قراءة فنية لجمالية الموضوع (المعنى والشكل) في رسوم مها كريم محمد جواد الشمري

 

تتمتع التشكيلية (مها كريم ) بحبها للطبيعة و تفسيرها اذ يبرر ذلك الحب تصويرها لمشاهد ضمنت جداول الماء والبساتين والارياف والشخصيات التي انتشلتها من البيئة العراقية بوصفها النشأ الاول الذي حباه الله وبثه على الارض في خلقه الاول بهيأة ساحرة اخذة للعقل من خلال علاقات الاشياء ببعضها فضلا عن فهمها لا نتاج الموضوع الفني واهتماما بفكرة محاكاته من اصل الطبيعة بمباشرية وبالعكس, الا ان ذلك لم يكن بمعزل عن معنى الاهتمام بفكرة التصوير لما تتقبله الذات العارفة , بمعنى ان (مها ) تمتلك الدوافع والرغبات الكامنة لاشباعها بهذا النوع من الفن الموضوعي , وتلك خصيصة علم النفس التي اشار اليها “فرويد” اذ لا يمكن اخماد جذوة الرغبات الفنية الا من خلال اشباعها والمطالبة بنوع محدد للاشباع ,والتخييل واحد من تلك الوسائل وعبر التخييل اليقظ لا التخييل الحلمي وما شابه , حيث يمكن للفنانة ان تستمتع بآليات وجوده وارتباطها مع الموضوع ويصبح فعل التقييد والاحساس به واضحا على الرغم من قيمة الاستمتاع الوافدة في تطبيق النظر اليه

وهنا يبدو الموضوع واستمتاعه جزءا من ذاتية (مها ) ولاجل اطلاق التحرر وعدم التقيد والافاضة بالجمال لا بد من تحقيق غاية الفنانة وبالتالي اطلاق التخييل نحو المتلقي بعد تمام فعل الاشباع , وهنا لا بد من وجود الاليات لذلك التحرر ,لذا ان كل التخييل لا يرجأ اصلا ولا يقيد وتحريره ان يوضع على (الورق والكنفاس والسطوح ) بشكل لوحات او تخطيط او رسوم والوان , اذ يقوم المتلقي باطلاق التخييل من حبسة الذات الى خارجها , حيث الرغبة تحول وتغير من بواطن الكبت نحو ظهوريته .
فالبحث في الابداع ينطوي على مجموعة من الصور والافكار والانتقال الى تحرير ما هو بصري وشفاهي يأتي بمرحلة لا حقة كما اسلفنا من التخييل اولا والاشباع ثانيا ثم الاسقاط ,والاسقاط بنية فنية دلالتها وضوح المعنى او غموضه , وهذا ما ذهبت اليه (مها) ان جعلت من موضوعاتها قيما جمالية تكاد لا تلتبس علينا واضحة , مثيرة,بليغة ,جميلة , تم الاستدلال اليها عن طريق العمل الفني .لكن بعبارة ادق ان المتلقي يشارك الفنان في عملية الابداع حينما يحاول الاندماج مع مايصوره وان كان في تقبل او رفض وتلك بالتأكيد فعل الابداع , ومن هنا لا يخلو التفسير للعمل الفني من تشظي ويتخذ سبلا متعددة داخل العمل كالتي نعيشها في واقعنا ونحن نتلقى مشهد طبيعي لطريق او مجرى ماء او نخلة او حتى غبار في لوحات “مها” رسم بدعوى الموضوع كنتاج لنشاطها الهادف بلا شك والى تحقيق المعالجة الواعية في قدرتها على التصوير , ومع ذلك يكون الفنان والمتلقي وحدة واحدة تقتضي فعل الاندماج لا فعل اخر .

ان البحث في رسوم (مها) الموضوعية والجمالية لتؤكد حقيقة استخدامها للخط بصفة لافتة للنظر بوصفه الاثر الناتج من تحرك نقطة في مسار وتتابعها يعني حضوره المطبق بوسائل منها”الفرشاة ” فالارتجال كان محط بحث تلك الخطوط التي تباينت بسمكها وعرضها وعمقها والتي وظفتها في اتجاه ومكان حدد القيمة الفنية للاشكال فيما بعد , ومنها ما تواجد في لوحة (طبيعة النهر ) اذ يظهر نهر جاري لمياه ,مغلف جانبيه بالحجر والاسمنت ذي منظور باتجاه عمق اللوحة البعيد وانعكاس لعديد الاشجار والنخيل التي طرزت فضاءات اللوحة ,ظهرت عدة خطوط بامتدادات مختلفة ابرزها ضفتي النهر المغلف مما نقل حركة العين باتجاهه من صدر النهر او اللوحة وافقيتها نحو عمقها , وبذلك كانت اغلب الخطوط بهذه الحركة مستقيمات لم تخلو من انكسار عند بعض الزوايا ,اضف لذلك وجود الخطوط المستقيمة في بعض النخيل الباسقة , ناهيك عن توافر الخطوط المنحنية في سعف النخيل ونهايات الاشجار التي بدت اكثر عمقا في انعكاساتها فوق سطح الماء الجاري في النهر ,فهي تقدم لنا شعورا بالراحة في ظل البيئة الحاضنة لما لها من افق جمالي يتصل بلغة التصميم التي اتبعتها (مها) الا انها كانت في تقابل حقيقي اتضح من خلال استخدامها لنوعية الخطوط البارزة في مشهدها الحالي وهو الجدلية القائمة بين نوعين من الخطوط الا وهي (المستقيمة والمنحنية )وهذين يعدان انبثاق في التكوين المنشأ بعد استثارة الاحاسيس في تلقيها نوعية الخطوط كالتي جاءت مركبة تصاعدية وتنازلية في الهواء والماء (الحقيقة والانعكاس ) مما ابدى ايعازا الى التوتر والقلق الا ان في الضد من ذلك كانت الركائز الكونكريتية عشرة منها تتابع مشهدها بثبات فوق الجانب المغلف بحيث بدى واضحا منظورها من القريب الكبير وحتى الصغير البعيد ,فالحركة في الماء هي مصدر القلق نتيجة للحركة الموجية المرتبطة بمعان الاندفاع الى الامام , ان ماتثيره الخطوط المنحنية شكل لنا الاحساس بلا استقرار

وبالتالي تمكنت (مها ) من ايصال الموضوع الجمالي البيئي باختيارها زاوية ليست ككل الزوايا تنم عن دراية مهنية ورؤى استشعارية تصويرية شكلت المعنى الشكلي الذي امتد الى الاتزان والثبات على الرغم من الحركة والاندفاع والتوتر , وبهذا تم انجاز الوظيفة الحقيقية للخطوط في التعبير عن وجودها الخطي واللوني .
وخلاصة لقد اشيعت نظريات متعددة في التعامل والتبادل لتفسير الظواهر الرابطة بين قطبين وبقدر التعلق بين (مها والبيئة ) ومنها اختيارها لظاهرة الموضوع الريفي , ونجدها تكتفي بتناولها البكرية كأساس للطبيعة والبيئة الخالية من البشر ,وبتلك تقترب من النظرية العقلية التي تفسر انجذاب الانسان للبيئة وتعلق السلوك ببعضه وكانها تحاكي انسانا مثلها تعيش اجوائه بحب صادق .

لا تعليقات

اترك رد