عن دليل على الحقيقة وهي نفس الغاية من التفتيش ثم ان محل مباشرته هو ذات المحل الذي ينصب عليه التفتيش ”

والى هذا الرأي ذهب القضاء الامريكي والقضاء المصري وفي سبيل ذلك اعتبر القضاء المصري ان ” المكالمات الهاتفية بمثابة الرسائل فهي لا تعدو ان تكون رسائل شفوية مما يجعلها خاضعة لأحكام التفتيش وضبط الرسائل وضماناته، وقد ايد الغالب في الفقه في مصر هذا التوجه القضائي.

ومع هذا التكييف فقد ذهب البعض الى ان اعتبار تسجيل المكالمات على انها تفتيشا يجعله نوعا من التفتيش الاليكتروني وليس تفتيشا بالمعنى التقليدي وهو ما يجعل ذلك التفتيش الاليكتروني متميزا بعدد من الميزات اهمها:

ان التفتيش الاليكتروني يتطلب السرية لضمان الحصول على الدليل.

التفتيش الاليكتروني كما يتضح من تسميته يتم بالوسائل الاليكترونية الحديثة التي تستطيع اختراق الجدران والتسلل الى داخل الحياة الخاصة. لذا عبر البعض عن هذا النوع من التفتيش بالقول ان “القائم بهذا التفتيش لا يطرق الباب مستأذنا….” بخلاف التفتيش التقليدي.

ان الدليل في التفتيش الاليكتروني يقدم دليلا غير مادي وغير ملموس.

جدير بالذكر انه يترتب على اعتبار التسجيل الصوتي نوعا من التفتيش ضرورة توافر اجراءات القيام بالتفتيش وضماناته ومنها عدم القيام به الا بعد الحصول على الموافقات القضائية اللازمة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة يعد جريمة يعاقب عليها القانون، وفقا لنص المادتين 309 مكرر و309 مكرر “أ”، وتعتبر المادتان إضافة هامة إلى ضمانات الحرية الشخصية، إذ إنهما يجرمان لأول مرة في التشريع المصري الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، عن طريق استراق السمع أو تسجيل المحادثات في أماكن خاصة أو عن طريق التليفون، أو التقاط صورة شخصية في مكان خاص او إذاعة هذه التسجيلات او التهديد بها، وهاتان المادتان تتوافقان مع نص المادة 57 من دستور 2014.

فأسرار الحياة الخاصة التي في المكالمات التليفونية ملك لأفرادها، ولا يجوز استراق السمع، أو نقلها أو نشرها، ويعد ذلك جريمة يعاقب عليها القانون، كما أن استراق السمع “التنصت” على المكالمات التليفونية أو الرسائل الخاصة أو الإلكترونية “الايميل”، أو تسجيل المحادثات التي تجرى في مكان خاص أو عن طريق التليفون أو نقلها، أو تصوير شخص في مكان خاص. كما أنه لا جريمة إذا ما حدث التنصت أو التسجيل أو النقل أو التصوير في مكان عام لافتراض الرضا وعلانية ما تم نقله أو تسجيله أو تصويره، وتشدد العقوبة التي قد تصل إلى الحبس 3 سنوات طالما تمت التسجيلات دون رضاء صاحبها، ولا جريمة إذا ما كانت الأسرار متعلقة بالوظيفة او المهنة فهي ملك للجمهور طالما في إطار عدم المساس بالشخصية، ومن حق القاضي أن يعطى أمرا بالتسجيلات بضمانات وشروط لحماية المحادثات التليفونية وفقا لنصوص المواد 95 و95 مكررا و206 من قانون الإجراءات الجنائية.

إذا تم التهديد بإفشاء أمر من الأمور التي تم التحصل عليها عن طريق التنصت أو التسجيل أو التصوير، يعاقب الفاعل بالسجن مدة قد تصل إلى 5 سنوات، كما إذا قام موظف عام بالتنصت أو التسجيل أو النقل أو التصوير يعاقب بالسجن من 3 سنوات إلى 15 سنة، وإذا كان الفاعل صحفيا هنا تضاف إلى مواد الاتهام المادة 21 من قانون الصحافة ويحكم عليه بالعقوبة الأشد وفقا لنص المادة 32 من قانون العقوبات لا ارتباط الجرائم.

ونتيجة لهذا التطور التقني الهائل أصبح الإنسان عاريا أمام وسائل التدخل المتطورة التي تملكها الدول وخاصة الأجهزة الأمنية في محاولة للتجسس على الأفراد، وفضح أسرارهم، واستخدامها كوسائل ضغط وتهديد في غالب الأحيان ضد المعارضين، وهذا يشكل تدخلا سافرا وتعديا مباشرا على حياة الفرد الخاصة. هذا بالإضافة إلى أن الأوضاع الأمنية السائدة في عدد كبير من البلدان ولاسيما أعمال الإرهاب، وحوادث تفجير السيارات، وتهريب المخدرات والأسلحة تجبر السلطة التنفيذية – في الأحوال التي توجب فيها دقة التحقيقات وخطورة تلك الجرائم – اللجوء إلى وسيلة التنصت والمراقبة للحد من هذه الجرائم، والحصول على الحد الأدنى من المعلومات والقرائن التي بإمكانها مساعدة المصالح الأمنية على اكتشاف الجريمة قبل حدوثها. وبذلك نجد أن التطور العلمي بالرغم من دوره الإيجابي في تقدم المجتمعات وتطويرها، إلا أن دوره السلبى في تطوير وسائل التنصت والمراقبة أصبح خطرا يهدد حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، هذا التهديد لم يقف عند حد معين بل أنه يتزايد بمعدلات سريعة لدرجة أن الحاجة لم تعد ماسة لمسكنات قانونية، ولكنها تدعوا إلى حماية أصيلة في هذا المجال.

ولم يقتصر تهديد الحق في حرمة الاتصالات الشخصية على ذلك الذى يتم من جانب الدولة، بل امتد إلى الأفراد في علاقاتهم مع بعضهم البعض، ولقد ساهم في ذلك تعدد استخدام شبكة الإنترنت الذى أصبح يتزايد بشكل غير مسبوق، حيث فتحت تقنيات هذه الشبكة آفاقا جديدة ومجالات مبتكرة امتدت حتى شملت مختلف المجالات والعديد من الأنشطة، وكان من أهم أخطار هذا المولود العملاق ظهور جرائم لم تكن موجودة من قبل وبات القائمون على تطبيق القوانين الذين عهد إليهم بحماية العدالة في الأرض أمام مأزق حقيقي بين تطبيق النصوص العقابية القائمة، أو التدخل لسن تشريعات جديدة لمواجهة النقص التشريعي،

أم الوقوف مكتوفي الأيدي أمام فراغ تشريعي ويتركون بدون عقاب أفعالا إجرامية جديدة رغم خطورتها، أم يسمحوا للقضاء بأن يتدخل لسد هذا النقص بما ينطوي عليه ذلك من انتهاك لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

.ولما كان الحق في حرمة الاتصالات الشخصية ليس حقا مطلقا – كغيره من الحقوق والحريات الفردية – لذلك تقتضى ضرورات مكافحة الجريمة وكشفها حماية حق المجتمع في الأمن والنظام العام لكونه أولى بالرعاية من حق الفرد في الخصوصية. ولكن حتى لا تتخذ أجهزة السلطة العامة مكافحة الجريمة وحماية الأمن ذريعة للافتئات على حرمة الحياة الخاصة يتعين أن يخضع التنصت على المحادثات ومراقبة المراسلات لترخيص من السلطة القضائية المختصة بناء على أسباب معقولة تؤكد أن وسائل التحري العادية قد فشلت، أو ليس في إمكانها الحصول على دليل الإثبات المطلوب، وأن التنصت على المحادثات ومراقبة المراسلات يساعد على إظهار الحقيقة

لا تعليقات

اترك رد