” جيب ليل واخذ عتابة ” !!

 

العراقيون يرددون هذا المثل الشعبي حينما يتذمرون من واقعة او حدث يَرَون ان وقته قد طال أو سيطول وقد تتخلله مصاعب ومعوقات. و(العتابة) : طور من الغناء الريفي الحزين ، ومن أنواع الشعر الذي تغنى به العتابة الزجل ، وهو شعر غنائي تراثي شعبي منتشر،وله مكانة مرموقة في الغناء الشعبي الفلسطيني ، والغناء الشعبي اللبناني على وجه الخصوص ، والغناء الشعبي الشامي على وجه عام ، وفي المنطقة الغربية والجنوبية والفرات الأوسط للعراق أيضا ، ويرددها العامة في مناسبات الفرح والسمر والأنس ، وعادة ما تكون مصاحبة للميجانا.

تتألف ( العتابة) من بيتين ولكل بيت شطرين، وتكون الاشطر الثلاثة الأولى على قافية مجنسة ، أي يتفقان في اللفظ ويختلفان في المعنى ، وينتهي الشطر الرابع بالباء الساكنة المسبوقة بالألف أو بالفتحة ، مثل كل التراث المنقول.

ومن الشائع أن لفظة (العتابا ) تعني العتب والعتاب ، ومعظم الموسيقيين والمغنيين ومؤلفين الذين سئلوا عن هذا الموضوع اكدوا ان (العتابا ) فلسطينية المنشأ ، وهي معروفة في بلاد الشام وفي العراق أيضا .. (1 ).

لقد وجدنا ان ( جيب ليل وأخذ عتابة) لها حكاية مفادها ” عتابا : نمط من الغناء، ولعله مأخوذ من العتب على الاحباب ويقولون عتب يعتب : اي غنى نوعا خاصا من الغناء، كالزهيري او الموال او ما اشبه ذلك ، وقيل ان العتاب هذا مأخوذ من كلمة (عتابا) ، وهو اسم امرأة كردية كانت جميلة جدا، تزوجت حبيبها وابن عمها وهو احد الفلاحين في شمالي العراق ، واتفق ان رآها احد امراء الاقطاع في تلك المنطقة ، فأحبها ورغب فيها واشتاق اليها شوقا شديدا ، ولما امتنعت عليه واعيته الحيل في الحصول عليها ، ارسل عددا من رجاله فاختطفوها ، وجاءوا بها اليه ، ثم احتفظ بها لنفسه كأحدى جواري القصر، ولما عاد زوجها المنكود ووجد بيته قد اقفر من زوجته الحبيبة ، اظلمت الدنيا في عينيه ، وهام على وجهه متنقلا بين المدن والقرى، مؤلفا قطعا من الشعر يناجي به – عتابا – ويغنيه بانغام شجية فعرف فيما بعد باسم – عتابا – وقيل انه استقر في سورية ، وصار يؤلف ويذيع هذا النوع من الغناء، فأخذ عنه وانتشر، وفي سوريا يقال (هات ليل وخذ عتابا). (2)

وفي بلادنا تجد أبناء جلدتي (يجرون ليل وياخذون عتابة ) حتى الصباح ، بسبب ماألم بهم من ضيم وويلات طيلة ستة عشر عاما ، حتى باتت أفكارهم سوداوية ، وامسى مستقبلهم مظلما ، لدرجة ان ابداعهم انصب على ابتكار كل ماهو مأساوي وبعيد عن روح التطور والتفاؤل ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها : قيامهم بـ (تجفيت كومبروسر) البرادات و(تجفيت بولبرن ويل ) السيارات ، وتحوير (درايم شفت) السيارة نوع رينو الى السيارة البرازيلي ، ومنهم من وضع مبردة هواء على باصات (الكوستر ) وكذلك (الستوتة) ، وهذه الابتكارات وان كانت لسد الحاجة وذات مردود اقتصادي لكنها ليست الهدف الأسمى ، وغير ذلك كثير، لكن الأنكى من كل هذا وذاك ، ابتكار غريب عجيب يتعلق بالموتى ، حيث يوجد(دفان ) معروف ، لديه موقع على ( اليوتيوب ) ، وتأكدت بنفسي عبر محرك البحث ( غوغل ) ، ان هذا الرجل اعلن استعداده لدفن ثلاثة موتى ، اثنان مقابل ثمن والثالث مجانا !!. كتسهيل أمر وتشجيع ، ولم ينس صاحبنا شمول الموتى من الفقراء وشهداء الجيش والحشد ( بمجانية الدفن )، ويقول انه يطمح الى مد خطوط اتصال عن طريق النت (بالمرحوم ) بعد استيراده قبور زجاجية ايطالية المنشا ، تمكن ذوي المرحوم من الاتصال بميتهم ، وتوفير عناء سفرهم لمقبرة وادي السلام في النجف الأشرف.

ويؤكد الرجل أنه يتحمل ثمن وجبة غذاء (المعاميل) مجانا في مطعم الخيمة ( براس ) المقبرة ، وهكذا (يدلل) المرحوم ويخفف عنه العذاب!!… يذكر ان هذا ( الدفان ) ينشط عمله بالحروب ومن خلال حوادث الطرق ، وخاصة طريق البطحاء لأنه مازال باتجاه واحد. وهذا ماجناه الظلاميون دعاة التجهيل والتخلف ..و( جيب ليل واخذ عتابة و طاح حظك سلمان )!!!.

يكفي أيها الطارئون أن أذكِّر بحديث رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم “: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت” ، ولقد صنعتم بالناس كل ماهو مخالف للدين والمنطق والانسانية والحضارة ، ومايحول بينهم وبين تحقيقهم حياة حرة كريمة ، لأنكم لاتعون معنى الحياء ولاتفقهون معنى الحكمة ، بيد ان انقلاب السحر على الساحر قاب قوسين أو أدنى و ( ستجرون ليلا وتاخذون عتابة.. لأبوموزة)!!.

1- بتصرف ، عتابا ، ويكيبيديا ، 1-1-1982
2- بتصرف ، أحمد البشر الرومي- كتاب الأمثال الكويتية المقارنة ، أمثال كويتية ، الأنباء ، ١٠/١١/٢٠١٢

لا تعليقات

اترك رد