تاريخ الصراع العالمي والتغيرات الجيوسياسية (ج7)

 

كان للتوسع الروسي مغزى استراتيجي خطير في نظر ” جمال حمدان ” فهو يراه انقلاب ثوري في تاريخ العالم القديم

فلاول مرة تظهر قوة توحد قلب أوراسيا وأصبح معه الاستبس لأول مرة من أمة رعوية إلى أمة زراعية مستقرة وهو بذلك يكمل الانقلاب الذي حدث مع اكتشاف البارود وأصبحت روسيا أكبر قوة برية في التاريخ لا تعتمد على قوة الخيول و الفرسان بل على قوة حركة القطار و المدفعية البارود فإذا كانت بريطانيا هي من صناعة السفن البخارية في روسيا و أمريكا من صناعة القطار .

روسيا القيصرية هي نتاج 7 قرون من التوسع المستمر او كما كتب ماركس في عام 1853 لقد تقدمت الحدود الروسية خلال الستين عام الماضية حوالي 700 ميل نحو برلين ودرسدن وفيينا , 500 ميل نحو القسطنطينية 633 ميل نحو ستوكهولم , 1000 ميل نحو طهران , ويصل البعض إلى أن الاتحاد السوفيتي تكون من 15 جمهورية 14 منها تم غزوها بواسطة روسيا .

فنحن بصدد دولة أوراسية ذات بعدين تضع قدم في آسيا والقدم الأخرى في أوروبا , وهذا ان اعطها ميزة القوة ولكنه افقدها الهوية , فقد لاحظ دوستويفسكي أن روسيا تبدو في نظر الاسيويين اروبية و في نظر الأوروبيين اسيوية, فالراس اروبي والجسم اسيوي وكان مركز الثقل كله هو روسيا الأوروبية .

ومع هذا الاتساع كانت روسيا تنفرد بصفة القارية المطلقة فهي عبارة عن رقعة كبيرة سحيقة الابعاد – كبقعة زيت تمددت فهي تمتلك أطول حدود برية وبحرية تصل الي الي نحو 38 ألف ميل , تمثل محيط الكرة الأرضية مرة ونصف إلا أنها دولة معزولة وحبيسة فهي وإن بدات ساحلية شكلا فهي قارية موضوعا في شمالها المحيط المتجمد و الجنوب نطاق عميق من الصحاري و المرتفعات الصارمة و شرقا فراغ المحيط الهادئ الهائل والضخم صحراء جليدية على وجه الأرض ( صحراء أنتارتيكا فهي أكبر صحراء من الجليد ) فهي رهينة المحبسين صحراء الرمل و صحراء الجليد – وهي كانت كذلك إلى أن يحدث انقلاب القرن الواحد وعشرين , فإذا كان جمال حمدان رأى أن توسع روسيا هو انقلاب ثوري في تاريخ العالم القديم وهو قول يطابق وصفه , فانا اري ان هذا الموقع وان كان حبيسا في الماضي إلا أن هذا الموقع سيتغير جذريا في حدوث انقلاب ثوري آخر لتاريخ العالم الجديد . وتبدا معها مرحلة صراع جديدة في العالم المجهول يوم تبدل الارض غير الارض , كما سنعرف عندما نصل إلى هذه المرحلة

هذا الموقع الحبيس جعلها تبحث عن البحث عن المياه الدافئة مما يعني حتما الصدام مع بريطانيا القوة البحرية , والبحث عن خلق نطاق من الدول الصغرى المحيدة لتكون حاجز صد بينها وبين الدول البحرية وهذا المؤشران تحديدا هما اللذان شكلا البوصلة او حجر المغنطيس في استراتيجيتها روسيا

وبدأ التطلع إلى المياه الدافئة منذ بطرس الأكبر فلم يكن أمام روسيا غير التطلع غربا إلى المنافذ المتاحة والممكنة في البلطيق في الشمال والبحر الأسود في الجنوب لكنها كانت بحار داخلية تتحكم دول في مخارجها وتتحكم أخرى في مداخلها .

وبعد ذلك كان الخليج العربي كمنفذ ثالث .

انطلق بطرس الأكبر في عام 1703 ليؤسس أول نافذة روسيه على أوروبا ,وقام بتشييد بطرسبرج عاصمة البلاد لمدة قرنين أهم مركز ثقافي أوروبي في شرق خليج فنلندا – وبحر البلطيق , وبعدها كانت أوكرانيا أرض الصراع المزمن مع بولندا الى ان سقطت أوكرانيا أصبحت بولندا هي الهدف , وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر كانت روسيا شريكا في تقسيمات بولندا الثلاث و خرجت بنصيب الاسد .

وفي نفس الفترة تمت السيطرة علي علي دويلات البلطيق و انتزعت فنلندا من السويد في الحروب النابليونية . وبذلك أصبح لروسيا جبهة بحرية حقيقية على البلطيق وصنعت نطاق أمان لها من الدول الصغيرة في وسط أوروبا.

وكانت هذه الحدود هي أوسع من حدود الاتحاد السوفيتي السابق التي بدأت تتقلص حدوده حتى وصل إلى التفكك في أواخر القرن الماضي .

الي الجنوب – البحر الأسود والمضايق
البحر الاسود الهدف الاهم للروس نظرا لموقعه ودفئه فبرغم ان الجزء الاكبر من حوضه روسي إلا أن مفاتيحة ليست في يدها بل في يد تركيا ( مضيق البوسفور اهم مضيق بحري في أوروبا – الذي يربط البحر الأسود ببحر مرمرة الي المتوسط ) وكان هذا الصراع هو قدرهما المشترك

وهنا سيتضح لنا دور تركيا علي طاولة الصراعات سواء في العثمانية القديمة او الجديدة .

فتركيا كانت القوة التي قهرت السلافية في البلقان وشرق أوروبا وروسيا قوة السلاف الحامي ودارت سبع حروب بين تركيا وروسيا للسيطرة علي المضايق في القرن الثامن عشر, في عهد كاترين الثانية انطلقت حملات روسية عاصفة لاقتحام المضايق , وانتزعت السواحل الشمالية للبحر الأسود وجزيرة القرم من الأتراك .

وفي كل حرب من هذه الحروب السبع كانت تتقدم دولة بحرية أوروبية ( فرنسا – انجلترا ) لمساندة الأتراك ضد الروس فكانت سياسة أوروبا مع الروس هي سياسة الاحتواء و التطويق التي بدأت مع القرن التاسع عشر ومستمرة الى الان بمعني سياسة الصد بحيث تظل روسيا محاصرة في قاريتها دون أي مواجهة مباشرة مع الدب وسرعان ما أدركت فرنسا وانجلترا وحدة مصالحهم ضد روسيا رغم حالة العداء بينهما و اتفقوا علي مساندة تركيا الضعيفة و المنهكة وحقنها بالمساعدات الحربية فكان على تركيا رجل أوروبا المريض ان يبقى حيا ولكن يجب أن يظل مريضا , فهو حائط الصد وأرض المعركة الطبيعية.

فكانت حرب القرم في عام 1853 التي وقفت فيها فرنسا و انجلترا بجانب تركيا وهي أول مجابهة حقيقية بين قوة البحر الأوروبية وروسيا وانضمت كل من مصر وتونس ومملكة سردينيا ( إيطاليا ) لمساندة الرجل المريض وانتهت المعركة بهزيمة الروس وتوقيع معاهدة باريس في 1856.

استراتيجية فرنسا و انجلترا للحفاظ على الرجل المريض ظهرت واضحة قبل عقدين عام من حرب القرم عند وقفت فرنسا و انجلترا لعدم سقوط تركيا في وجه محمد علي وتكفلت القوة البحرية و الفرنسية بكبت الحركة بالقوة في سوريا حينما أطلق حملة عسكرية في عام 1831م بقيادة ابنه إبراهيم بك استطاعت اجتياح سورية والوصول إلى الأناضول في بدايات العام التالي، وهزيمة قوات الصدر الأعظم العثماني محمد رشيد باشا في معركة قونية

الأمر الذي مهد لتصفية تركة الرجل المريض مع إبقاء تركيا الأوروبية كحائط صد مع انتزاع جميع ممتلكاتها لحساب الدول الحامية فرنسا وإنجلترا وبدأت النمسا حائط الصد لأوروبا كما أراد لها شارلمان – عند فيينا تبدأ اسيا – بعد ان ظل الأتراك يحاصرون فيينا في القرن السابع عشر إلا أنهم فشلوا استطاعت النمسا في القرن الثامن عشر أن تطردهم وتنزع من الأتراك – المجر وتؤسس امبراطورية النمسا و المجر وفي عام 1878 انتزعت النمسا من الأتراك البوسنة و الهرسك واخذت تركيا تتقلص حتى كانت النهاية في الحرب الكبرى

روسيا – الى الخليج
جزء كبير مما اليوم يحدث من توترات وصراعات في منطقة الخليج ووجود الولايات المتحدة هناك في هذا التوقيت بالتحديد وهل هناك صدام حقيقي بين امريكا وإيران ام هي مجرد ذريعة وهل تنوي امريكا الخروج لاحقا من الخليج ام أنها ستبقى هناك للأبد و , فهي في السابق وضعت قدما في الخليج ( القواعد العسكرية في الخليج ) وهي الآن تضع القدم الأخرى ( تحريك الأسطول السادس في مياه الخليج لتفرض سيطرتها بالكامل )

كل هذه الصراعات تلخصها مقولة بطرس الأكبر التنبؤية الشهيرة من يسيطر على الخليج يسيطر على العالم , لذلك اتجهت روسيا إلى التطلع إلى الخليج بعد الانتصارات علي فارس وسقوط وسط آسيا وجنوب القوقاز أصبح الاتجاه للخليج أطماع شرعية لها وأصبحت إيران هي الهدف فكانت بمثابة قناة السويس الروسية ففي أوائل القرن العشرين توغلت روسيا في إيران حتى كادت ان تسقط كلها إلا أن تدخلت فرنسا و انجلترا مرة اخرى وانذرت انجلترا أن أي محاولة روسية لبسط نفوذها في الخليج ستواجه بالقوة .

ومع هزيمة روسيا من اليابان اضطرت إلى مساومة تسوية مع بريطانيا قسمت إيران إلى مناطق نفوذ ثلاث الشمالية لروسيا و الجنوبية لبريطانيا و الوسطى محايدة

وهو ما يجعل وجود إيران في سوريا يخضع لمساومة اخرى تدور أحداثها بين الروس و الامريكان واسرائيل ونكشف جزء آخر من خطط الصراع الحالي الذي سنعود له في حينه

وهذه التسوية تلخص بالتحديد سياسة واستراتيجية إيران الى اليوم التي تعتمد على البقاء والمحافظة على كيانها بعد ان اعتلت روسيا علي ممتلكاتها وهي استراتيجية المضاربة او سياسة المضاربة التي تعتمد علي مضاربة القوى البحرية و البرية وتعيش هي على التناقض بينهما

ونشب صراع آخر بين بريطانيا وروسيا على تخوم الهند الشمالية الغربية عندما وصلت روسيا إلى أبواب الهند نشأت حروب الأفغان في القرن التاسع عشر وانتهت بتحييد أفغانستان التي شبهها أحد حكامها لموقعها الاستراتيجي المسحوق أنها شاة بين الدب الروسي والأسد البريطاني وكذلك كانت التبت

وبذلك تحققت استراتيجية روسيا في صنع نطاق من الدويلات الحاجزة مع الدول البحرية , إلا أنها فشلت تحقيق استراتيجية الوصول للمياه الدافئة

يتبع ,,,,,,

لا تعليقات

اترك رد