برهان عيسى يوقظ الروح في مفاصل المكان

 

برهان عيسى ( 1960 ) ، فنان تشكيلي من حلب ،ولد و في يده الريشة و رضع الألوان مع حليب أمه ، فهو إبن الفنان يعقوب عيسى المعروف بإسم الرسام جاك (1931-1990 ) أحد الأسماء التي تقترن أسماءهم بالرعيل الأول في حلب ، فكان من الطبيعي أن يتأثر برهان بوالده و أن يتتلمذ على يديه و هو مازال طفلاً ، و أن ينخرط مبكراً في المشهد الفني ، فقبل أن يكمل العشرين قدم معرضه الفردي الأول ،و قبلها شارك في أكثر من معرض جماعي أو ثنائي .

و منذ البدء إختار عيسى الواقعية التسجيلية بتفاصيلها الدقيقة مسلكاً لريشته ، و مجرى لنهر ألوانه ، فهي الأقرب إليه ، والأنسب لشخصيته ،وبالتالي السبيل إلى إيصال رسالته للمتلقي حسب تعبيره، وهذا مع حبه وعشقه لحلب وعبقها ماجعلاه يدخل عمق حلب بتاريخها وتراثها ،ويتجول بريشته بين أحيائها القديمة وأزقتها الضيقة ،بين ناسها البسطاء ،الأنقياء ،العفويين ،وبين مهنهم التي إنقرضت أو بالكاد ،بين عاداتهم وتقاليدهم

هذا ما يظهر لنا مدى حب وعشق عيسى لحلب ولتراثها القديم من مهن متوارثة إلى أحياء وأسواق قديمة تضج بالتاريخ وعبقه، فيوثق بحس فنان عاشق أبوابها ، وشرفاتها ،ناسها وعفويتهم ،ناسها وإحساسهم بالجمال ،حرفها وماتحمله من عرق وأثر الأجداد ،لقد ظهر كل ذلك جلياً في معالجاته وآفاقها ،في أنماط تجاربه ،بأنماط أشكاله ومقاصدها ،فهو وبريشة مريحة وبمشية بطيئة يوقظ الروح في كل مفاصل حلب ،فيذهب إلى معالمها الأثرية ،إلى مواقعها التاريخية ،إلى حياة الناس ،راصداً ملامحهم ،وحركاتهم اليومية ،وأعمالهم وأشغالهم ،فيدخل سوق السجاد وسوق الأحد وسوق الزرب وسوق النحاسين ،ويمر بباب الفرج وساعتها ،وبخان الوزير ،وبخان الشونة ،ثم ينعطف بإتجاه ساحة الفستق وباب إنطاكية ،ثم إلى باب النصر وقناطره وجامعه ،… إلخ ،ليعود وهو يسجل في ذاكرته كل ما رأته عيناه

فيخرج لنا بكم هائل من أعمال جميعها تحاكي مارآه، من دولاب الحنتور والصواني والميزان والقوارير ، إلى طفل يحتمي بعربة في سوق الجمعة ،إلى الحاج بائع الأقمشة ،إلى بائع المناقل ،وبائع الحقائب والأحذية ،إلى بائعة السلال ،إلى الأعمى والعمال ،إلى كل ماتعلق بعدسته ،مع إضافات جمالية من روحه وأحاسيسه ليكون بذلك خير من وثق حلب بكل نبضاتها ،وخير من أيقظ صوت الباعة في شوارعها ،فلكل لوحة قصتها وطقوسها وألوانها وروحها ،تأخذك إلى الجذور ،والعلاقات الإجتماعية الموغلة في الحياة ،دون تغريب في شخصياتها ،ودون إحداث فراغات سردية في داخل حكاياه التي تنتشر فيها على نحو أفقي ما يميل إلى الرصد في المقتبسات التي تشكل تاريخ حلب ضمن رؤية علائقية تساهم في إخراج سليل المدينة القديمة ليعكس أضواءها وفلسفتها على تلك الأحلام البديعة والخيال الجميل والتي تقترن بالتنوع في إلتقاط روح المكان بدءاً من تلك الدروب الضيقة التي تنسدل عليها النوافذ والشرفات بخشوع ،إلى أسواقها الشعبية والبائعين الذين يضفون متعة وروحاً على المكان الذي يتحول إلى أشبه بتقرير عن الجمال وعبق النفس الذي يفوح من كل شيء نلمحه ،فعيسى بحق يسرد آيات حلب

يوثق مفرداتها بالتفاصيل الدقيقة ،بل يكاد يتحول إلى دليل كل زائر لحلب ،فيكفي أن تتعرف على أعماله حتى تتعرف على حلب، ولتقرأ عناوينها وتدخل دقائقها حتى تخرج بأنك كنت في تجوال وترحال بين مفاصل حلب ،بل يكاد عيسى يتحول إلى سفيرها بأرجاء المعمورة كلها ،فأعماله وبلغتها القادرة على تسجيل كل تفاصيلها مهما كانت دقيقة قادرة أن تقول بألوانها وخطوطها التي هي الصدى للعلاقات التي كانت ممكنة لتشكيل روابط بين عناصر المكان المختلفة ،قادرة أن تقول الكثير ،فما يراه عيسى بحواسه نراه نحن بإدراكاتنا لها و لتلك لمفاهيم التي هي بالتالي أدوات لمعرفة الأشياء ذاتها ،فهذه الروابط هي التي تعطي الإنسان صيرورة البقاء و متعته ،وهي التي تطلق عليها سيرورة التدليل التي تجعل الحياة الإنسانية مكتفية بذاتها ،و قد يكون في ذلك حالات إبلاغية عنداللاإكتفاء .

يمكن القول إذاً إن عيسى وبعلاماته التسجيلية للمكان قادر أن يتحكم بتلك الحقول الإدراكية بوجود تلك المميزات غير الواضحة لديه ،فلا ثابت لديه ،فالكل يطمح إلى لغة تكون قادرة على مدنا بكل ما يمكن أن نحتاجه لمعرفة ما يحيطنا من عوالم و نستمتع بتجميله أو كشف الجميل فيه .

لا تعليقات

اترك رد