رباطٌ خفي

 

اكتظّ بيتنا على سعته بنساءٍ يتلفّعن بعباءاتهن السوداء، ورجال اتخذوا من حديقة البيت مكاناً للدردشة وتدخين السكائر، والانتظار، سياط حرّ تمّوز تلهب ظهورهم ورؤوسهم؛ فيتعرّقون، يهرعون إلى الحنفية في احدى زوايا الحديقة، يضعوا رؤوسهم تحتها، ووالدي على سريره لا يزال فاقداً وعيه بعد أن انقطع عن الطعام والشراب، النساء حوله بين مشفقةٍ وأخرى ملّت الانتظار، صاح فجأةً بصوت متهدّج ضعيف، ” ابعدوا عني، لا أريد الذهاب معكم.. “، وقد فتح عينيه على سعتهما، ناظراً برعب إلى أعلى الحائط المقابل لسريره، يردِّد أسماء من رحلوا من أقاربه قديماً وحديثاً، مشيراً لهم بإصبعه المرتعش. علمنا أن النهاية اقتربت؛ فقد سبق وأن سمعناه يردِّد مراراً بنوا من الفخر والاعتزاز أن الرجال في عائلته استورثوا صفةً مميّزة؛ يظهر لهم موتاهم قبل الرحيل ليصطحبوا – المرشّح – معهم كي يتغلّب على خوفه من الزائر المرعب..!
وكعادة عوائلنا في الجنوب، يأتي الأقارب من كل صوب، وحتى من المدن البعيدة، يعقدون جلساتهم حول – المرشّح – المسجّى. همساً تبدأ أحاديثهم، ثم يعلو الهمس؛ فيصبح ضجيجاً، تدور عليهم أكواب الشاي دون انقطاع، ووجبات الطعام التي ييتجشّؤونها بكلِّ صخب.
فجأةً، أخذ يطلق أنيناً عميقاً متواصلاً، قادماً من أعماق دهور سحيقة، كان صداه يلاحقنا حتى أطراف الحديقة الواسعة لبيتنا، والتي هربنا إليها خوفاً وألماً، أغمي على أختي الصغيرة، وإلى بيت خالتي القريب نقلوها..
قالت إحداهنّ،
— هل يتألّم، لماذا هذا الأنين الموجع..؟
عمّتي بثقةٍ أجابت،
— إنه ينتظرها..
رمقتها أمي بنظرةٍ حادّة باكية؛ فغطّت وجهها بطرف عباءتها، لم نفهم حينها مٓن عنت عمتي، لكن باكيةً أخرى همست،
— بنت خالته، بدرية..
— ما بها..؟ سألت أخرى بحذر من خلف عباءتها
— كانت حلم حياته، عشقها، لكنها رفضته وتزوّجت بغريب.. عاقبها الله فلم تنجب..
استشاطت أمي غضباً وهي تسمع الهمس الصاخب، لملمت عباءتها مهدّدةً بانفجارٍ كبير، ولم تنطق..
علا الأنين، وكأن الروح محبوسة في قمقم تريد الانطلاق..
— لن يسلّمها إلاّ حين تأتي..
ولولت عمّتي باكيةً
— ستأتي حتماً، اتصلنا بها..
وزمّت أمي شفتيها بغيظ، حركة مفاجئة دبّت بين النساء، وهمهمةٌ تعالت، ” ها قد جاءت..”
بقامةٍ فارعة، ألقت السنون ثقلها عليها؛ فانحنت قليلاً، ووجه صارع غدر الزمن لا يزال محتفظا بشيء من رقّة وعذوبة، اخترقت جموع الباكيات من غير دموع، وعند رأسه انحنت، طبعت قبلةً على جبينه المتعرّق، أمسكت يده التي دبّت فيها ومضة حياة، وفي أذنه همست باكيةً، ” أنا هنا يا بن خالتي، أنا بدرية.. هل تسمعني..؟ ”
صاحت عمتي بجزع، ” إنه يحرّك شفتيه..! ”
ثم ساد صمت عميق..
— ماذا لو علمت قبل أيام..؟ باكيةً ناحت بدرية
انطلقت نظرة اتهام كرصاصة انغرست في وجه أمي التي سارعت تنفي التهمة عنها
— وماذا كانت ستفعل، هل تعيد له الحياة…!
ضجّ دمي في عروقي حدّ البكاء، ” لكانت وفَّرت عليه وجع الأنين ..”
نهضت الزائرة الحبيبة، وفي ركن قصّي من الغرفة تكوّرت تحت عباءتها، وعيون يملؤها ألف سؤال وسؤال تلاحقها، غطّت وجهها وأخذت تنتحب.. وانقطع أنين والدي..

المقال السابقديمقراطية القوي
المقال التالىفلسفة الموت والحياة في قصص كريم صبح
ليلى المرّاني .. قاصة عراقية مغتربة خريجة قسم اللغة والأدب الإنكليزي / كلية التربية / جامعة بغداد عملت في سلك التدريس، درست في مدارس العمارة الثانوية وفِي دار المعلمات الابتدائية، ثم انتقلت إلى بغداد، وواصلت التدريس لحين مغادرتي العراق كتبت القصة القصيرة في المجلة الادبية الصادرة في كلية التربية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد