الموجة الثانية من الحراك الشعبي .. كيف تتعامل معه الحكومات العربية ؟

 

الموجة الثانية من الحراك الشعبي ..كيف تتعامل معه الحكومات العربية؟
كانت الموجة الأولى من الحراك الشعبي في الدول العربية عام 2011 مفاجئة للدول العربية لم تكن مستعدة للتعامل معها، ولكنها اليوم حاضرة في الحراك الثاني 2019، فديمقراطية العراق التي أتت على الدبابة الأمريكية قبل حراك 2011 بعد تفكيك الجيش العارقي الوطني لذلك تحولت الديمقراطية المستوردة إلى محاصصة أشبه بمحاصصة بيوتات لبنان.
تم عسكرة حراك سوريا بحجة الدفاع عن أنفسهم ضد قمع النظام، عندها تدخلت إيران لدعم النظام السوري ضد الحراك السوري إلى جانب تلقي الحراك السوري دعم خليجي وتركي وأمريكي وعندما شعرت إيران بفشل دورها وجدت الدب الروسي جاهزا للتدخل ودخلت سوريا في مستنقع حتى اليوم.
كذلك ليبيا أصبحت تطاردها الأهواء بين الإخوان بقيادة تركيا وقطر وبين محور عربي بدعم روسي وإلى حد ما أمريكي الذي دعم الحراك الشعبي على الإخوان بقيادة الجيش، وهناك حراك أوربي في دعم الوفاق ما يعني أن ليبيا هي الأخرى بين صراعات محلية وإقليمية ودولية، كذلك أتى التدخل الإيراني في اليمن الذي أفسد المبادرة الخليجية، فقط تونس الوحيدة التي تمكنت من تجاوز محنتها بتوافق شعبي متعدد المراحل والحراك، لكن الدولة العميقة في مصر التي تحالف مع الثورة الشعبية التي انقلبت على دولة الإخوان التي فشلت في الحكم وتلقي دعم سعودي إماراتي من إخراج مصر أكبر دولة عربية مهما حاولت تركيا الدولة الإقليمية الكبرى التي خسرت أكبر حلم الدولة العثمانية مقابل مشروع ولاية دولة الفقيه وكليهما مشروعين يتقاسمان المنطقة العربية.
هذه مقدمة مهمة جدا لا يمكن أن يغفلها العرب في موجة الحراك الثاني في الجزائر والسودان بعد فشل الحراك الذي سبق هذين الحراكين في العراق خصوصا في البصرة والتي قمعتها المليشيات التابعة لإيران.
إذا يأتي الحراك اليوم في الجزائر والسودان بعد فشله في العراق لأسباب كثيرة، فيما الدول العربية الكبرى كمصر والسعودية تراقب عن كثب ودورهما ترك الحرية لأي حراك داخلي خصوصا وأن دولة الجزائر دولة عربية كبيرة وكذلك السودان ويمتلكان من القدرة على مواجهة هذا الحراك الثاني عبر الحوار، لكن مع أولوية الحفاظ على وحدة الجيش في كلا البلدين، باعتبارهما الضامنين للحفاظ على الاستقرار ووحدة الشعب وهما يقظان من السماح لجماعات خارجية لها أجندة خاصة.
اجتماعيا خاصة في الجزائر فقد دق جرس الحراك الجزائري قبل صحوة المثقف بسبب أن الشباب المنتفضين يسخرون من المثقف المبهور بمرآته الفرحان بتعدد جوائزه وإكرامياته وعلاقاته لخدمة بهرجته، إنه عصر نهضة جديد بمعيار مختلف تاريخيا عن عصر نهضة طه حسين ومحمد عبده وقاسم أمين.
انطلق الحراك الاجتماعي على يد شباب قادمين من هذا الرقم الزمني يدركون بعمق الحياة وفنون الاتصال بالعالم الخارجي وهو أيضا لا يختلف عن الحراك الأول عام 2011 لكنه أكثر وعيا هذه المرة، وهو حراك أتى عبر نوافذ وسائط التواصل الاجتماعي، يدركون أن المجتمعات البشرية كلها في أزمة، تعاني من أهواء التسلط والاستغلال، وفي واقع شديد التعقيد.
لم يعد للمثقف دور كبير في تعبئة الجماهير لا في الحراك الأول ولا في الثاني ولم تتحق بفكرة بول سارتر القائلة بفاعلية المثقف الملتزم، وضرورة أخذه بيد مجتمعه، لكن هؤلاء الشباب المنتفضين يعانون من البطالة والفقر والإقصاء، وهم أكثر إدراك بواقعهم من المثقف، بل يسخرون من المثقف، وتلك أزمة فارقة تخلق فراغا كبيرا ، لكنها تحمل المجالس العسكرية عبئا كبيرا في تحمل المسؤولية وفي نقل السلطة للمدنيين وفق آليات زمنية عندما يطمئن المجلس العسكري من أن هناك نضج اجتماعي خشية أن تتحول الجزائر أو السودان إلى عراق طائفي، لذلك يفضل البلدان النموذج المصري على بقية النماذج الأخرى في المنطقة سواء العراقي أو اللبناني، وبالطبع النموذج السوري واليمني والليبي حاضرا والذي لا يزال يبحث عن مرحلة استقرار.
أغلب الحراك الجديد من الشباب، وهي أغلبية واسعة من المجتمع لم يشملها التصنيف الطبقي الكلاسيكي يمثلون 80 في المائة من سكان الدولة، شباب تكونوا سياسيا خارج الأحزاب السياسية التقليدية المسماة بالمعارضة، وهناك بالطبع خلافات بين الحراكين في الجزائر والسودان، لكن الظروف متشابهة في مناهضة الاستبداد.
هناك بوادر نهضة بالغة وعاقلة ومتوازنة رافضة الصلح مع رموز الفساد في كلا البلدين الجزائر والسودان، حتى أن الشباب في الجزائر سمى ثورتهم بثورة الابتسامة والثورة البيضاء شباب قرأوا كتاب الحياة بما فيه من فنون القهر والبطالة والإقصاء واللا حلم سواء في الجزائر أو السودان.
الجيشان في الجزائر والسودان يخشيان من الأيديولوجيات المتطرفة أيا كانت تحت تسميات قومية كانت أو دينية، والتقدير أنه لو أطلق لها العنان ستكون الدولة المقبلة أمام نموذج دولة فاشلة على غرار العراق أو لبنان، لكن نموذج مصر كان أنجح النماذج الحاضرة بقيادة الجيش، رغم أنه نموذج غير دمقراطي كما يرى الكثيرون، ويحاول البلدان أن يقلدا نموذج مصر، لكن الحراكين الشعبيين في الجزائر والسودان يرفضان نموذج مصر،والبعض يردد أن دول الخليج تدعمان خصوصا الجيش السودني خشية من انتقال عدوى الديمقراطية لكنه تسطيح ليس له أساس فالأولوية الآن لدى الجيشين في الجزائر والسودان هي مصلحة البلدين.
لذلك في السودان هناك محاولات من بعض الجماعات لاستفزاز الجيش وتوريطه، لإشراك الأجندة العالمية حتى أصبح السودان بين الأجندة الغربية والشرقية، ولم يتوصل مجلس الأمن إلى قرار حول السودان، فروسيا تدعو للحوار، وباريس تطالب بتشكيل حكومة مدنية، وعصا وجزرة أفريقية، وآبي أحمد يحمل مبادرة للتوفيق بين الأطراف السياسية.
لذلك نرى الإعلام الغربي مثل قناة بي بي سي البريطانية تصف عما يجري في السودان يشبه ما جرى في مصر في رابعة وفي اللؤلؤة كناية عن فض الجيش رابعة في مصر وفض اللؤلؤة في البحرين بمساندة سعودية، فلم تعد الدول العربية دول قاصرة، ولم تعد تستجيب لشعارات الحرية المغلفة بأجندات خفية حق يراد به تنفيذ مصالح دولية أو مصالح فئات ومجموعات، فهي واعية لما يحاك لها قد لا يتفهمه الحراكين في الجزائر والسودان.
لكن ما هي مصلحة من يريد جر السودان والجيش السوداني بشكل خاص إلى مستنقع، كما جرى في ميدان الاعتصام وارتفاع عدد القتلى إلى 110، ولماذا يرفض الحراك الشعبي السوداني أن يشارك الجيش في السيادة في الفترة الانتقالية، والذي يدعو إلى حوارا يشمل الجميع ومصالحات على غرار جنوب أفريقيا ورواندا، خصوصا وأن هناك قيادات عسكرية كبيرة تنازلت للحراك الشعبي، ما يعني أن الجيش السوداني ليس له مصلحة في مسك الحكم على غرار البشير، لكنه مسؤول عن صيانة الأمن في السودان حتى لا يتحول السودان إلى سوريا وليبيا وحتى العراق رغم هناك ديمقراطية ولكنها ديمقراطية محاصصة نهبت البلد وزادت من أزماته وأفقرت شعبه، وارتفعت نسب البطالة، فيما الثروات يتم توزيعها بين السياسيين هذا هو النموذج الديمقراطي العراقي.
الآن في السودان أبي أحمد للتوسط بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، طبيعي أن قوى الحرية والتغيير لا تمثل كافة الشعب السوداني، وهو كذلك يشكك في تركة الرئيس البشير الذي ورث تركة ثقيلة، وهم يريدون تفكيك هذه التركة، ولكن هل المجلس العسكري مسؤول عن هذه التركة؟.
هذا الحراك يحاول أن يصور للشعب السوداني من أن المجلس العسكري يفرض وصايته على الشعب السوداني مدعوما من مصر ودول الخليج وهم يرفضون النموذج المصري باعتبار أن دول الخليج تخشى الحرية والديمقراطية لكنهم أخطأوا الطريق في أن دول الخليج دول مستقرة ونموذجهم نموذج غير ديمقراطي على غرار النماذج المختلفة في الصين وفي كثير من دول العالم لأن الديمقراطية ليست فقط ديموقراطية الصناديق والنموذجين في العراق وتونس ولبنان ولكن تلك الديمقراطية لم تنتج تنمية وتحول مثلما هو في دبي والإمارات والسعودية.
هناك ضبابية في المشهد السوداني، لكن المجلس العسكري تماشى مع الحراك الشعبي وحقق له كثير من المطالب، خصوصا وأن الحراك ليس واحدا بل هو عبارة عن قوى يسارية محترفة وبقايا الجماعات الإسلامية التابعة للبشير والترابي، وحزب الأمة إلى جانب هناك قوى أخرى، ولن يقبل المجلس العسكري التنازل عن أولوية الحفاظ على أمن السودان، وهناك فرق بين المد الفوضوي والمد الوطني.
المعادلة السياسية في السودان مختلة والغضب هو سيد الموقف والبدء بحاجة إلى نقلة جديدة تقدم مصالح البلد السودان على مصالح القوى والأحزاب، والمجلس العسكري موقفه واضح أتى على لسان نائب رئيس المجلس العسكري حميدتي الذي قال ( لن نسمح بالفوضى كما في سوريا وليبيا ولن نرجع في قناعاتنا ويجب فرض هيبة الدولة بالقانون) ويحتاج السودان إلى العقلاء كما دعا تجمع المهنيين السودانيين إلى الالتزام بسلمية الحراك وعدم الانجرار إلى العنف وهو كذلك في الشارع الجزائري وهذا ما يميز الحراك الثاني 2019 عن الحراك الأول.
في الجزائر اختلفت المواقف بين من يؤيد الجنرال بخصوص رفض المرحلة الانتقالية والتوجه إلى الانتخابات في أقرب وقت، وآخرون يعتبرونه عقبة أمام حل سياسي للأزمة، على أساس أنه لا يريد الخروج عن الحل الدستوري الذي يعني استمرار بن صالح رئيسا مؤقتا، فيما يرفضه الحراك بحجة أنه من بقايا النظام البوتفليقي، واقترح صالح حوارا بين الطبقة السياسية، فيما طرح رجال دين بارزون خطة للخروج من المأزق تتكون من عدة عناصر منها تفعيل المادتين من الدستور 6 و 7 اللتين تنصان على أن الشعب مصدر السلطة وهو صاحب السيادة، عموما الحوار هو الوسيلة الأسلم للخروج من المأزق الذي يمر به الحراكين في الجزائر والسودان.

1 تعليقك

  1. Avatar نورالدين مدني

    للأسف يا دكتور عبدالحفيظ
    قراءتك لما يجري في السودان مشوشة بما قلت انه ضبابية في موقف المجلس العسكري الذي ترك امر مواجهة الثوار لقوات غير نظامية يتزعمها حميدتي الذي عين بليل نائباً لرئيس المجلس العسكري الإنتقالي وصار هو وقواته يرتكبون الجرائم ضد الشعب السوداني التي توجت بالمجزرة الدموية الجبانة التي تمت ضد المعتصمين السلمين امام مقر قيادة القوات المسلحة السودانية في مشهد درامي لا إنساني راح ضحيته عشرات القتلى والجرحى وقفل الطريق امام التفاوض الذي كاد ان يصل غلى إتفاق مع ممثلي الثوار

اترك رد