هيدفيغ: غنائية انشطار الجسد والذات والوطن


 

تعد المسرحية الموسيقية “هيدفيغ” من أشهر عروض برودواي التي يعاد إحياؤها منذ أن قدمت للمرة الأولى في عام 1998 كما تصدر من حين إلى آخر في ألبومات غنائية كان أحدثها في العامين الماضيين نسخة بصوت “لينا هول” وأخرى بصوت “نيل باتريك هاريس” ، وتروي الأغنيات حكاية حقيقية لشخصية التقاها بالفعل كاتب العمل الأمريكي “جون كاميرون ميتشل” في صباه هي “هيدفيغ” القادمة من ألمانيا الشرقية ومطلقة الجندي الأمريكي المحطمة جسدياً ونفسياً ومادياً، التي تعمل أحياناً كجليسة أطفال وفي أحيان أخرى كمغنية روك في الحانات الصغيرة البائسة، وسواء في ما التزم به من وقائع وأحداث أو ما أسبغه على القصة من خياله فقد ذهب الكاتب بعيداً وأضفى عمقاً فنياً ودرامياً وفلسفياً جعل من هذه الشخصية أيقونة تجسد أزمة الهوية في أعنف صورها، وتعبر عن علاقة الفرد المعقدة بكل شيء في هذا الوجود، بداية من جسده وجنسه ونوعه وثقافته ووطنه ووقوعه تحت سطوة المكان ولعنته أحياناً، وتعبر كذلك عن الرغبة العميقة في التحرر من القمع السياسي والاجتماعي والرفض وعدم الانتماء للواقع المفروض بالقوة.
موسيقياً يظهر التأثر الشديد بنجم الروك البريطاني الراحل “ديفيد بوي” الذي تذكر “هيدفيغ” اسمه وتصف بحنين لحظات استماعها إلى صوته خفية من خلال إذاعة أمريكية موجهة كانت المنفذ الوحيد لاتصالها بالعالم الخارجي في مكان يشبه السجن، أما النص الغنائي فالفلسفة هي أهم ما يميزه، لا فلسفة الكاتب الخاصة وتصوراته حول الشخصية فحسب، وإنما الفلسفة الأم بنصوصها العتيقة، وربما يكون هذا هو العمل الموسيقي الوحيد الذي يتغنى بالفلسفة على هذا النحو، فمن يستمع إلى أغنية “أصل الحب” فكأنه استمع إلى جزء من كتاب “محاورات أفلاطون” تحديداً المحاورة التاسعة التي تختص بمناقشة موضوع الحب والمعروفة باسم “سيمبوزيوم”، وقد اختار الكاتب من هذه المحاورة الطويلة مداخلة “أريستوفانيس” وتفسيره المذهل للحب الذي يبدو رغم غرابته وربما استحالته الأقرب إلى ما نشعر به ويضرب عميقاً في نفوسنا، وقد تكون مقاربته المأساوية لموضوع الحب هي الأكثر واقعية وتعبيراً عن ذلك المستحيل الذي لن نطاله أبدا.
وقد اعتمد الكاتب على فكرة الانشطار والانقسام لدى “أريستوفانيس” الذي يرى أن الإنسان في البداية كان كاملاً ولم يكن يشعر بالضعف والاحتياج إلى الحب، وكان قوياً وأفكاره عظيمة بدرجة كبيرة جعلت الآلهة تشعر بالخطر فقررت معاقبته بأن شطرته إلى نصفين وضيعتهما بفعل الأعاصير والفيضانات لكي يصير أضعف وفي حالة بحث دائم عن نصفه الآخر، وهكذا خُلق ما يسمى بالحب الذي لم يكن موجوداً من قبل، لكن الأمر ليس بتلك البساطة ولا يكفي اجتماع النصفين، فهما ينشدان شيئاً مستحيلاً لا يمكن أن يتحقق وهو العودة إلى الطبيعة الأولى الأصلية التي كانا عليها، وهو ما يبرر أن الحب ليس كافياً وإن أحب المرء بقوة فهناك دائماً ذلك الشيء المفقود الذي لا يجده، وفي الأغنية كما في مقاربة “أريستوفانيس” فإن عاطفة الحب والإحساس المشترك الذي يشعر به المرء عند رؤية نصفه الآخر ليس إلا ذلك “الألم” الذي شعر به كل منهما في لحظة الانشطار الرهيبة، وكذلك الشعور بأن كل منهما يعرف الآخر من قبل على الرغم من التقائهما للمرة الأولى يرجع إلى أن كل منهما قد رأى الآخر بالفعل بعد الانقسام لكن الوجوه كانت مغطاة بالدماء ولم تمهلهما الآلهة وتمنحهما الوقت الكافي ليتأملا ملامح بعضهما البعض، ويرى “أريستوفانيس” أنه ليس كافياً أن يرتمي النصف في أحضان نصفه الآخر وأن السعادة لن تتحقق إلا بالعودة إلى الطبيعة الأولى الكاملة.
كانت “هيدفيغ” التي وُلدت كصبي يدعى “هانسل” تستمع إلى أفكار “أريستوفانيس” الفلسفية في طفولتها كحكاية تقصها عليها أمها قبل النوم، وكانت تشغل فكرها وتثير مخيلتها وتجعلها تتساءل مع بداية شعورها باضطراب الهوية، هل نصفها الآخر رجل أم امرأة؟ وفي سن الشباب ظهر الجندي الأمريكي ورغبت “هيدفيغ” التي كانت “هانسل” حينها، في السفر معه إلى أمريكا والهروب من ألمانيا الشرقية، لكن من أجل السفر كان لابد من الزواج، ومن أجل الزواج كان لابد من التحول إلى امرأة، فصارت “هيدفيغ” وتم الزواج وتحقق الهروب والسفر إلى أمريكا، وبعد عام واحد فقط طلقها الزوج وتخلى عنها تماماً وتركها وحيدة في بلد غريب، وكذلك تحطم جدار برلين ولم تسعد بتحطمه ربما لأن الأمر أتى متأخراً وبعد فوات الأوان بالنسبة إليها، فهي قد خسرت كل شيء وصارت كما تقول: “مطلقة ومفلسة” وبحسرة أليمة تضيف: “وامرأة” وكأن خسارتها الكبرى هي فقدانها للهوية الذكورية ولم تجد في الهوية الأنثوية المميزات التي تسعدها بل أضافت إلى حياتها المزيد من المعاناة، كما تشعر أنها ضحية السياسة والساسة وتنقم على الجميع بدءاً من هتلر وإريش هونيكر وحتى هلموت كول، وتتذكر سنوات حياتها خلف ذلك الجدار في مدينة “شريرة” غادرتها إلى مدينة لا تقل قسوة وشراسة في أمريكا، حيث وُلدت في الجانب الشرقي من مدينة منشطرة إلى نصفين بواسطة ذلك الجدار الذي ظن الجميع أنه سيبقى إلى الأبد كرمز للحرب الباردة والكراهية والتنافر والاختلاف، جميع الأغنيات قائمة على صوت واحد وأشبه بمونولوغ داخلي من خلاله تروي “هيدفيغ” حكايتها “سواء أعجبتنا أم لم تعجبنا” تنزع عنها ملابسها وزينتها وشعرها المستعار، وتكشف عن حقيقتها عارية بلا رتوش وتواجه الكون الذي لا يعبأ بها ولا يعيرها أي التفات، وإلى جانب أغنية “مرثية هيدفيغ” يمكن اعتبار العمل بأكمله مرثية طويلة لشخصية فقدت كل شيء وصارت حطاماً كحطام جدار برلين.
مروة متولي

لا تعليقات

اترك رد