المطران بولس اليازجي، الشّهادة قولاً وفعلاً.


 

“إنّ الشّدّة مسيحيّاً مهما صعبت هي واهية، وذلك لأنّ لنا رجاء موضوعاً أمامنا، والله وعد وهو صادق” (المطران بولس اليازجي).

ما هي المسيحيّة إن لم تكن دعوة للشّهادة لله الحيّ قولاً وفعلاً. وما جدوى العظات ونقل البشارة ما لم يكن الهدف الأساسيّ السّعي الدّؤوب لتحقيق صورة المسيح في العالم، وإظهاره من خلال الجماعة المؤمنة/الجسد. “لأنّك إن اعترفت بفمك بالرّب يسوع، وآمنت بقلبك أنّ الله أقامه من الأموات، خلصت لأنّ القلب يؤمن به للبرّ، والفم يعترف به للخلاص” (رو 10،9:10). ولئن كان الحديث عن الشّهادة المسيحيّة أيّ إظهار عمل الرّبّ في العالم والالتزام التّام في محوريّته في حياتنا، والسّلوك به ومعه في شتّى مراحل الحياة، لزم أن تتّحد كلمتنا بأفعالنا حتّى تتجسّد شهادة حيّة بالمسيح الإله.
يقول القدّيس باسيليوس الكبير: “إنّ الرّوح يؤكّد للمؤمنين علاقتهم الوثيقة بالله “والرّوح نفسه يشهد لأرواحنا أنّنا أولاد الله.” (رو8: 15) “. بالرّوح القدس اشتركنا فى نعمة المسيح”. فإذا كان الرّوح يشهد لنا أنّنا أبناء الله فعلينا أن نشهد لنعمة المسيح في العالم ونستحيل سروجاً موضعها المنارات لتنير للجميع.
ولا ريب أنّ كلمة نيافة المطران بولس اليازجي تماهت مع فعله حتّى وإن كانت عمليّة اختطافه منذ ست سنوات فعلاً قسريّاً، إلّا أنّ نيافته سلك بالمسيح حتّى أنّه سلّم نفسه طوعاً. وذلك من خلال إصراره على زرع كلمة الله دون مساومة أو مراوغة. فكان شاهداً للمسيح في القول من خلال عظاته ومؤلّفاته وتأمّلاته، وشاهداً بالفعل من خلال مسيرته الحياتيّة الفاعلة بدءاً من ممارسة حياته المسيحيّة والتزامه بها، وصولاً إلى الشّهادة الحيّة للمسيح الإله. فكانت شهادته بالقدوة، والفمّ، والفعل المرتقي إلى مستوى مشروع الله الخلاصيّ. وذلك بالخروج عن نطاق الذّات والتّسليم الكلّيّ للرّبّ حيثما كانت المهمّة وحيثما ارتفع صليب الحبّ الّذي عليه تنتهي جميع المآسي.
“صليب المسيح حدثٌ مفصلٌ، حدثٌ يغيّر وجهتنا، حدثٌ يقدّس حريّتنا، حدثٌ ينقلنا من اليسار إلى اليمين، من الكسل إلى الأتعاب، من الذّات إلى الآخر، من الاستعفاء إلى الالتزام، وذلك بفضل حرّيّتنا ومحبّتنا. زُرِعَ الصّليبُ في صدر الأرض على الجلجلة ليصلبَ التّاريخ. ارتفع المسيح ليرفعنا وجُرِحَ فجرحنا، بدأ لنُتابع، أتمّ الكشف لنتمّم الحضور. افتتح المسيح بالصّليب الملكوتَ لكي بالصّليب نبني الملكوت. لهذا نمرُّ بزياحِ الصّليب وهكذا نتأمّل الصليب. الصليب رسالةٌ ودرب.” (المطران بولس اليازجي).
ولعلّ نيافته اختار دربه بشجاعة وحبّ كبيرين شهادة للمسيح الحيّ، لأنّ صليب المسيح نقله من الرّاحة إلى التّعب المقدّس ليكون لنا اليوم مثلاً أعلى في الشّهادة الحقيقيّة، نحن المتراخين في التّهافت إلى اعتلاء عرش الصّليب. “فمن يعطينا جناحين لنطير ونستريح” (مز 6:55) سوى ذلك الحبّ الّذي يجتذبنا من علٍ لنسموَ إلى قلب الله. إنّ شهادة المطران بولس اليازجي المحتجب عن أنظارنا والحاضر في قلوبنا لعظة بحدّ ذاتها. “شهادة بيضاء”، تلك الّتي تحدّث عنها القدّيس قبريانوس وهي شهادة المحبّة المُضحّية والبذل وحمل الصّليب والنُّسك والسّلوك بلا عثرة. قال القديس يوحنا الذّهبيّ الفمّ: “احتمِل المشقّات كلّها ببسالة، لأنَّ هذا يُحسب لك استشهاداً .”
في ظلّ ظروف قاهرة وقاسية، وفي دائرة الموت المحدق بالإنسان والمنتظر لابتلاعه يعتمد المطران بولس اليازجي درب المسيح، الصلب الطّوعيّ، والسّلوك باتّجاه عكسيّ للأصوليّة الدّينيّة الّتي لا يهمّها إلّا الانغماس في المصالح السّياسيّة والسّلطويّة تحت شعار الولاء لله. تلك الأصوليّة الّتي تحدّث عنها نيافته في كتابه “السّائحان بين الأرض والسّماء”، والّتي تعتبر ذاتها ممتلكة للحقّ. وتبرّر ذاتها بالرّضى الإلهيّ، فتنتهك الكرامة الإنسانيّة مدّعية الدّفاع عن الحقيقة. “الأصوليّ هو مَن يشعر أنّ الله قد “بارك” قراراتِه وأفكارَه ومواقفه، والمنتظر منه هو أن يحافظ على هذا “الصّح” وأن يلغي كلّ آخر “باطل. هذا إذا “صحَّ” شعوره بالـ “صحِّ” أيضاً. يُحيي الأصوليُّ الحقائقَ (التي يظنّها) ويقتل المحبّة.”. (المطران بولس اليازجي).
إلّا أنّ المحبّة لا يقوى أحد على قتلها، ولا يستطيع أحد، مهما بلغ من بطش واستحكام، ومهما نال من السّلطة ما يجعله قادراً على انتهاك الكرامة الإنسانيّة. لأنّ المحبّة لا تسقط أبداً. ولأنّها الألم المقدّس الّذي يطهّر النّفوس والأجساد والعقول من أدران الإنسانيّة الميتة.
بولس اليازجي الشّاهد الأمين، المتألّم بجرح المحبّة، المتماهي وكلمة الله الحيّ، يشهد للمسيح الحيّ بالقول والفعل ويشترك مع كلّ متألم. “من يتألّم ولا أتألّم أنا! الألم مسألة كونيّة ومسؤوليّة جماعيّة. ومجد الله لا يتحقق إلّا بتعاضد النّاس وحمل الواحد مسؤوليّة أوهان الآخر. يُرفع الألم، لا بالتّقمّص ولا بالتّوارث بل بالتّعاضد، أي بمحبّتنا لبعضنا البعض، وهذا هو مجد الله.” (المطران بولس اليازجي).

لا تعليقات

اترك رد