فلسفة الموت والحياة في قصص كريم صبح

 

فلسفة الموت والحياة في قصص كريم صبح:
دراسة نقدية للمجموعة القصصية “مالك المقبرة” للأديب العراقي كريم صبح

– الغلاف ملائم لعنوان المجموعة “مالك المقبرة”، وهو إحدى القصص التي اشتملتها المجموعة؛ إذ يؤدي العنوان والغلاف التأثير الأول في المتلقي، ويحضر روحه لتستحضر النصوص، ثم يأتي الإهداء، والإهداء هنا اهداءٌ تقليدي لو قُرأ بعينٍ غير فاحصة أو مدققة للمعنى، فالإهداء لقرية “تُركلان” لحسناء لملم من ورائها حكاياته كما قال الكاتب، وسبب هذا إن الحسناء والقرية أهدوه ملاحمًا؛ اذاً فالتوقع المحتمل أن تأتي العديد من القصص وطنية غارقة في المحلية.

– كنت أود أن أبدأ بالقصة التي تحمل اسمها المجموعة القصصية”مالك المقبرة” لفضول عارم في نفسي، هو ذاك الفضول الذي دفعني لقراءة أول قصة لأكتشف أن لعبة القصة القصيرة جدا ذاك الفن الرائع جدا إدمان لن يقلع عنه من يكتبه على الرغم من أنه صرح على الغلاف بكلمة”قصص” وسكت، وهذا أراحني؛ فهي المراوغة التي يلجأ إليها كل كاتب حاذق للقصة القصيرة جدا قد تخرج بعض القصص عن نطاقها وتفرض عليه مسمى آخر، وهذا سلاح يقتنصه الكاتب للحماية من مشارط بعض النقاد العاشقين للمسميات.

– كقارئ يسعى وراء الأمتاع والإبداع وحل ألغاز القصة القصيرة جدا التي تأتي بدهشتها في آخر كلمة ومع كريم صبح يشدنا عند قراءة أول قصة العنوان”صنارة”، وهي صنارة البطل؛ تحمل الصنارة عدة تأويلات أترنح كقارئ ثمل من بلاغتها بين كل التأويلات وأرتاح لما رست عليه نفسي من شواطئ، ألا وهو أن البطل قد يكون منقذًا أو دافعًا لانتحار والتخلص من البشر، وفي النهاية هدفه دنيوي، وهو تجربة صنارته الجديدة، ومن هنا تتلائم رائحة الموت، والإنتحار والذي قد يأخد أشكالًا عدة ربما منها الإستمرار في الحياة نفسها مع العنوان الرئيسي “مالك المقبرة”، وسواء اتفق المضمون مع باقي القصص أم اختلف فسوف نرى! يسري التأويل في اتجاهاته المنفرجة مع قصص كثيرة منها قصة رائعة بعنوان “الفنجان”، فأنا أصنفها بقصة الحاذقين أو الأذكياء لحل شفرتها من بين السطور.

– “بيتوتة” قصة رائعة تحمل معنى القهر والتخلص من القهر بالإنتحار؛ معنى الموتى حاضر كوسيلة متاحة للهرب من الجبروت، والموت في هذه القصة حقيقي، والإنتقام معادل موضوعي عن طريق الأرواح في نهاية غير متوقعة، فهل الأرواح تنتقم لنفسها أم هي خدعة الكاتب؟ هناك تظافر آخر جعل البيتونة محلًا واستضافة للأشباح. كنت أتمنى أن تطول القصة وكنت أتمنى حلولًا كثيرة.

– في قصة “قلق” شعرت بمشهدية الصراع النفسي؛ بل رأيت كل حركة تَحركَهَا بطلُالنص، وكل تفصيلة أودت به إلى الحيرة، وحسابات الأب الفردية والزوجية المشيرة إلى اللغزية في النص المحير. وراء القلم والكتابة والصراع النفسي الكبير، مما يجعلني أتساءل: “هل الكتابة تودي بصاحبها إلى الجنون، ويكون لهذا الكاتب ضحايا من العائلة؟”

– يأخذني نص “السعادة”؛ ليصور حالة التعليم بجرأة غير عادية، وعلى الرغم من أن معظم الكتاب كتبوا عن المعلم الغير سوي ممن يفكرون في نصفهم السفلي، إلا أنني لمست براعة الكاتب في تضفير المشهدية الواقعية والتي هي في أغلب الدول العربية مع تمرد الأمل، وانتفاضته المتمثلة في طالب خائف يقول رأيه وهو يرتجف ومتردد، أنا رأيته كذلك وصور لي الكاتب أنه الأمل في أن يكون الآتي أفضل.

– وعودة إلى المقابر والموت مع الحفار تلك القصة القصيرة جدًا، الموحية بالكثير عن فساد تخلفه الحروب ربما أو الذابح أو… كثير من التأويلات وفي النهاية الموت يخلف الخسارة في الأحوال جميعها، والموت له العديد من الإيحاءات في المجموعة ككل، فهو موت سياسات وموت مباديء وموت للأوطان ذاتها، وهذا ما أوحت به قصة انتصاب فهي تعد خلفية للموت السياسي والحريات فيما عدا انتصاب ودعم أشياء أخرى لا تحقق مكاسب للشعوب؛ فالسياسة تتمطع داخل أروقة النصوص.

– في قصة “أنصاف” التي تدخل فيها الموت بشكل ساخر جدا لمن هم تنازلوا عن النصف في كل شيء بل تشير لمن دخل مدينة غير فاضلة، فما ارتباط المدينة بالنصف ياتُرى؟فهذا تأويل آخر لمن عاشوا بلا حرية كأنصاف البشر؛ فالحقيقة يقولها السارد في نصه وعلينا كقراء في البحث داخل النص ذاته لحل اللغز ويساعدنا العنوان بدرجة كبيرة، لذا لم أحب أن يتكرر العنوان مرة أخرى في داخل النص، لاننا اعتبرناه مفتاحا منذ البداية مع أول قصة، فدعني أيها القاص أرجع للعنوان مع كل جملة.

– وعند الباب هناك من يخلع على العتبات أشياء وهناك من يرتدي أشياء وفي قصة الباب نجد أن بطل النص يفعل ما يراه عند غيره خطيئة أو وزرًا فالكاتب هنا يبث لنا واقعا ملموسًا لما نفعله ونحن قد لا نراه خطأ. الخطاؤن من يروا أخطاء الغير فقط وهي فكرة جد شيقة صيغت بمهارة عالية، كما ناقش الكاتب قضايا اجتماعية بطريقة مبتكرة منها مشكلة المثقفين والكتاب ومن يقرأ لهم، وذلك في قصة “الشبيه”.

– وأدت الفاتازيا دورًا رائعا في النصوص الاخرى، منها نص “بين روحين”، ونص “مالك المقبرة” أيضا، تلك القصة الواقعية وغير الحقيقية في الوقت نفسه، أو قد نقول إنها تستوحي تشكيلاتها من عالم الواقع لترسم لنا عالم الموت، وفي قصة “الأعزب” انتقلت مع الكاتب لأتعرف على بعض العوالم الخفية والتعلق بالماورائيات التي هي قطع الباذل التي يمكن لأي كاتب الأستفادة من تشكيلاتها المبهرة، ونجد هنا أن الكاتب أبدع في استغلالها وأمتع القاريء بها حد الثمالة في بضعة أسطر أخذته إلى نهاية داهشة وغير متوقعة، يعود الموت الممثل في الإنتحار ليطلُ من قصة “مصير هيمنغواي”، ولكن لكل أبطال الروايات هذه المرة ومؤلفيها أيضا، ولم لا والموت ثيمة المجموعة، وهي فلسفة واقعية تبثُ مع القصص الألم في مواقف الحياة بجملتها، وهو ألم مؤقت فهناك نافذة من أمل أحيانا كما في قصة “الفرار”، ولأن الواقع لا يدوم كما الموت في انتقاله لعوالم جديدة من برزخ وأخرى كلها من الغيبيات ولكنها حالات انتقال على أية حال حتى الإنتقال ليوم البعث. في قصة “عين” أطل الموت من نصف ابصار فاستخدام الفلسفة ذاتها ناجح جدًا في القصص المحكمة، كما في قصة “حانة”، وقد تتحول فلسفة الموت إلى فلسفة القهر، كما في قصة “تناسل” مثلا.

– اللغة جميلة وسهلة ورفيعة المستوى في ذات الوقت، ولم تطغى اللكنة العراقية على العربية الفصيحة التي يفهمها العرب كلهم في البقاع جميعها. أما المشهدية في التصوير فالكاتب بارع فيها بلا شك وقد رأيت معظم القصص لم أقرأها فقط، بل سمعت أصوات الأبواب تغلق ورأيت معلم الفصل يعبث ببنطاله، ورأيت كيف يزحف القلق على أبواب أصحاب الأقلام في قصة قلق، ورأيت الحيرة، فقد تذكرت الصوفية وهم يعبرون بطرقهم الروحانية كما الأسدي في مقولته”رأيت الله سمعت الله طعمت الله لمست الله”. هكذا الحال في قصص كريم صبح، فأنا أرى القصص وأسمعها وأشمها وأطعمها وأشعر بنبضها. أما النهايات الداهشة،فإنها تسعدني كثيرا كأي قارئ يفاجأ بشلال من الماء البارد يغمرة في نهاية أي قصة، أحيانًا ينعشه وأخرى يخذل توقعاته.

– التأويل في كل نص هو الباب المفتوح على مصراعيه، وهدف كل قارئ أن ينجح للوصول إلى عقل الكاتب وحل ألغازه القصيرة حتى مع نهاياته المفاجئة، وفي كل مرة يتملص كريم صبح من القارئ ليلعب معه لعبة التأويل.

لا تعليقات

اترك رد