اَلْأَصْدِقَاءُ النُّصُوصُ


 

نصوصٌ ضاءت أحرُفُها وتبرّجت كلماتُها وماست على إيقاع ألفاظها أهدتني أصدقاءً. أصدقاء لم أعرفهم إلّا حرفا سابحا في زرقة هذا الفضاء، لم ألْتَقِهِمْ إلّا في بهرة الضّوء والحرفُ بيت مشرعة أبوابه، ولم أصافحهم إلّا بوهج القلبِ حرّت أنباضُه.
قرأتكم حرفا عرفتكم فيه حتّى استدللت به عليكم، واشتملني حتّى تراءيت فيه. ومع مرور الوقت أدْمَنْتُكُم كما تدمن الحاسّة لذائذَها فإن غبتم تفقّدتكم كما يتفقّد الإلف حميمه.
أُحِبُّ أَصْدِقَائِي النُّصُوصَ؛ النُّصُوصَ الفَرَانِدَ. وتسألني: مَا النَّصُّ الفِرَنْدُ؟، هو النَّصُّ الّذِي لَا تُخْطِئُ صَاحِبَهُ فِيهِ. ما عدتُ أحتاج أن أقرأ أسماءكم لأنسب النّصّ إليكم بل أقرأ النّصّ فأجدكم في المعجم الّذي تخيّرتم، وفي التّركيب الّذي شِدتم، وفي الموضوع الّذي طرقتم، وفي الصّور الّتي رسمتم: أكوان من استعارات، شموس المعاني لها في الألفاظ ظلال، خَلْق من النّاس يَحْيَون في خلق من فنّ… ولا غرو “فالأسلوب هو الإنسان”.
وأجدكم في لطائف جنيتم فأقنيتم، وفي هوامشَ تخيّرتُم إن تأمّلتُ وجدتُها متونَ الحياة الّتي نحيا، وفي هزل به نقوى على الجدّ أو هو عين الجدّ. وفي سخرية هي قوّة العقل تعرّي سوءات الواقع إذ تضحك منه، وأجدكم في جُرح تشرحونه عن وجعه وتسعَوْن في طِبّه بمرهم الكلمات، وفي عظيم الأسفار وجليلِها تضعونها على جناح من ضوء زادا لكلّ طالب، وأجدكم في نوافذَ إلى قلوبكم ومهوى أفئدتكم تُشرعونها فأجد ضَوْعَ ودٍّ وصدقٍ به يكون العمر أرحبَ ونكون على الحياة أقدرَ.
أصدقائي النّصوصَ، أنا مدين لكم بمعارف حصّلتها وفوائد قبستها وأفانين هذّبتْ ما استغلظ من طبعي ورؤى صرت بها أبصر، وأحاديث أنا بها آنسُ، ونُقُودٍ بها قصدُ السّبيل…
وإنّي إزاء نصوصكم الفراند أحد قرّاء ثلاثة:
قارئ يُلزم نفسه إزاء نصوصكم البواذخ بأن يقرأها متأنّيا فلا يسارع إلى ملاحظاتٍ عجلى أو عباراتِ مجاملة ولعلّه يحتاج إلى أن يعايشَ النّصّ ويتدبّر معانيه ويجتهدَ في طلب ما يُعينه على ذلك حتّى ينقدح له بابٌ للقول فيه. فإن حالت دون ذلك شواغلُ أمسك وأصداءٌ منه فيه؛ مزروعة في خاطره لا تلبث نصوص أخرى لاحقة أن تبعث سواكنها.
قلت لصديقي عمّار التّيموميّ رحمه اللّه وبين يديّ عدد من نصوصه: لقراءة المبدعين أمثالك لا بدّ من بلوغ حال من الصّفاء حتّى نرى.
قارئ تشرق فيه الفكرة إذ يقرأ النّصّ ينفعل لها انفعالا تختلف درجته استحسانا تقوم بَنَانَةُ اليَدِ دليلا عليه أو إعجابا يخفق له القلب وقد نهضت ترجمانا لتينك الدّرجتين علامتان يعمد إلى إحداهما فينقر عليها. فإن أمكنه أن يعقّب شرحا وتوسّعا أو تثبيتا وإقرارا فعلَ فإن لم ير في تعقيبه غِنًى اكتفى بنقرته تلك. وقد تحلّ العلامة محلّ الأخرى ولكنّ الانفعال بالنّصّ قائم وتلك نكتتُه في القلب والعقل معا. ولعلّه لا َيْنقُر ولكنّه يستدرك وذاك وجه من وجوه الانفعال.
قارئ لا يريد الخوض في ما خيض فيه أو لعلّه ليس أهلا لذلك فيغنم القراءة ويمرّ مرور الكرام وقد أنزل كاتبَه من نفسه منزله. على أنّه قد ينتشي للنّصّ انتشاء فيقرأه مرّات عديدة ويمضي ذاهلا عنه وقد حلّ فيه.
قلت مرّة لأحد أصدقائي معقّبا على نصّه: لن أُحبَّ نَصَّك لأنّي وَجَدْتُني فيه. وهل أحدٌ يعلن في النّاس: أحبّ أناي؟.
ولعلّكم تسألون لم سمّيتُكم أصدقاءً نصوصا؟ لأنّي نَصَصْتُكم واستقصيت ما عندكم (1) فوجدتكم تترفّعون عن اليّوميّ السّاذَج إذ ترومون المعنى الصّميم وترتفعون عن عارض الحوادث إلى جوهرها. ولا غرو فقد جاء في مقاييس اللّغة لابن فارس أنّ “النّون والصّاد أصلٌ صحيح يدلُّ على رَفعٍ وارتفاعٍ وانتهاء في الشّيء”، ولأنّي التقيتكم فقرأت معكم بليغ نصوص الحياة وقرأت فيكم بلاغتها وشاركتكم كتابة قصّتها، ولأنّي طالعتكم في كلماتكم فعرفتكم وأنستُ لكم وبكم، ولأنّ حظّي منكم نصوصٌ أنضجتْها الحياة فكنتُ بها أكمل عقلا وأحدّ نظرا، ولأنّ نصوصكم كانت سبيلي إليكم؛ وما أروع أن تكونوا نصَّ حرفٍ متعاليا ثمّ أصير معكم في نصّ الحياة حضورا وارفا وجَلال شهود!، ولأنّي أراكم في هداياكم الغالية تزيّن مكتبتي ولمّا تسنحْ بعد فرصة اللّقاء بكم.
وبعدُ هَلْ نَحْنُ – فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ- إِلَّا نُصُوصٌ تَرْقُمُهَا الْحَوَادِثُ وَالْغِيَرُ.
وإنّ قبيلا من النّاس يميّزون بين صديق واقعيّ وآخر افتراضيّ ولا أرى أصدقائي النّصوص الّذين حدّثتكم عنهم في هذا الفضاء السّماويّ إلّا واقعيّين جدّا أصافحهم وأشعر بخفق قلوبهم في كلماتهم، امتحنتُ صداقتهم فوجدتهم -وإن ركبوا حرفا من ضوء نَسَجَ أسماءَهم وصُورَهم -وجوهَ حقيقةٍ فلا قناعَ، وودّا لم يَشُبْه طمعٌ أو مصانعةٌ لأنّهم سكنوا معك الكلمة ” بيت الوجود”؛ الكلمة الّتي تستغرق الإنسان وقُواه والّتي بها يكتب وجودَه ” اكتب تكن”، وبها يُرى ” تكلّم حتّى أراك”، الكلمةَ الّتي فيها عبارتنا عن أنفسنا في متقلّب أحوالنا والّتي فيها تحاوُرُنا وأخذنا وردّنا والّتي فيها نرسم أفقَ وجود نرجوه، الكلمةَ الّتي هي مبدأ تصافينا ومجلى خواطرنا وموئل مُتَعِنا.
هم واقعيّون جدّا لأنّ كلماتهم تقولهم وتقول عنهم، ولأنهم يتراءَوْن فيها إذ يكتبون أو يقولون وأتراءى فيها إذ أقرأ أو أسمع. هم واقعيّون جدّا لأنّك تراهم بعينك الباصرة لا بعينك النّاظرة، ولأنّ حظّك منهم حظّك من نفسك تمتحن معدنها.
أصدقائي النّصوصَ. لن أسمّيَكم غير أنّي زرعتكم في كلّ نقطة حبر كتبت بها هذا النّصَّ وكلَّ نصٍّ، فاقرأوه تجدوا بعضَ سمتِه سمتَكم، وبعضَ مُبتدئِكم مستأنَفه، وقد كنت قرأتُكم فوجدتُكم سبيلا إليّ و بيانا مُعْرِبا عنّي وكذا أنتم كلّما قرأتكم.
وهل مثلكم نصوصٌ تُعْرِبُ؟
جاء في اللّسان: ” نصَصْتُ الرجلَ إِذا استقصيت مسأَلته عن الشيء حتى تستخرج كل ما عنده”

لا تعليقات

اترك رد