عقول خاملة ونصوص قاتلة


 

الحديث عن العلمانية وعلاقتها بالأديان وخصوصا الإسلام، هو حديث يشوبه الكثير من الضبابية والخوف والخطوط الحمراء نظرا لما يمثله الدين في الوعي الجمعي وخصوصا العربي والاسلامي من هوية مقدسة لا يمكن المساس بها. وبنفس الوقت يقابل العلمانية رؤية ونظرة سوداوية غارقة بالإباحية والانحلال من قبل غالبية عظمي من الشعوب العربية والإسلامية بناء على فتاوى وخطاب رجال الكهنوت الإسلامي، سواء من على المنابر الدينية أو من خلال مناهج التعليم والفضائيات الدينية. فهل كل ما قيل عن العلمانية صحيحا؟!. وهل فعلا لن نرى التطور والنهضة العربية إلا بعد أن تكون العلمانية مسارا سياسيا واجتماعيا في فكرنا وتعليمنا وثقافتنا العربية الحالية؟!!.أم إن البقاء مع الدين الإسلامي هو الشرط الأساسي للنهوض، فكل ما علينا، كما يقول رجال الدين والفقهاء، أن نعود إليه ونستنسخه كما في أيام السلف؟.!! إنها أسئلة لاشك بأنها ضرورية، بل في غاية الأهمية لما نراه من فشل وعجز غالبية التيارات السياسية والإسلامية والحزبية وحتى العلمانية من تأصيل لمفهوم النهضة العربية وتطور مجتمعاتنا، وخصوصا بعد تفشى وانتشار ظواهر التعصب الإسلامي والصراعات المذهبية والعرقية والقبلية في غالب أو عموم البلدان العربية، فما نشهده من حروب حاليا، ومن انقسامات مذهبية قاتلة في العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن، ماهي إلا صورة من صور الإخفاقات العربية في تعزيز أنظمة حكم ديمقراطية قادرة على انتشال الشعوب من مآسيها ودماؤها.
قبل الخوض في مختلفات العلمانية والدين الإسلامي، حري بنا أن نعرض بعض التعاريف لمصطلح الدين ومعنى العلمانية حتى يكون القارئ المطلع على دراية بأين سوف ننتهي. الدين، أي دين، يعتقده شخص معين، أو جماعات معينة، ويترتب عنه الالتزام بقيم معينة، وسلوك معين وطقوس شعائرية معينة، تسعى إلى التوحيد، والتمييز بين المؤمنين والكافرين، بناء على شرعة معينة، تنظم العلاقة بين المؤمنين أولا، ثم بينهم، وبين غيرهم ثانيا، وبأداء طقوس معينة، إما بشكل فردي، أو بشكل جماعي، وفي أماكن معينة، ومخصصة لهذه الغاية، بهدف إظهار الطاعة لمصدر ذلك المعتقد، والخضوع المطلق لإرادته، ومشيئته، انطلاقا من نصوص معينة، رغبة في الثواب، وتجنبا للعقاب الذي لا يعلم كيفه، ومقداره إلا المعتقد بوجوده الأبدي، الذي لا يعلم الغيب غيره.
وبما أن الدين، في تعاريفه، وحتى في ممارسته، يمثل انعكاسا للنزعة الروحية لدى الإنسان بشكل عام، إلا أن النصوص الدينية لعبت ولا زالت تلعب دورا كبيرا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية في تحديد مصيرنا وتاريخنا ومستقبلنا. وهو ما يدفع الي إعادة الرؤية في الحال التى وصلنا إليها من تخلف وفساد وانحطاط لم يسلم منه أحد، وهو ما يدفع أيضا الي معرفة سبب هذا الإخفاق؟ ولماذا أستمر طويلا؟ وكيف نبدأ بالنهوض ومواصلة التقدم والمشاركة بالحضارة المعاصرة؟!!.. بعض الحركات العقلانية التي خرجت من صفحات التاريخ الإسلامي أجابت على أسئلة تخلفنا وأثبتت الحاجة الي إعادة فهم النصوص الدينية، وما ظهور المعتزلة الا احدى المحاولات الكبيرة في اعادة فهم النصوص القرآنية ومواصلة التقدم الحضاري، فعلى طريق فهمها والتعبير عنها على ارض الواقع يتوقف زخم التطور فهي تشكل، أي النصوص الدينية، العمود الفقري للفكر الديني، فكيف ينبغي النظر الى تلك النصوص؟
يجب أن نقر بداية، أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على الانجاز وتوريث انجازاته عبر الاجيال وبهذا المعنى فهو الذي يتفرد بخاصيته تلك عن كل الكائنات الحيوانية، لذلك فأن كل انسان هو خليفه في الأرض، اما دور الانبياء والرسل اليوم، فهو دور قد انتهي. ولهذا عمل الفلاسفة والمفكرين على ايجاد نظريات فكرية تتناسب مع ما توصل إليه الإنسان من معرفة وعلم وصناعة، ومر الإنسان بالتالي في تجارب ومخاضات طويلة، صادفها الرفض ومحاربة من يريد فصل الدين عن الدولة لمصالح وغايات الكهنوت الديني في مختلف المجتمعات. هنا لن أتحث طويلا عن هذه المراحل لإنها في غالبيتها قد تم الحديث حولها بشكل مفصل وهي موجودة للإطلاع في عدد كبير من المواقع والكتب، ولكن ما يعنيني في هذا المقال هو آخر ما توصلت إليه العقول الفلسفية والسياسية والاجتماعية من اختيار العلمانية كأساس فكري ومنهجي للدول، وخصوصا الغربية في تسيير أمور حياتهم ومجتمعاتهم.
بينما في عالمنا العربي، تسود جماعات الإسلام السياسي، التي إستطاعت أن تفرض نفسها على المجتمع بقدرات تنظيمية عالية، وبسبب فشل أنظمة الحكم الحالية من تلبية مطالب الناس البسيطة في تنمية إجتماعية وإقتصادية تواجه الأزمات التي تمر بها الأوطان العربية وتحافظ علي كرامة الوطن والمواطن، تسللت الطائفية والقبلية لتحل محل مفهوم المواطنة والبحث عن الدولة الدينية المؤمنة بديلا عن الدولة العلمانية وأصبح التدين سدا منيعا أمام الفكر العلماني الحر.
إن التربة الثقافية في المجتمع العربي أصبحت تنبت بذورا وأشجارا للإرهاب الفكري يسنده ميلشيات عنف تمارس الإرهاب الدموي وتحسبه جهادا في سبيل الله يفتح الطريق أمام القاتل إلي جنة الخلد مفروشا بالورود والرياحين. إن التيارات الإسلامية يمثلون منظومة كاملة متكاملة تسير بنظام معين والأدوار موزعة فيما بينهم علي أكمل وجه، فمنهم من يمارس دورا دعائيا ويملكون ميكرفونات منابر المساجد فضلا عمن يفتي منهم ويملؤون القنوات الفضائية فضلا عن دور وسائل التواصل الاجتماعي، ومنهم من ينفذ الفتاوي بإهدار الدم وتفعيلها في سبيل الله. وبين هذا وذاك هناك منهم من يستخدم سلاح التقاضي لإرهاب كل من يحاول أن يكتب رأيا أو يبحث بحثا أو يجتهد إجتهادا بحثا عن الحقيقة. لازلنا نذكر فرج فودة المفكر الذي إغتالته يد البطش بإسم الدين، والإعتداء علي الأديب نجيب محفوظ، والتفريق بين الدكتور نصر حامد أبو زيد وزوجته بزعم أنه مرتد، والكثير من نماذج القهر والبطش من قبل جماعات الإسلام السياسي بإسم الدين، في التاريخ الاسلامي القديم والحديث على حد سواء.
هنا، كيف يفكر الإنسان العربي بحرية في ظل هذا المناخ؟ وكيف يجرؤ الإنسان على التعبير عن رأيه وهذا هو الحال؟ ثم كيف نتحدث عن حرية الإعتقاد وهناك من ينتظر لتنفيذ ما يسمي بحد الردة؟.. فهل تكفي النصوص القانونية لتكون ضمانة مهمة وقوية لكفالة مثل هذا الحق؟ أتصور أن الأمر في حاجة إلي إعادة حرث التربة الثقافية من جديد، نبذر فيها بذور التسامح بدلا من الكراهية وزهور القبول بالآخر بدلا من التكفير ونعلي من قيمة الحوار والإختلاف من أجل الوصول إلي الحقيقة.
في الحقيقة، وحتى نصل الي درجة من وضع الحلول، لابد أن نقول ما تم السكوت عنه مدة طويلة بأن الدين، يتحول بفعل رجال الدين والفقهاء إلى علة للتخلف والركود العقلي والفكري، ينتج عنه بالضرورة إضطهاد فكري وديني وعرقي بفعل التشرنق أو التكلس الذي يصيب نصوص هذه الأديان بفعل الجمود والسكون لإمتناعها عن التجديد والتبديل والتغيير والنسخ بمجرد وفاة النبي أو الرسول الذي تتجدد في عهده النصوص المقدسة بإستمرار وتتغير بل وقد تلغى نهائياً أو تبقى دون أن يكون لها مفعول، وهنا يكمن السر في تراجع الشعوب بعد إعتناقها لأي دين بفترة تطول أوتقصر، لكنها لامحالة من إصابتها بالتخلف. لأنها تفقد ديناميكيتها فلا تجد من يقوم بتعديل نصوصها أو تغييرها أو حتى إلغائها بعد فقدها للنبي، وما الخمول والإنحطاط الذي يصيب العقل الديني نتيجة وصفات النصوص الدينية المتكررة دون إعادة النظر فيها بشكل جدي، سوى الضعف الذي يصيب الجهاز المناعي عند تكرار تناول المريض لنفس الدواء. ومع أن المذاهب الدينية التي تظهر بين فترة وأخرى، تشكل أحياناً محاولات جادة وجريئة لتخليص العقل الديني من حالة السبات، والتقليل ما أمكن من الآثار الجانبية الضارة للفكر الديني، بإدخال نوع من التغيير في الأديان، إلا أنها لا تلبث أن تحتاج هي نفسها إلى التغيير والتجديد، وكنتيجة طبيعية لثبات النصوص الدينية فإنها تنقل عدوى ثباتها إلى العقل الديني ليناله الجمود ثم لا يلبث أن يتحول إلى عقل محنط وفي أحسن الأحوال إلى كمبيوتر آلي يقوم بتلقي البرامج المقدمة له وإكتنازها دون أدنى إعتراض، ومن ثم الإشتغال وتقديم النتائج وفق تلك المعطيات. العقل الديني إذن هو في أفضل حالاته آلية تقوم بترجمة النصوص الدينية أفعالاً وأعمالاً وحركات وفق إملاءات وتفاسير تلك النصوص ذاتها. ومن هنا نجد أن التجديد والتبديل والتغيير أو أي عملية إجرائية أخرى في النصوص الدينية تعتبر ضرورة لابد منها وتفرض نفسها بكل قوة كلما إشتدت الآثار السلبية لهذه النصوص حدةً. إلا أن أي إجراء عملي تجديدي لهذه النصوص لا يلبث أن يتحطم ويتفتت عند إصطدامها بهذه النصوص الصلبة والصلدة.
وأمام هذه الحقائق، والتى مازال الإختلاف عليها بمثابة الجذر الأساسي لمشكلة العلمانية والدين الإسلامي، فإن العلمانية بما تعنيه في أبسط معانيها والمتمثل بفصل الدين عن الدولة هو الخيار الإنساني الذي يساهم في تعزيز الوطنية والحفاظ على الإنسان العربي من التشرذم والسقوط في الماضي والمكوث فيه قرونا طويلة. ان فصل الدين عن الدولة والسياسة لا يعنى تغييب الدين عن المجتمع، بل عدم استغلال الدين كمطية للسلطة كما يفعل ما يعرف بالاسلاميون، لان الاسلام عقيدة حالها حال المعتقدات والأديان الأخري، وتمتد مع حياة الفرد، ولكن جعلها لتكون فردية، بمعني أن تكون حاملا شخصيا غير مؤثر على حياة الأفراد الأخرى وغير قائدة في مجتمعاتنا، هو ما يضمن لنا جميعا بزوغ العلمانية طريقا يناسبنا في عالم اليوم.

لا تعليقات

اترك رد