قرية الانتظار

 

اقتادوني مكبلا و معصب العينين بعد ان اشبعوني لكماً و قدحاً بأنواع الكلمات البذيئة و اخذوني الى كبيرهم يقتص مني و يبت في امري وفق المعطيات التي وصلته في إضبارتي يتطلع فيها تارة و في وجهي تارة اخرى و قال له انت لست كالآخرين يبدوا صفحتك بيضاء و لكنك سوف تتحمل اوزار جشعنا و طمعنا و حبنا للجريمة و الفساد و بما انك عادي جداً و ليس لديك تاريخ حافل بالعصيان سوف نكتفي ان ننفيك الى القرية النائية و صرخ بأتباعه خذوه الى اقرب محطة حتى يستقل القطار الذي يذهب هناك .

ليس بغريب على بلد تعمه الفوضى و الفساد و التفكك الاجتماعي و السياسي و غياب القانون ان يكون مستنقع العصابات و المافيات الخسيسة و يكون كل شيء مباح و باستطاعة اي شخص ان يفعل ما يريد مهما كان توجهه و تحت مبررات شتى قامت العصابات بالسلب و النهب و كل شخص يعيش في هذا البلد عرضة للاعتداء من قبل تلك العصابات لم يعد هناك من امان و لا يمكن الشعور به حتى ان تتخطى الارهاب لا يمكن ان تعبر من العصابات و ان نفذت منها تنتهي بمشاجرات عشائرية انحسرت الكثير من العادات و القيم الانسانية و اضمحل الضمير حتى صار هزيل لا يقوى على الردع لكنها الحياة تستمر غير مبالية بكل ما يحدث كما هي غربال دائم , بعد عناء و جهد مضني حصلت على سيارة نوع هوندا اوبترا بالتعبير الدارج موديل 2008 صفراء اللون لكونها سيارة اجرة اعمل بها تكسي اكسب قوتي و قوت اهلي اساعد ابي على صعوبة الحياة و اكون واحداً من الكثير الذين يعملون بهذا المجال اصبحت مهنة من لا مهنة له و الشارع اليوم مكتظ بسيارات الاجرة و على الله الرزق , حصلت في اول يوم لي على مبلغ من المال رسم البسمة على شفاه ابوي و ارتياح لنفسي اذا ما استمر الرزق على هذه الوتيرة سوف نجمع القسط و نحن مطمئنين و في اليوم التالي نهضت مبكراً الى العمل و بدأت المشوار في رحلة بين الشوارع و المناطق و لكوني جديد لا اعرف اسماء الاحياء او الشوارع جميعها و اعرف من اين ادخل او اخرج غالباً ما استنجد بالركاب يدلوني الى وجهتهم في اجواء سعيدة و مرحة و على انغام الموسيقى و الغناء ادندن عائداً الى البيت مثقلاً بقصص الراكبين و معاناتهم حتى اني اصبحت من المهتمين بالسياسة و الاخبار مواكباً الاحاديث مع الركاب , مضت فترة ليست بالقليلة و انا ازاول هذا العمل الذي صار روتين قاتل و ممل بعض الشيء مما قادني الى التكاسل لا اقل كل من يلوح لي و اصبحت انتقي الاجرة التي تكون بعيدة و لها مردود كبير من المال و ان حصلت في اليوم على اجرتين تكفي و اعود الى البيت .

كنت اصرخ و اقول اتركوني الى اين تأخذوني ارجوكم اريد العودة الى اهلي لكن لا جدوى لا احد يرد علي ببنت شفة صارعت كثيراً احاول فك القيود لكن لا استطيع ثم وضعوني في سيارتهم الغريبة لم ارى مثلها في حياتي و انطلقت عبر حقول و اشجار تمشي بسرعة كبيرة بدأت الحقول و الاشجار تختفي و لم يعد هناك غير تلال من التراب و سواتر ترابية بدأت هي الاخرى تخبو الى ان انتهت ثم و صلنا الى مكان لا معالم له سوى ارض و سماء و فجأة اوقفوا السيارة و انزلوني قال احدهم بعد ان احل وثاقي خذ هذا الاتجاه بضع خطوات و سوف تجد سكة الحديد انتظر الى ان يأتي القطار و اصعد اليه و اياك ثم اياك ان تضيع الفرصة و لا تصعد فيه هو لا يمر من هنا الا بعد بضعة سنين و لا تفكر في العودة لأنك لا تجد الطريق مطلقاً .

جرت العادة ان اقف بسيارتي في مكان ثابت فيه حركة الركاب خصوصاً في وقت الصباح و هذه المرة خرجت مبكراً جداً حتى ان الشمس لم تشرق بعد منذ ان افقت و انا اسمع صوت اذان الفجر جاءني شعور بالارتياح و اديت صلاة الصبح ثم قرأت القرآن قليل من آياته المباركة ثم خرجت دون ان ايقظ احداً , انتظرت قليلاً حتى جاء شخصين الاول رجل اربعيني و الاخر شاب يلبسان ملابس رثة متربة تدل هيئتهما انهما من عمال البناء و اتفقت معهما على ان اقلهما الى منطقة بعيدة خارج المدينة و الاجرة كانت مغرية جداً لم ابالي ابداً و لم اكن افكر ان المكان الذي يبغيان من الاماكن التي لا يمكن الذهاب اليها بسبب كونها منطقة خطرة لوجود حقول الألغام و المقذوفات الحربية قريبة من الحدود العراقية الايرانية , انطلقت بقيادة السيارة على صوت القرآن في المذياع كان يجلس بجانبي الرجل اما الشاب كان يجلس في المقعد الخلفي قطعنا مسافة طويلة و قاربنا الوصول الى الطريق الترابي الذي يقودنا الى المشروع الذي يعملان فيه حسب ما اخبرني الرجل و هما عاملان بالأجرة اخبرته عن سبب اخذ سيارة اجرة على حسابهما و لماذا لا يوفر المشروع سيارة لهما فقال الرجل انهما يقيمان في المشروع لمدة عشرة ايام و من ثم يأخذان استراحة لمدة يومين كما اخبرني عن طبيعة عمل المشروع و هو مد خطوط كهرباء من ايران الى العراق كان مقنعاً بالحديث و يتكلم بمأساة مثل كل العراقيين الذين يعانون الفقر و العمل الشاق بأجر زهيد و طبعاً كان السخط على الحكومة من اولويات الحديث و هو الشغل الشاغل لهموم الناس و ما سببه الفساد من امراض نفسية و عصبية في عقول و اذهان الناس , و بعد حوالي ساعة من المسير بين ثنايا الطريق الترابي الوعر وصلنا اخيراً الى مكان العمل فأوقفت السيارة و اذا بالشاب الذي خلفي يسحب مسدس و يضعه في رأسي و قال لي انزل و الا افجر رأسك

جلست على الارض تلك الارض التي هي امي التي انتمي اليها و هي التي اعطتني كل تفاصيلي كل ذرة في جسمي و قد قرأت يوماً ما ان جسم الانسان يحتوي على كل العناصر التي في التربة مكوناتها هي مكوناتي الفسفور و الحديد و الكالسيوم و البوتاسيوم و الكبريت و الفوسفات و شتى المعادن و المركبات و اصل ذلك كله الكربون نعم انه الكربون يدخل في تركيب كل شيء اذا ما حرقنا اي شيء في هذه الارض سوف تخلف الكاربون و ها انا اجلس فوق سطح التربة تربة متطورة مصنوعة بعناية فائقة لا يبدعها غير الخالق تجلس على تربة خام غرقت في الافكار و التساؤلات حتى هبت رياح اثارت التربة و اخذت معها طبقة خفيفة و القتها في غير مكان انها التعرية حسب الوصف الجغرافي الرياح تعري سطح التربة غير ان التعرية تأتي ورائها كسوة اي ان المكان الذي اخذت منه الرياح عادت الرياح ايضاً بذرات اخرى مكان الذي اخذتها و هنا جال في خاطري امر ما ان التربة التي اجلس عليها ليست بتربة بل انها من البشر فأنا اجلس على بشر مثلي انا اسحق التربة بقدمي لا بل اسحق البشر الذين ماتوا و اصبحت اجسادهم ذرات من التراب و اسحق الذين لم يولدوا بعد غريب كيف لا نقدسها هذه التربة و كيف لا نحترمها و نحترم ما ينسلخ منا و ما يخرج من باطنها اف له من ناكر الجميل ذلك الانسان المقيت .

الوقت يمر و الشمس تبعث لهيبها الحارق و انا انتظر وصول القطار المزعوم , انهم يكذبون لا وجود لقطار في هذه الانحاء في هذه الارض بالتحديد انها ارض ملغومة تحملت الكثير من المخلفات الحربية و الكثير من الجروح المؤلمة هل يمكن للأرض ان تشعر بالألم كما ابنائها جرح بسيط يسبب الم في الجسد و قنابل تزن الاطنان على هذه الارض كيف لها ان لا تتألم بينما يتألم الانسان الذي صنع من اصل المادة نفسها للأرض ربما الالم ليس في الارض و لا في الجسد على ما يبدوا ان الالم هو مرافق للروح و ليس للجسد هذا جواب اقنعني آلامنا هي في ارواحنا تسكن معها و الدليل انا احدثكم روحاً و ليس جسداً ثم تذكرت انه اطلق النار علي و ارداني جثة بلا حراك و الدم يسيل على الارض لم تنفع توسلاتي و لا بكائي قلت له هاك نقودي و هاك سيارتي اجعلني اعيش اعود الى اهلي هناك الكثير و الكثير من الاشياء التي لم اعملها بعد قلت له لماذا تقتلني خذ ما تريد و اتركني قال و هو يسخر مني حتى نعيش نحن و نكبر بسرعة يجب ان تموتوا انتم ليست لكم في هذه الارض اهمية بالنسبة لنا نحن و من بعدنا الطوفان و اطلق النار .

اختلطت الاصوات في داخلي مع صوت قادم تعلوا وتيرته رويداً رويدا يشق الزمن الرتيب و انا اترقب قدومه عله القطار لكن كيف بلا سكة حديدية بلا طريق او حتى علامات دلالة ان يكون القطار قادم هل انا هنا في عالم افتراضي اذن سوف افترض انه القطار القادم بلا سكة و لا طريق انه قطار من الخيال لا يمشي بل يطير و افترض ان الارض الخاوية عن عروش او عن جنة من جنان الارض هذه التي اقف يكسوها ما هو يفوق الوصف من بنايات و اشجار و مرافق خدمية و اناس كثر و حياة صاخبة تسر الناظرين و يفرح فيها المنفي و السجين و الأسير الا الاموات لا يفرحون الا اذا عادوا , انهم لن يعودوا حتى في هذا الافتراض لا يمكنهم العودة ابداً يسمح لهم ان يركبوا القطار فقط و يشاهدوا عبر نوافذه ما يريدون ماضيهم او حاضرهم ظلامهم او نورهم حياتهم و مماتهم كما افعل الان في هذا القطار الذي وقف لي بلا محطة و لا رصيف , ما ان وطئت برجلي داخله بدأت اشرطة الحياة تدور و تدور عجلة الايام بلا توقف و لا تأني احداث حقيقية كنت بطلها بمرارتها و حلاوتها اه كم من القسوة تحملين ايتها الذاكرة انتشرت في عربات القطار جميعها كلما تجاوزت عربة بدأت ذاكرة جديدة حتى وصلت الى الشاب الذي اطلق الرصاصة و انخلعت عن جسدي الذي هوى الى امه الارض و سكنت الامه و انفاسه لكن انفاسي و الامي كانت اشد عندما رأيت جثتي يجرها ذلك الوغد و هممت لاقتص منه و اذيقه طعم الغضب المتفجر كالبراكين لو لا تلك الهالة البيضاء تتجسد على هيئة رجل وقور قال لي هدئ من غضبك لا جدوى من ان تقتص منهم الان حتى تعبر قرية الانتظار ماذا تقول ايها الشبح اين تلك القرية قال سوف يأخذونك الاوغاد الى كبيرهم رأس الشر المتربص في كل طريق انظر الى جثتك و هم يسحبونها و انظر الى هالة الشر السوداء قادمة نحوك ليقتادوك الى كبيرهم , ما بين جسدي المرحل الى مكب الموتى و بيني اقتادوني الى كبيرهم بالظرب و التنكيل حتى ركوبي القطار كانت هذه اخر ذكرى .

توقف القطار , نزلت بحذر شديد تتملكني المخاوف و التساؤلات عن هذه القرية المبهمة في هذه البقعة من الارض النائية بعيدة جداً عن وطئ اقدام البشر حتى ان الارض التي تحت قدمي تغور و تتهشم اسمع التراب و هو يصدر صوت اشبه بالهمس كأنه يقول شيءً ما كلما خطوت خطوة يعلوا الصوت و تعلوا معه طبقة من التهجد و الانين تجرني الخطوات و امشي بلا ادنى توجيه من عقلي لم اختر الاتجاه وحدي بل هناك قوى تجبر اقدامي المضي في هذا الاتجاه انني منقاد لا حول لي و لا قوة البصر لا يرى سوى الارض الترابية و التلال و الربايا و اسوار و سواتر تتهافت الي من بعيد يراقصها السراب و السمع لا يصيخ الا البكاء و الانين ينتشر في فضاء ما حولي كم اتمنى ان يكون ذلك كابوس او حتى حلم كم اتمنى ان افيق على صوت امي وهي تناديني على الافطار كم اتمنى ان اسمع صوت ابي وهو يؤنبني و كم اشتاق الى كفه ان يصفعني و كم اشتاق الى صخب المدينة و زحامها الى شوارعها المثقلة بأنين اهمالها كل ذلك انمحق و اصبح هباء منثور متيقن بأنني لن اعود و اشتياقي ليس له معنى و المي يتفجر براكين حمم الاشتياق يجب ان اجرد نفسي من الالم و ان امضي الى القرية التائهة في بقعة مجهولة كما توهان أرم ذات العماد اخفاها الله و اراد لها ان تبتلع جبروتها و كبريائها و علوها كنت اعلم لماذا الله اخفاها لكنني لا اعرف لماذا هذه القرية مخفية و نائية الى نهاية الارض هل هي ذات جبروت و قوة و هل هي اعجوبة من عجائب الخلق من هم سكانها و لماذا ارسلوني اليها كل تلك التساؤلات تعصف في نفسي بلا وعي و لا ادراك للزمان كأن الزمن توقف و اشعر ان اميال الساعة ما عادت تتحرك و لا زالت الشمس في مكانها و انا اسير بلا هوادة احث الخطى نحو هدف مجهول

لا اعرف مدى المسافة التي قطعتها و لا الوقت المستغرق في قطع تلك المسافة و هل فعلاً كنت امشي ام هي محظ خيال و اوهام لم اشعر بعطش او جوع برغم الشمس الحارقة لم يتعرق جسدي و لم يصيبني الوهن و ما زلت امشي و امشي الى نهاية الارض , فجأة توقفت و احسست من يمشي ورائي يتتبعني حاولت دوران وجهي و جسدي الى الوراء واجهت صعوبة و مفاصلي متيبسة انتبهت الى جسدي فإذا هو منتفخ على غير العادة هل من الممكن ان اسمن بلا طعام و بعد هذا الجهد و المشي و حرق السعرات الحرارية ثم نظرت من حولي وجدث هناك طيور تتبعني و قوارض تدب في سيرها نحوي يا الهي علي الهروب يا الهي ساعدني سوف يمزقون جثتي حاولت الركض و جاهدت كثيراً غير ان اقدامي المتيبسة تجر الخطوات مع اقتراب القوارض و الطيور نحوي استسلمت لها و كان قراري الاخير لكن هناك من انتشلني فجأة اخذاً بيدي مبتعداً عن كل ذلك قال لي افتح عيناك لا داعي للخوف فتحتها رويداً رويداً فانكشفت لي ملامح و صور لشخوص بلا شخوص هياكل عظمية تحيط بها هالة من الغبار المعتق له رائحة غريبة كأنها رائحة الروث المزمن قلت اين انا و من انت اجاب بعد لحظة انت في القرية و انا احد سكانها اهلا بك هممت بالكلام لكنه قاطعني قبل ان ابدأ و قال لا تجهد نفسك سوف تجد الاجابة عن تساؤلاتك بعد حين الان هيا لكي تستريح بعد رحلتك المضنية .

ليست ككل القرى كما يتصورها الناس عندما تذكر القرية يخطر في البال انها من قرى الريف فيها من النخيل و اشجار السدر و مزارع من الحنطة او الشعير تنتشر المنازل مبعثرة و متفرقة تعبث في ارضها الدجاج و البط و المواشي تسرح في بقاعها و انواع الطيور المحلقة و المغردة و ترى الكلاب تتوسد الارض فارشة ذراعيها انها المخيلة الخصبة لاسم القرية لكن هذه القرية لا توجد فيها و لا دلالة واحدة تدل انها قرية بل على طول طريقها تتوزع تلال من التراب و سواتر ترابية مع خنادق , تتبعثر على ارضها اكياس من التراب كانت تستخدم في مواضع الجنود , في كل بقعة منها شظايا من المقذوفات و القنابل و الغام هنا و هناك , سكانها هياكل عظمية منها ما تحيط بها هالة من غبار و منها مجرد كتلة من العظام فقط و منها ما هو كثيف فلم اجد هيكل عظمي يحيط به اللحم او الجلد , مشيت مع الهيكل العظمي الذي انقذني حتى وصلنا الى منطقة تختلف فيها خيمة و عدة مواضع عامرة , دخلنا الخيمة فوجدت عدد من الهياكل لشخوص تحيط بهم هالات مشعة قال الهيكل المرافق لي انه وافد جديد الى القرية صاح احدهم بعد هذه السنين انه في طور التفسخ خذه الى موضع قريب و اعطه لائحة التعليمات , ذهب بي على الفور الى موضع صغير اشار الي بالجلوس و جلس قبالتي قال يجب ان تعرف اولا انك لا تستطيع الخروج من هذا الموضع حتى نأذن لك قلت لماذا ؟ قال انك تعاني من التفسخ و هذه المرحلة هي مرحلة الوباء لا نريد للقرية ان تصاب بلعنة اخرى قلت و ما هو هذا التفسخ قال لي سوف تعرف بنفسك انا ذاهب الان و عليك الالتزام بما يملى عليك اعلم يا بني هذا بصالحك , ذهب عني و تركني وحيداً في هذا الموضع حاولت ان اتذكر ماذا حدث لي و ما الذي جاء بي الى هنا لم تكن سوى لقطات هنا و هناك لم اعد اتذكر شيء من الماضي انمحقت ذاكرتي و لا اتذكر سوى ما قاله لي ذلك الهيكل اياك و الخروج من موضعك مرت الساعات و انا اجاهد الذاكرة دون جدوى انني اشعر ان هناك احداث و تفاصيل مهمة قد وقعت لي لكن ما هي ما نوعها ثم انتابني نوبة من الاختناق و الضيق الشديد و اصابتني اختلاجات سكنت برهة بعدها جاءني شرى و حكة مزعجة في ارجاء جسدي هرشت جسدي بأظافري و انبتها في اللحم مقتطعاً جزء منه ظهر تحته ديدان خرجت من جسدي مع رائحة نتنة علمت من ذلك انه التفسخ مرحلة ذوبان اللحم و تبخر الدم انا في طور التحول الى هيكل عظمي مثلهم تماماً , هذا يدل على انني اصبحت من سكان هذه القرية الغريبة .

قضيت اياما في هذا الموضع اعاني من التفسخ و تهتك اللحم مغموراً بروائح مزعجة تنفر منها الانوف لا احد يزورني كالمنبوذ اسمع بين الحين و الاخر لغط من الحديث ممزوجاً بصفير و صرير الحشرات و بعض الاحيان اصوات طيور تمر فوق الموضع تغني اغنياتها بحبور مما يثير في نفسي الارتياح و احسست اني سوف اتخطى هذه المرحلة و اخرج من هذا الموضع لأخوض غمار الحياة هنا بين حدود القرية ثم غفوت .

صحوت على صوت يناديني بالنهوض فتحت عيني ثم حركت عظامي كانت تكسوها طبقة من التراب الناعم نفضته عني و قمت على اقدامي نظرت من حولي وجدت مرافقي الهيكل العظمي مبتسماً يقول اليوم انت واحد من افراد هذه القرية رقمك هو 103 رفاة مدني قلت له ماذا يعني هذا الرقم قال انت من الهياكل المدنية الوافدة التي جاءت الى هذه القرية مصادفة بينما البقية هم من ساقهم القدر الى هنا و استشهدوا دفاعاً عن الوطن هم من الزمر العسكرية انك يا 103 سوف تصادف الكثير منهم من جنسيات و قوميات مختلفة سوف تجد العربي و الكردي و الايراني السني و الشيعي الفيلي و الاشوري و المسيحي كلهم جميعاً و ايضاً هناك من النساء لا تستغرب هن من فئة الرفاة المدنية كما هو حالك لكنك لا تستطيع التعرف عليهم من خلال النظر لأننا هنا في القرية سواسية جميعنا هياكل و, بعد العشرة و الاختلاط سوف تميز كل شخص على حدة قلت الان اخبرني عن القرية و لماذا نعيش فيها هياكل و رفاة لا نجوع و لا نعطش لا نشعر بالبرد او الحر قال اعلم ان هذه القرية هي قرية الانتظار جميع الرفاة تنتظر العودة الى مثواها و لحين حصول ذلك الامر سوف نسكن الهياكل و من ثم نغادر الى عالمنا تاركين رفاتنا تحتضن التراب قلت و ما الفرق نحن الان في التراب قال لا ابداً نحن الان في قرية الانتظار هي حلقة الوصل بين وداع الجسد و الروح في هذه القرية لا ذنب و لا ثواب لا حياة و لا ممات ننتظر البت في امرنا اما ان نرحل او نبقى الى يوم يبعثون نحن المظلومين هائمة ارواحنا تبحث عن الامان و الطمأنينة قلت هذا البرزخ قال لا هذا عالم بأي ذنب قتلت نحن المفقودين و نحن التائهين عن ارضنا و مثوانا و ارواحنا تائهة تسبح في ملكوت الرحمن حتى تقر اعين اهالينا سوف ننتظر كل بالدور و الان هيا بنا نخرج الى عالمك الجديد قرية الانتظار .

ليست كما رأيتها اول مرة اليوم و بعد ان اصبحت كيان مقرون بالقرية ظهرت معالمها و اتضحت امامي كانت تعج بالحركة لها شوارع و بنايات كما فيها مقهى و صالون حلاقة و الغريب هناك حمير و بغال و خراف حتى اني رأيت جاموس انها قرية متكاملة يوجد طبيب و حداد و نجار و خياط لم اكن اتخيل ذلك قرية تعج بالحياة و اناسها لا يمكنني ان اسميهم بشراً لكونهم لا يملكون اية بشرة هم عظام الكالسيوم المعتق , اسميهم عظاميون و انا منهم عظمي رفاة مدني 103 اخبرت رفيقي العظمي العسكري متسائلا باستغراب عن وجود حلاق لهياكل لا تملك شعراً مطلقاً قال لي في هذه القرية نتعامل بحس افتراضي نفسي نحاكي الطبيعة البشرية هناك من يعتقد ان شعر رأسه طويل او لحيته طويلة وجوب ان يحلقها عند حلاق القرية صاحب المهنة التي اكتسبها في الجيش كان هذا الهيكل حلاق عسكري كما هو حال الطبيب و الحرفيين الاخرين نحن نعمل ليس من اجل المال الذي له اهمية في الحياة الدنيا فقط اما نحن هنا نعمل من اجل العمل عار علينا ان نتوسل الاخرين او ان ينظر الينا اتكاليون و ان كان عملنا لا يجدي نفعاً لكون القرية ليست ممن تخضع للثواب و العقاب و العمل معطل قلت له لكني شاهدت هيكل عظمي يبحث في اكوام القمامة و يجوب الارض يبحث في اديمها قال نعم … نعم هذا يبحث عن اصبعه المقطوع لكن كيف لم ترى جمجمته و هي مثقوبة و متصدعة هذا رفاة شهيد قتل بقناص و قطع اصبعه احد الجنود لكي يأخذ خاتمه كما تعلم ان تاريخ الحروب مليء بمثل هذه الظاهرة .

مرت الايام في هذه القرية عرفت الكثير من الرفاة منهم خمسة من العلماء درسوا الفيزياء النووية و كانوا من الاوائل فاقوا عصرهم بكثير درسوا خارج القطر و عند عودتهم التحقوا بالخدمة العسكرية زجوا في المعركة و استشهدوا , و هم الان يومياً يجلسون عند المقهى و يتناقشون بإسهاب في ما وصلوا اليه من نتائج مذهلة , و من المفارقات في هذه القرية هناك مركز العظام المفقودة يجتمع فيها الكثير من الهياكل يبحثون عن بقايا عظامهم الناقصة و علمت ايضاً توجد هناك قرى انتظار اخرى منها تستقطب شهداء التفجيرات و شهداء الحشد و منها شهداء الاعدامات بالجملة و هذه القرى مستحدثة , و عن سؤالي لماذا جيء بي الى هذه القرية العتيقة و لم اذهب الى القرى المستحدثة قال لي المرافق لي انها الصدفة و القدر اراد لك ذلك .

عرفت رفاة كثيرة جميعهم ينتظرون المغادرة لكن كيف يتم ذلك و ما هي السبل لترك هذه القرية , كنت مستغرقاً في التفكير وذا بنداء يضج في سماء القرية ينادي على الجميع ان يتأهبوا توجد رحلة جميع الرفاة يحزموا امتعتهم قامت الضجة و علت الاصوات جميعهم ذهبوا الى اماكن منتقاة هي اماكنهم الاصلية اضطجعوا فيها بقيت واجماً لا اعرف ماذا اتصرف بقيت في مكاني متسمراً و بعد لحظات سكن الجميع و سكت الكون بأسره مضت ساعة كاملة على هذا الحال ثم عاد الوضع على ما هو علية , للحال ذهبت الى رفيقي الهيكل العسكري جلست معه و تحدثت عن ما جرى فأخبرني قائلاً عندما يقترب من قريتنا بشري على قيد الحياة تصدر اللجنة بيان بالاستعداد لعل هذا البشري يجد رفاة احدنا عندها نرحل عن هذه القرية و لم نعد ننتظر و ما جرى اليوم سوف تعتاد عليه قلت من مِنَ الرفاة اليوم قد رحل قال رحلوا سبعة وجدهم فريق من الباحثين عن الالغام في مقبرة جماعية كانوا قد دفنوا احياء بعد انتهاء المعركة طمرهم البلدوزر و دخلوا القرية انتظروا طويلاً وقد من الله عليهم بالرحيل سوف تذهب رفاتهم الى مثواها الاخير و تصعد ارواحهم الى عالمها الاخر .

ساد القرية الهدوء و عاد كل شيء الى طبيعته مشيت في شوارع القرية و ازقتها رأيت هيكلاً يجلس على قارعة الطريق يمسك غصناً صغير و يخط شيئاً ما في التربة اقتربت منه اكثر القيت التحية ردها علي قلت له اتسمح ان اجالسك قال على الرحب و السعى تفضل قلت له ارى لديك هالة حمراء تختلف عن الجميع هنا ضل مطرقاً بجمجمته الى الارض يعبث بالتربة بغصنه يرسم خطوط متشابكة قال تجاوزت الخمس مرات كنت قاب قوسين من الرحيل من يقترب برحيله الى هذه الدرجة و يعود الى نقطة الصفر خمس مرات تتلون هالته و السادسة تعلن مثواي الاخير في القرية فلا سبيل بعدها الى الرحيل قلت له لا اعرف الشيء الكثير فأنا وافد جديد لكن لا تيأس ابداً , عاودت زيارة الهيكل ذو الهالة الحمراء مراراً و تكراراً حتى ادمنت على ذلك و اصبحنا رفيقين نتجول في ارجاء القرية نستمع الى هذا و ذاك نناقش و نحلل و نضع التكهنات سوياً كم من الوقت و الايام قضيناها لا نعلم الوقت و الزمن لا وجود له , نصل احياناً الى ابعد نقطة من حدود القرية و نعود ادراجنا حاولت ان اخرجه من الهواجس و الاحباط و ان ابث فيه الامل للرحيل و كسر حالة الانتظار كم هو صعب هذا الانتظار كل تفاصيله موت بطيء غير ان الامل هو مفتاح الصبر و الداعم للانتظار لسوف ننتظر مادام الامل باقي رددناها معاً و نرددها الى ان يأتي الفرج .

الرحمة الالاهية تفوق الوصف هي مرافقة لنا في جميع تفاصيلها سواء كانت في الحياة الدنيا او في هذه القرية و تمتد الى ما بعد القرية نلتمسها احياناً و احياناً اخرى لا نشعر بها لكنها ما تبرح عنا مطلقاً , و لها تباشيرها حيث سمعنا المنادي يعود ليقول علة الرفاة التأهب هناك امل للرحيل كونوا على استعداد هبت الهياكل تجمع اغراضها و تتجه الى اماكنها حتى صاحبي الهيكل ذو الهالة الحمراء رغم تردده في ان يخوض هذه المحاولة و بإصرار مني ذهبنا الى مستودع الحاجات و هو عبارة عن مكان توضع فيه مقتنيات الرفاة من ملابس و اقراص التعريف الخاصة بالعسكريين و هي قطعة معدنية يكتب فيها الاسماء و فصيلة الدم و الفرقة او الجهة التابع لها كان صديقي الهيكل ذو الهالة الحمراء لديه بدلته العسكرية و ساعة يد و قلم و قطع من النقود دسها في جيبه على عجل و خرج مسرعاً لكن قرص التعريف سقط منه التقطته من الارض و جريت خلفه ناديته مراراً يركض سريعاً توقف قال ماذا تريد يجب ان اسرع قلت انتظر قرصك التعريفي , نظرت الى القرص و قرأت اسمه ( عبد الامير جبار ) البسته القرص و قلت له الى الخلاص عبد الامير ارحل من هنا نظر الي و هو متفاجئ باستغراب و قال عبد الامير كدت انسى هذا الاسم فأنا رفاه عسكري 10143 هذا ما ينادونني به هنا نظر الي و قال انه متفائل هذه المرة واصل جريانه و انا من خلفه و فجأة توقف حيث كان هناك سيل جارف يقطع الطريق و يحول بينه و بين مكانه المعتاد قال ما العمل الان لا استطيع الوصول الى مكاني في الموعد قلت له ارمي نفسك في هذا السيل ربما هو طريق آخر و دون تردد رمى بنفسه و جرفه السيل تحت انظاري مودعاً اياه الوداع الاخير .

– الاسم عبد الامير جبار الجادري هو جندي عراقي فقد خلال الحرب العراقية الايرانية و قد جرفت السيول رفاته الى الاراضي العراقية و تم التعرف عليه من خلال القرص المعدني و عليه اسمه مع مقتنيات له ساعة يدوية و قطع من النقود .

لا تعليقات

اترك رد