اَلْإِبْداعُ و جَمالِيَّة اَلـنَّـــقْلِ

 

جلست تحت ظل شجرة الرمان أتأمل فلاحا يسقي أرضه ، كان يتأمل المياه تصافح صفحة الحقل المشتاق إليها فيعانقها كي تسري في جسمه ويتم التلاحم الجميل الذي سينتج عنه الجمال والنفع في ذات الوقت ، ستمر الأيام ، وسيسفر هذا العناق إلى منظر جميل :أزهار تنمو مشتاقة للحديث مع الشمس والفراشات والطيور ،وأشجار تقوى أعوادها شيئا فشيئا قبل أن تصير قادرة على حمل ما لذ وطاب من ثمار…
الفلاح يواصل تأملاته قبل أن يحول الماء إلى حقل آخر مجاور كي يتم حفل الزفاف من جديد …الطيور تحيي الحفل بأناشيدها والنسيم يلاطف الجميع ،والأشجار القديمة ترحب بالفلاح وتشكره وتجل عمله إجلالا ، إذ تعتبره ذا أفضل مهنة على الإطلاق لأنه يعمل بقليل أجرة من أجل إطعام الجميع…
تبادر إلى ذهني كيفية نقل كل الأحاسيس المحيطة بهذا المشهد الجميل ، فقلت ما أعظم المبدع الذي يتحف الناس بمنتجه الحامل للأحاسيس والرؤى الطارئة إزاء ما يعتمل في المجتمع من مجريات ووقائع تدفع إلى التفاعل والانفعال بين هؤلاء وأولئك…فهو يبدع ما يخاطب الفؤاد في كل عصر متجددا لكونه يحمل جوهر المشاعر المشتركة بين البشر كما يحمل مكامن إثارة الأحاسيس عبر تفجير الطاقات المضمونية عبر عجن بعضها ببعض من أجل عبارات بلورية دؤوبة اللمعان المؤثر في النفوس حين يجعلها تستحضر اللحظة بدفئها في كل الأزمنة ، بها يخاطب الوجدان الجمعي حاملا إليها مناخات الجمال وفيض البهاء متساميا بالروح معمقا للشعور عبر رؤية تسري أبعادها في النفوس .
إنه المبدع إذن ، إنسان يستحق التقدير والاحترام لكونه يؤرخ للحظة بصيغة تحافظ على ألقها كي يمتد في الزمن كي نتفاعل معها تفاعلا حميميا وهنا تأتي أهمية الإبداع ، فله القدرة على إثارة النفوس نحو التغيير مع رفض كل ما هو سلبي ، فبقوته السحرية يجلب التعاطف مع المظلوم ويجلب السخط والثورة إزاء الظالم بطريقة سحرية.
لذا فنجاح النصوص لا يكمن في تواصل القراء معها تواصلا إيجابيا فحسب ، وإنما في نفخ روح التفاعل مع الموضوع الذي تجسد عباراته فحواه بشكل جلي متميز ينم عن ملكة لا يمتلكها سوى الكاتب المبدع المالك لزمام الانتاج الإبداعي بجدارة واستحقاق.
وسر تفوق الكاتب المبدع في إمتاعنا والتأثير علينا يعود إلى قدرته الخاصة على جمالية وروعة النقل للمرئي والمحسوس بشكل رائق وشائق يجعلك تشاركه مشاعره ، فيصير وكأنه الكريم الذي أبى إلا أن يشاركك وجبة لذيذة وثمينة المكونات .
فما أجمل شعرك يا “صفي الدين الحلي” وأنت تتحدث عن الربيع بجماله وبهائه قائلا :
خلعَ الربيعُ على غصونِ البانِ
حللاً، فواضلها على الكثبانِ
ونمتْ فروعُ الدوحِ حتى صافحتْ
كفلَ الكثيبِ ذوائبُ الأغصانِ
وتتوجتْ بسطُ الرياضِ، فزهرها
خدَّ الرياضِ شقائقُ النعمانِ
وتنوعتُ بسطُ الرياضِ، فزهرُها
متباينٌ الأشكالِ والألوانِ
مِن أبيَضٍ يَقَقٍ وأصفَرَ فاقِعٍ
أو أزرَقٍ صافٍ، وأحمَرَ قانِ
والظلُّ يسرقُ في الخمائلِ خطوهُ،
والغُصنُ يَخطِرُ خِطرَة َ النَّشوانِ
………………………
وما أبهى شعرك يا محمد درويش وأنت تعبر عما يجيش بصدرك قائلا :

عيونك شوكة في القلب
توجعني ..واعبدها
واحميها من الريح
واغمدها وراء الليل والأوجاع..اغمدها
فيشعل جرحها ضوء المصابيح
ويجعل حاضري غدها

رأيتك امس في الميناء
مسافرة بلا اهل..بلا زاد
ركضت اليك كالأيتام
اسأل حكمة الاجداد:
لماذا تسحب البيارة الخضراء؟
من سجن ,الى منفى,الى ميناء
وتبقى رغم رحلتها
ورغم روائح الأملاح والأشواق
تبقى دائما خضراء؟

وكنت حديقتي وأنا غريب الدار
ادق الباب يا قلبي

على قلبي
يقوم الباب والشباك والاسمنت والأحجار
رأيتك عند باب الكهف..عند الغار
معلقة على حبل الغسيل ثياب ايتامك
رأيتك ملأ البحر والرمل
وكنت جميلة كالأرض..كالأطفال..كالفل
……

لا تعليقات

اترك رد