رحماتُ الله


 

همّت بالمنسج لتضرب رأسها، ولكنّها عدلت بعد أن أعجلها برهان الأمل، فأشاحت بوجهها عن الزّربيّة المشدودة إلى أعواد الخشب ، عيد الفطر اقترب ، أيّام معدودات وهي تحاور نفسها وما كلّت، كيف السّبيل إلى الحلويات ، المقروض و الصمصة و كعك الورقة و البقلاوة ، و ملابس و ألعاب الأطفال، { كيفَ يا ربّي ؟ } ، كانت جالسةً على جلد خروف، الموقد على يمينها،و إبريق الشّاي ينفث بخاره، وكريّات حمراء من رذاذ ساخن تتطاير تركلُ رائحة الصّباغ بعيدًا. ألقتْ بحصاة الجاوي فانتشرت حبال بيضاء من الرّائحة الطّيبّة تعانق سقف الغرفة ، كأنّ الأسئلة رحلت للتوّ بفعل البخور. انتشت محبوبة وتحررّت لبرهة من سطوة الأسئلة الرّمادية الكابوسيّة التي تلاحقهَا كظلّهَا ، وتنهض معهَا وتنام وتجوبُ تقاسيم وجههَا الذي سكنتهُ التّجاعيد ، ولكنْ ألانتهُ رأفة الرّحمان المتواصلة ،رغمَ أنّها كم مرّة عبّست وتولّت كلّمَا حامَ طائر هذه الأسئلة المحفورة بكلس اليتم وواجه رباطة جأشهَا ،فإنّ لهَا أصابع من ذهب ، وقلب ارتوى بلبن النّخل تجتاح به خبل الأيّام ، بناتها يغسلن الصّوف في السّقيفة،استندت محبوبة إلى الجدار،و كان ثمّة خرق وسخة ملقاة على أرضية البهو،والعمّة محبوبة مطرقة كئيبة حزينة ومفكّرة،أرسلت نظراتها إلى مصدر أصوات الفتيات، وقالت :{ كيف سأفرح بناتي اليتيمات ؟ ليس لي في البيت خضرًا و لا زيت ولا طماطم، ولا حليب ،وأمّي العجوز بماذا سأشتري لها {نفّتها} 1 ، لن أخبرهنّ بانتهاء النّقود، لا أملك الآن إلاّ ثمن خبزة واحدة} ، وبينما اسودّت السّبل أمامها، وتضاعف خوفها من وطأة الأعباء، فما نفعت عناقيد ضوء الشّمس ولا صفاء السّماء في هذا اليوم الرّبيعيّ، إذ بها قالت:{ ياربّ الضّعيف والمسكين ،أنا أعيش بكدّي والكدّ يعجز لا محالة،و أنت أعلم بحالي ،أنا أرملة ولا قيّم لي،فكن قيّمي و ارحمنا واسترنا واكفنا ذلّ السّؤال ، فإنّك تعلم أنّ السّؤال مذلّة، وأنت عودتنّا عزّك، فبعزّك تكرّم علينا} ، مسحت عينيها بقطعة كتّان بسرعة،وصار الهمّ لا يزال يعاودها ،رغم أنّها تواسي نفسها، صمدت في قلب الامتحان، وهي ترهف السّمع ، لثرثرة بناتها، أتت رشيدة وقالت :{ مابك ياأمّي ؟} فردّت :{ لا شيء ، اطمئنّي يا بنيتي صداع يؤلمني ، أين جدّتك ؟} ،فأردفت البنتُ :{ إنّها تشاركنا الحديث ،كدنا ننهي الغسيل } فجأةً رنّ جرس البيت، فقالت محبوبة :{ إن شاء اللّه خبر خير، افتحي يا بنيتي} ، فركضت رشيدة وفتحت الباب،إنّها تاجرة الزّرابي تطلب مقابلة محبوبة، أخبرت البنتُ أمّها وتراجعت إلى السّقيفة ، قدمت محبوبة مرحّبة بالضّيفة:{ أهلاً وسهلاً بأختي تفضّلي تفضّلي } فقالت الحاجّة منجيّة:{ يا محبوبة أنت أختي ولستُ عنك غريبة ،و ابني ينتظرني في شاحنته هناك، لقد تبقّى عندي مئتا دينار بقيّة ثمن زرابي السّنة الفارطة، ولعلّك أخطأت العدّ فلم تنتبهي آنذاك ، تفضّلي ،وأنتظر الزّربية الجديدة ،اللّون والطّول مثلما اتّفقنا}، فردّت محبوبة بنبرات متقطّعة من شدّة الفرح كأنّ باب العرش قد فُتِح في وجهها فضمّت الحاجة منجيّة وقبّلتها وقالت :{ اللّه يسترك اللّه يسترك ويستر ذرّيتك يا ابنة الحلال، أنت الأخت والحبيبة ،طبعًا طبعًا سأنسجها } فأردفت الحاجة:{ بارك اللّه لك في صحّتك فما رُفضت لنا سلعة من صنعك ،إلى اللّقاء و اتّصلي بالهاتف حينما تتمّين الزّربية، أو ابعثي رشيدة} ودّست كومة من أوراق نقدية جديدة برّاقة في جيب محبوبة وهي تضمّها إلى صدرها بحرارة مرّات و مرّات ، كادت محبوبة تطير من شدّة الفرح ، بسرعة خرجت بعد أن ودّعت صديقتها و أغلقت الباب ، والدّموع تنهمر على وجهها الأبيض ، و هي تردّد :{ يا فرحي و يا سعدي فُرجتْ ، يا ربّي ما أكرمك ، يا ربّي ما أحنّك ، سبحانك ، يا ربّي يا حنّان يا منّان ، أفرحتني في ليلة العيد هذه ، و أنا ما برحتُ بابك } .

لا تعليقات

اترك رد