دور المعلم بين واجباته وهمومه ؟؟؟

 

ذاك الإنسان البسيط الذي اختار مجال تخصصه في التربية والتعليم؛ قد لا يتأتى ذلك بالاختيار الحر ولكن بجميع الأحوال سنكون نحن بمجابهة واقع إعداده وتكوينه نظرياً تطبيقياً الأمر الذي تكتنفه ثغرات ومثالب سواء برامجياً أم بتوفير الكفايات المناسبة لذياك التكوين وبرامجه..

وحينما يكون في مجابهة مهامه سنكون بصدد مشهد يجمع بين نقص الكفاية في الإعداد وبين واقع لا يستجيب للمحددات النظرية التي تلقاها في رحلة دراسته التخصصية.. دع عنك أنّ هذا (المعلم) هو ابن مجتمع يعاني من اهتزاز الاستقرار الاقتصا اجتماعي والسياسي الأمني..

فهناك وضع اقتصادي يتسم بالتدني وضعف المرتبات \ الأجور والمكافآت، وعدم وجود الحوافز بما يليق بهذا المواطن وبما يستجيب لحاجاته فتلتهم الإيجارات وأجور الكهرباء الأهلية والنقل رواتبهم الشهرية بخلاف قضية عدم تسديد تلك الرواتب في مواعيدها وتأخرها طويلاً…

يدفع هذا المعلم للاشتغال المركب حيث يتابع مهامه التعليمية (والتربوية) وهو جد منهك مستنزف مهموم! كيف سيتمكن من أداء واجبه بصورة طبيعية عادية!؟ لا أمل بظل ذلك أن تكون الأمور مقبولة وقادرة على تجاوز ما يطفو بسبب ما يُخلق من وضع للمعلم…

وإذا مررنا لماماً وسريعاً بأوضاعه الاجتماعية وانعكاسات الاقتصاد المتدهور فإنّ المعلم لا يجد في مدرسته غرفة خاصة به وزميلاته وزملائه وهو مسحوق المطالب بخلفية انتهاك بنية النقابة وتبعيتها لأحزاب الطائفية الفاسدة إلى جانب إدارات مستهلكة بلا خطة موضوعية مناسبة..

وعدا ذلك فالمعلم أمام فصول دراسية بمساحات محدودة ولكنها بأحجام لا تستوعب الاكتظاظ بالطلبة الذين تصل أعدادهم ما يفوق المائة في الصف \ الفصل الواحد! وإذا تجولنا في المباني المدرسية فهي بين معطلة من المرافق وبين فاقدتها وبين وجودها في أبنية طينية أو أكواخ من جريد النخيل وأخرى في العراء!!

طبعاً لا حديث جدي [بل مسخرة] عن عدم وجود وسائل الإيضاح والمختبرات العلمية والمكتبات، وحتى داخل الصف لا يجد اية فرصة لتقديم ما يتفق وحاجات العملية التعليمية واترك التربية وعلاقة المعلم بالطالب لأسباب متنوعة عديدة..

فالمعلم يجابه تصرفات سلوكية عدوانية من بعض تلامذته لأن آباءهم في جهة من طرف ميليشيات البلطجة أو ما سواها أو لوجود مبررات من قبيل التهديد بالفصل العشائري وما إليه من تحديات مرضية!

إنّ تهرُّب المعلم من دوره واعتماده على عمل آخر في موارد عيشه غير أنه ينهكه ويستنزفه بدنياً نفسيا، فإنه يهمل واجباته وتنشأ علاقات دراسية غير سوية (بعضها) تتحكم فيه المحاباة والمجاملة وبغيرها الابتزاز وبثالثة ما لا يدخل بمفاهيم التربية والتعليم ولا يرتبط بها بصلة..

وبالمقابل لا يتحمل المعلم وزر أدائه فالقيم التربوية للتلامذة التي تجسد طابع الأسر والعوائل التي ينحدرون منها وظروفها المخصوصة تدفع بعدد منهم لممارسة سلوك أو ملء أوقاتهم باللهو واللعب والانشغال بالعلاقات الصداقية أو الزمالة على حساب المدرسة وعملية التعلّم الأمر الذي يضاعف من جهد المعلم لإيصال المادة العلمية للتلامذة المشار إليهم هنا.

فكثرما نجد آلية الدراسة تنصب على وقت الامتحان حيث يركز الطلبة على المطالعة والاستعداد عندما يأتي وقت الامتحان، ولا يُعنى بمذاكرة دروسه يوميا كما ينبغي ما يضيف همَّاً آخر على المعلم…

وعليه فإنّ انشغال الأسر والعوائل بظروفهم ومتاعب الحياة من ملايين في النزوح وأخرى مهجَّرة وثالثة بلا مصادر عيش بنسب الفقر وتدني مستويات العيش والانفلات الأمني وتشوّه العلاقات، كل ذلك يُضعف توجيه الأبناء نحو الاهتمام بدراستهم وأكثر من ذلك سوءاً تحث بعض العوائل أبناءها على العمل من أجل مساعدة الوالدين في تحسين مصدر العيش وربما كان ذاك التلميذ المصدر الأساس في عيش العائلة، بسكنٍ لا تتوافر فيه أماكن للدراسة والتعلّم!

إنّ تلك الظواهر هي السبب الحقيقي في جنوح الطلبة وتسربهم من التعليم الأساس وظهور مشكلات بعينها وليس بالضرورة المعلم لوحده، وتقصيره في أداء واجباته المهنية..

ثم لماذا لا نتحدث عن الإدارة المدرسية وما باتت فيه اليوم من سمات!؟ أليس الطابع الحزبي والمحاصصة والخطاب الطائفي ومنطق الابتزاز فيه سببا في تقصير من جهة وفي ارتكاب أخطاء في التعامل مع المعلم؟؟؟

ثم اين دراسة أحوال التلامذة وصياغة برامج عمل ومعالجة ما يطفو من مشكلات؟ ولكن مع تساؤلنا هذا اين ستجد الإدارة فرصة التعامل الموضوعي مع تلك القضايا في ظروف الإهمال والقصور الكلي الشامل سواء في التعليم أم في برامجه ومناهجه وموازناته أم في تفاصيل ومحاور أخرى؟؟

قلة متابعة الادارة للطالب الضعيف في دروسه وتلقى باللائمة على المعلم، إن تلك الإدارات تجد نفسها حيث مجابهة هزال القدرة وعدم توافر الكتب الدراسية وعدم توافر الوسائل التعليمية الضرورية، وأبعد من المادي تسوء العلاقات بما يؤدي إلى مشكلات وخسائر نتيجتها هزال مخرجات التعليم ورسوب طلبة وتسربهم من التعليم.

كيف يمكن الاستفادة من تصحيح الدفاتر ومنح الطالب فرصته لتوضيح الأخطاء والتعلم من التجاريب بوقت تزدحم الصفوف وتتشوش المناهج والمقررات ويطيح بها توجه إدارة أو من يتحكم بها ويوجهها فكريا سياسيا وحتى هذي الاصطلاحات كبيرة على أنصاف المتعلمين ممن يدير المهام…

وفي مجتمع تسوده العتمة والضبابية ولا مستقبل للإنسان ولمعنى التعليم فيه ألا تنعدم الجدوى وتنعكس على مهام المعلم!؟ ألا يدفع هذا كثيراً من المعلمين إلى التوهان في مهمته بين التوجيه بأهمية التعليم وبين التحدد بتلقين المقرر؟ وألا يدفع التوجه السياسي الطائفي المنحى إلى تضييع وقت الدرس في سجالات لا علاقة لها بعلم؟ مثل مشاغلة الدروس بخطاب الخرافة ودجلها!!؟

هناك معضلة يجابهها المعلم عمليا في الصف الدراسي كما في امتلاك بعض التلامذة للهواتف الذكية وانشغالهم بها في ظروف انتشار الإنترنت وتفاصيل ما تحمله لهم، حيث مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع أخرى لها أدوارها في تشويه الأمور..أقلها أن تلك الموبيلات تتكرس بوصفها مصادر تشتيت الانتباه والتفاعل مع الدرس.. وتخيلوا أن المعلم لا يستطيع منع التلميذ أو حرمانه من هاتفه وإلا حدث له ما لا تُحمد عقباه من محاسبة عشائرية وما إلى ذلك.

كيف يمكننا التحدث عن شخصية المعلم الذي كان يوصف بأنه كاد أن يكون رسولا؟ بوقت يخضع لمعضلات بلا حل وحتى تهالك البنى التحتية يقع بظلاله عليهم!؟

إننا لا نتحدث عن السفرات لا السياحية منها ولا العلاجية ولكن تلك المتعلقة بتعزيز جاهزيته وإعداده للامتياح من التجاريب التعليمية للبلدان الأخرى حتى لو كانت من بلاد الواق واق! ولكن لا أمل في نظام ابتلى به الشعب حيث يمثل مصدر الجراثيم والأوبئة ومخاطرها في البلاد.. لا أمل من دون تغيير شامل لكن من دون ترك المطالب والحقوق كي نستطيع الاحتفاظ بإنسانية هذه الفئة التنويرية الجوهرية في بناء الشخصية في أي بلد بالعالم…

وبالمجمل نقول: إنَّ المعلم العراقي مازال يئن من أسس إعداده وتطوير كفاءته وحجب وسائل استفادته من التجاريب الأحدث عالميا إقليميا، ومن خلل في العناية بحاجاته ومطالبه الإنسانية وظروف عيشه بوقت يعاني من اتهامات بالقصور ومن ابتزاز وبلطجة قاسية، سواء بالتهجم عليه بخلفية منطق العشائر وحساباتها أم بأذرع الميليشيا ام بالانفلات القيمي، فماذا يُرتجى وكيف الوصول إلى الحل الذي يعيد المعلم إلى مكانته ويسمح له بأداء رسالته السامية!؟

لا تعليقات

اترك رد