الاصطناع العربي للزعيم.. أو الصنم الذي يهدم ولا يُهدم !


 

شكلت الأزمة السياسية والدستورية الخانقة التي لا تزال تعصف بالجزائر حاليا، بسبب عملية التخريب المُمَنهج للأطر المؤسسية والتسييرية للدولة التي سلكها نظام بوتفليقة على مدار السنوات العشرين التي حكم فيها البلد، بغرض شخْصَنَة الدولة وتملكها فرديا، أسريا، جهويا وعصابتيا، على حساب المنطق الجمهوري الذي تأسست عليه دولة الاستقلال – شكلت – مجالا نظريا خصبا لتفكيك بنية العقل السياسي العربي لمجتمعات ما بعد الكولونيالة الكلاسيكية، والتحول من الوعي الريفي بالدولة والسلطة إلى وعي مؤسساتي لكنه بصدى الريفية الأولى القائمة على ثنائية العصا والمزمار كما وصفها الباحث التونسي الجويني، حيث قبل العربي طوعا أو كرها َأن يستبيح الزعيم أعماق البناء المجتمعي ويعيد تشكيله انطلاقا من مكنونه الذري حتى! ما جعل الاستحالة في الانتقال من نمط الحكم الفردي والأسري سواء كان ملكيا أو جمهوريا يتم بالسلاسة التي يضمنها منطق تطور الأشياء في التاريخ، إلى أن انتج هذا النشاز الابتداعي نمطا كاريكاتوريا في الحكم سُمي مجازا وجزافا بالجُمْلوكية العربية!

تتواطأ دوائر النقد السياسي العربي على تأكيد بداهة الاغتنام العصبي والشللي الأول للدولة الوطنية في العالم العربي، بعد الاندحار الجغرافي للاستعمار دون التاريخي، فكل النخب التي حكمت وظفت تحرير الجغرافيا بالإنابة عن الاستعمار في التاريخ، فعملت على عدم التسوية المجتمعية مع الإشكالات التاريخية الكبرى المتعلقة ببُنى المجتمع الفوقية منها والتحتية، كالهوية والمشروع الوطني، والمؤسسات، فصادرت الوعي بتلك المسائل وبها تلاعبت بكل ما يتعلق بالعمل الوطني، والعمليات السياسية والاقتصادية وتسيير وتقسيم الثروة، من خلال خلق أزمات تتبعها بخلق العبقريات وحلولها المخلِّصة خارج إرادة وكفاءة ووعي المجتمع.

ولأن الوعي بالوجود السياسي والقدرة على التحكم فيه ظل في فلسفته هلاميا، لأسباب متصلة، بمطلقات المكان، صحارى تملأ الوعي بالخلاص الذي قد يقدم من الفراغات، وبالموروثات الثقافية تمتح من صفاءات المثالية الغيبية، وعلى رأسها ذهنية “الانتظار” بمهديته السماوية السُنية والسردابية الشيعية، فإن الزعيم العربي تنزه وتقدس في الأرض وفي السماء معا واستحال وضعه لدى العامة إلى ألهية في الاستحقاق الوظيفي والقدرة في التدبير، وبالتالي لا سقف لسلطانه على المجتمع، لأن المجتمع لا يفقه عن نفسه ما يفقهه ويعرفه عنه الزعيم، وتؤكد صور هذا الوعي البائس البكائيات التي تُقام على أضرحة زعماء من ورق قائمة في قلوب الناس، صنعها جهلهم بقانون التاريخ وفلسفته الوضعية في صناعة الحكم وعبث الإنسان في اصطناع الزعيم الصنم الذي ينزاح عن البيئة ويستعصم من الناس بغباء الناس!

فالذين جاءوا ببوتفليقة إلى سدة الحكم، مثلا هم جماعة الجنرالات الذين انقلبوا على السياق السلمي والصحيح في التحول الديمقراطي بكل الآليات التي يفرضها هذا النهج منها حرية التعبير، وحرية الاختيار عبر صناديق الاقتراع العام، ليزجوا بالمجتمع في حرب أهلية طاحنة استعملت فيها كل وسائل التضليل وتزييف الحقائق، عبر توظيف مزدوج للتاريخ، لجعل المواطن اليائس الخائف من حاضره يحن للماضي القمعي الذي ساده سلام ووئام قهري غير اقتناعي، ما شوش على وعي الناس خصوصا في ظل الاحتراب في الخطاب بين الفُرقاء الذي كان مصاحبا للاحتراب في الميدان، وانطرح السؤال الأبدي من يقتل من؟

هي إذا حالة عزل للوعي عن سياق تطور العالم، وحبسه في إشكالاته الذاتية لكي لا يتنمذج عن الآخر ويظل أسير ما ظن أو وعى أو ظن أنه يعيه، ذلك الماضي الوردي لفترة الاستقرار الأمني القهري الأول، ويحن بالتالي لولادة جديدة لزعيم آخر من ذات الرحم الأول، أو حتى انبعاثه من قبر فكر ذلك الرعيل “العبقري” في إنتاج الاستقرار ودك أنفاس الفوضى ولو على حساب نعمة التعدد ورحمة الاختلاف التي تتوفر للمجتمع، الأمر الذي صار مع توالي النكسات والسقطات في التجارب القطرية العربية يرسخ فرية خطيرة مفادها أن العرب لا يقبلون الحرية بل ولا تليق بهم بالمرة، ما يعني شرعنة القمع والاقتناع بالطغيان كضرورة وليس ضرر!

وحين يقتنع العربي، المأسور في بوتقة الرؤية الواحدية الأحادية لواقعه المأزوم، بخطورة الأزمة المصطنعة، داخل مخابر ومخابرات الجماعات والعصابات الحاكمة في الغرف المظلمة، كي لا يمضي باتجاه التغيير وفق سنن التاريخ، وينهزم لغة وقوة في وغى الحقيقة المتلاعب بها في الخطابات والمنابر السياسية والثقافية، يقبل من دون خيار او اختيار بالحلول الجاهزة لتلكم الإشكالات المصطنعة، وعلى رأسها التزكية المسبقة والتصفيق الحار للزعيم المختار القادم من المجد الضائع، زمن الرخاء الريعي، واللا فوضى في الأسواق العامة وهيبة الدولة وفق منطق قانون السلطان على حساب سلطان القانون.

هكذا حصل في النموذج الجزائري، فبعد ويلات الحرب المختلقة المصطنعة، استدار صناع الوعي الخاطئ إلى الأحقاب الوردية التي تستقر في المساحات المقدسة بوجدان الناس، فجلبوا محمد بوضياف أحد زعماء ثورة التحرير الوطنية الكبرى والذي عارض نظام الاستقلال الاستبدادي، وحين لمسوا فيه الجدية في دمقرطة الحياة السياسية والخروج بالسلطة الفعلية من أقبيتها والقضاء على ازدواجية النظام بظاهره وباطنه قضوا عليه، وأعاودا الكرة من بعد زروال، ببوتفليقة، هذا الأخير لم يكن مشروعه يقتصر على هدم صنم الحكم برأسيه المزدوج الظاهر منه والباطن، بل بهدم بنية الدولة بكاملها لا بل والمجتمع بأسره، متسلحا في ذلك بالصورة البطولية التي تقدست في وجدان الجزائريين عن نظام بومدين كونه كان وزير خارجيته لما يزيد عن عقدين من الزمن!

الزعيم بوتفليقة أو بوتفليقة رجل القدر، كما كتب عنه الصحفي القدير علد العزيز بوباكير، اعتلى ليس فقط سلطة الدولة، بل وعي المجتمع ككل، وانزاح بذاته عن الذات المجتمعية، مطالبا الجزائريين بأن يرقوا قليلا إلى مستواه في فهم العصر، حتى يتطوروا يتخلصوا من أسمالهم الفكرية والثقافية والسياسية، وبالتالي رفض كل بضاعة المجتمع، وكفر بتراث الوطن السياسي، كرس الاستبداد، كسر مؤسسات الدولة، أركس الوعي والممارسة التعدية، واستباح الدستور بالدوس عليه في كل مرة رغب فيها في إنفاذ نزوة من نزواته السياسة أو الاقتصادية، أو خدمة أطراف أجنبية على حساب مصائر الناس ومستقبل الأمة التي وثقت فيه وثوقها “الريفي”.

سلوك الزعيم العربي الذي نمْذَجْناه في تجربة الجزائر مع بوتفليقة، أوضح مدى الإخفاق الجيلي في الوعي العربي بمسألة السلطة، وغفلته عن حقيقة أن هاته السلطة إنما تولد وتتطور مع عبقرية المجتمع وفي رعايته وتفاعلات شرائحه ونخبه، وبالتالي الحاكم المعتلي ليدة الحكم هو مجرد ثمرة من تلك العبقرية الجمعية وخادم وفقها للوطن والمجتمع وليس العكس، فلا قدسية لابن على الأب ولا للفرع عن الأصل كما هو في منطق الطبيعة، إن سوء التعامل مع حقيقة السلطة وطبيعتها في مجتمعاتنا العربية هو الذي يحول دون الانتقال من مرحلة إلى أخرى في الحكم وهي الذي يحتبس الثورات في مربع الاستنساخ الثوري الفارغ، ثورة تطيح بثورة والمجتمع قابع في اللا ثورة واللا ثروة!

وخلاصة هذا كله هو أن حالة الخطورة في الأزمة السياسية غير المسبوقة التي تعرفها الجزائر إنما تكمن أساسا في كونها أزمة حقيقية وغير مصطنعة، لأن راصدها كان وعي شعبي متمرد عن الاختلاق، الاختراق والتوجيه مثلما كان عليه الحال في السابق، وهو بذلك قاطع مع التجارب والممارسات السابقة التي كما أشرنا، كانت تعمد فيها السلطة كلما أحست بدافع التغيير يتعاظم في استهدفها، إلى اختلاق أزمة واختلاق بالموازاة معها حلول لها، بل قد يتم التوافق على الحل فبل التوفق على سيناريو الأزمة المختلقة وهو ما يفسر حال الارتكاس الدائم في حمأة الدم والتدمير الذي عاشته الجزائر ونموذجها فيذلك قابل للإسقاط على محيطها العربي ولعل أبرز من جسده كان النظام السوري العبثي العدمي.

المقال السابقلا شك في التيه
المقال التالىالمجموعات الإرهابية التي حاولت تدمير سورية )ج1 (
بشير عمري كاتب صحافي جزائري.. يشتغل على نقد الخطاب السياسي، بالإضافة لاشتغاله في حقول الأدب والفن نقدا وإبداعا يكتب في القصة القصيرة والرواية... عمل بالعديد من الصحف الجزائرية، ويساهم في عدة دوريات عربية وأجنبية. حامل لدبلوم في الاقتصاد التربوي، من المعهد التقني للتسيير. صدر له: 1) حول ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد