الحراك الثوري العربي أو صحوة ” هوامش ” العسر الإنساني !


 

حسب الناشط الحقوقي والسياسي المصري محمد القدوسي، فإن ثورات الربيع العربي تتجاوز في نطاق مفعولها التاريخ أعتاب تحرير الإنسان العربي، إلى ما هو تحرير للإنسانية من جموح السباق التسلع وبعد سباق التسلح الذي طبع فترة القطبية الثنائية وحربها الباردة، وسقوط منطق الدولة الحديثة العملي على يد حكومات الشركات المتعددة الجنسيات التي بالغت في نطاق وإيقاع اللبرلة المتوحشة للتاريخ، بشكل صارت معه حقوق الإنسان في أحوج ما تكون لنقاش تجديدي ينفذ إلى عمق معاني الكينونة الإنسانية، ما يعني بالضرورة أن هاته الإنسانية هي حاليا بصدد البحث عن مرجعية وجودية تعطيها شرعية وخطة التحول المرحلي الحتمي في تاريخانيتها، وإلا ضاعت منها معالم الكينونة واستحالت إلى شيء غير مذكور، بسب تعاظم قيمة الشيئية ذاتها، فكيف والحال هذه يمكن لثورات العرب أن تأخذ كل هذا البُعد أو تُحمله في التاريخ، وهي التي اندلعت أساسا من الحاجة الإنسانية البسيطة التي غُيبت في المدينة العربية في الفترة ما بعد الكولونيالية وهي: الحرية، الديمقراطية والعيش كريم؟

التاريخ ليس ينعكس من زجاج ناطحات السحاب الياردة، مثلما قد يعتقده الظانون بقانون الحضارة وشرط الحضور الدائم والمتداخل والمتفاعل لمشتركها الانساني ظن السوء، فعادة ما تندلع الثورات الكبرى الحملة لتغيير الجذري في هوامش الأمكنة حيث الأزمنة بأشيائها تثقل حركتها على الناس، ذلك لأن الوعي الإنساني التأسيسي هو وعي الألم، فاليسر لا يرتد ليفكر في العسر والعكس هو الأصح، فحالما تضيق الحياة تفتح خزائن الرؤى ودفاتر الأيام والسنين وخطط الإفلات من الأزمات حيث تجارب البشرية موسومة بالحبر وموشومة بالدم.

وطالما أن العسر يستقر بهامش اليسر، على تماس ضيق ومستمر في كبريات المدن أين تتفاعل أشياء التاريخ، فليس ثمة من مفر في أن تتبلور رؤى وأفكار تضع التمرد الواعي على

رأس الحراك نحو كسر الجدران الوهمية بين معسكر اليسر والعسر الناشئ من اختلال في قوانين التفاعل الاجتماعي ونظم ضبط الحياة المجتمعية على صعدها المادية والفكرية.

وبحكم ضيق الحالة الإنسانية في رقعة مصيرها وتقلص مساحة التأثير المتباين والبيني، بفعل تصاعد المنتج الاتصالي والتواصلي كما وكيفا بسرعة البرق، ما أفرز شبه تلاش هيب لتأثير الحدود الطبيعية، صارت “الهوامش” فضاءات أكبر من أحجامها الأولى بل ولا تفتأ تكبر من بوم لآخر، فإذا كان العالم كله قد أضحى كما يقال قرية صغيرة ملمومة على نفسها، فإن الهوامش الكبرى حيث يربض العسر على صدرها لم تعد مجيدة فقط في أحياء شعبية أو عشوائيات قصديرية تطوق الحضر، بل صارت شعوب ومجتمعات ودول وقارات بذاتها، هذا في الوقت الذي يزداد تقلص فضاء اليسر لينزاح عن الدولة معنى ووظيفة ويغدو في مجالس خفية كبرى وشركات تنصب حكومات وتحلها!

وإذا كانت الدولة قد طفقت تتساقط أمام تعاظم حكومة الشركات المتعددة الجنسيات في كبرى البلدان حيث تقاليد السياسة والسيادة عريقة وراسخة بقوة وعبر نسق متصل ومتواصل ومستمر في الممارسة، فكيف يمكن تصورها في بلداننا العربية، حيث الوعي بالمفاهيم الخاصة بالوجود السياسي والقانوني لظاهرة الدولة في شكلها الحداثي نظريا كما تطبيقيا يشوبه الكثير من التسطح والتلبس وعسر الاكتمال! فأنى لحركة التمرد الشعبي على صلف نظم الحكم العربية مطالبة بالتغيير والحرية والديمقراطية، أن تسهم في تحرير الإنسانية من عسر الليبرالية الحادة التي تتقاتل في سياق السعي الهيمني، في كل مناطق الخيرات بكل الوسائل، وهي التي لا تعي عمق هذه الليبرالية الحاملة للنموذج الأخير من الاستعمار المتبدل في أساليبه المستقر في إستراتيجيته وأهدافه؟

في منقلبات التثوير المجتمعي ليس يستقيم معها شرط سبق محاصيل النظر والتنظير على حاصل الواقع الميداني، بل إن الواقع الثوري الميداني الذي يتنامى طرديا في مطلبيته ونقاشاته وممارساته ليغدو أداة إعادة بناء الوعي الجديد بوصفه تصحيح لمسار التاريخ، هكذا
عبرت الثورات في طبيعة قوانينها الإنسانية مذ وعى الإنسان بشاكلة جمعية حادة، فارقة وقاصمة للأوضاع القائمة. اسمها الثورة!

كل ذلك يقودنا إلى التسليم بأن مطلبيات الحراك الثوري العربي متماوجة مرحليا، وإن بدأت بعناوين ولافتات بسيطة، تجاوزتها، كما أشرنا التجارب الأخرى بسنين عددا أو قرون حتى، كحرية اختيار الحكم بدون وصايا، تمدين الحياة السياسية، التوزيع العادل للثروات، إلا أنها لتبدو جديرة بأن تحيي في البشرية منسيات الكينونة الطبيعية المثالية الضائعة اليوم في الحضارة، فطغوى منطق السوق قلب المعادلة الحضارية رأسا على عقب وأنطحن أثر منها الإنسان في منطقها المادي الصرف، وموت العربي اليوم في قارعة الشوراع وفسيح ساحات الاعتصام، صادحا بمطلب التغيير صارخا الحق من أجل قيم خارجة عن سلمية الهرم المادي المتصارع بشراسة على ريادته وامتلاكه، من شأنه أن يبعث أسئلة الوجود خلف نزوة الهيمنة وكسب حرب البقاء بالعنف المبرمج المستتر، ما حدث في السودان من تقتيل لمن احتشدوا في ساحة الاعتصام رافضين لحكم العسكر، وهذا مباشرة بعد عودة مسئول الحكم العسكري من الخليج، لخير دليل على أن الديمقراطية بوصفها الضابط الروحي لليبرالية والحائل دون توحشها المادي من خلال ما تطرحه نظريتها على صعد حياة المدينة الإنسانية الحديثة منها والحداثية، من الحقوق والواجبات وآليات الحكم، أو هكذا تُقرأ، لم تعد في خضم الدم المسفوك في الجنوب بسبب تنامي صراع الاستقطاب والاستحواذ، سوى قانون مرور لكن بلا إشارات في طرق وشوارع العالم الجديد!

إنه ليس انحراف الدولة الوطنية العربية عن خصائص وظيفتها السياسية وانجرافها ووقوعها الفاضح الفادح في وهدة الفساد الشامل شمولية طبيعة نشأتها البطريقية، هو الأمر الأوحد الذي عبر عنه الحراك الثوري العربي، بحشوده المليونية المسيطرة سلميا على شوارع كبريات الحضر العربي مذ انبلج العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، بل إن ذلك الانحراف إنما كان نتيجة لانحراف منطق الدولة الحديثة في عقر نشأتها وعرين ظهورها، في مسلكيتها الوظيفية وتكاد تؤصل على النطاق النظري بإقرار هزيمتها أمام الرأس المال الخاص العالمي المكتسح لكل مساحات التاريخ والمصير الإنساني، حتى وإن لم تع جحافل الماشين من عموم الشعب بمعي ذلك الشباب المتعلم ونخب الرفض المثقفة في جُمعات كبريات المدن العربية وعواصمها مطالبين بالكرامة التي هي أساس وخَصَاص الجنس البشري اليوم، الممرغ عرضيا في أتون هيمنة الدكتاتورية العسكر في الجنوب وعلى رأسه بل ومحوره العالم العربي، وأفقيا في أتون ديكتاتوربة السوق الجامحة حيث يخلق فيه الإنسان للأشياء وليس العكس.

بيد أن المشكل يظل في نخبنا الناظرة في أشياء وتقلبات التاريخ، حين تضيق في وسع التحلل وتضيع في قوانين الثورة الإنسانية المستوحاة من تجارب البشرية عبر التاريخ وتحاول إسقاطها على واقع التمرد الثوري العربي العابر في عفوية لحدود الطغيان والتسلط الداخلي إلى طغيان التسلط الكوني الناهض على توحش السوق، لهذا ظللنا نقتل عبقرية الهامش فينا نحب أننا نحسن صنعا، إذ نستعير مقاييس القراءة ومعاول التأصيل!

المقال السابقالهجرة الامنة
المقال التالىخارطة الانتشار الاقتصادي الإسرائيلي في العالم
بشير عمري كاتب صحافي جزائري.. يشتغل على نقد الخطاب السياسي، بالإضافة لاشتغاله في حقول الأدب والفن نقدا وإبداعا يكتب في القصة القصيرة والرواية... عمل بالعديد من الصحف الجزائرية، ويساهم في عدة دوريات عربية وأجنبية. حامل لدبلوم في الاقتصاد التربوي، من المعهد التقني للتسيير. صدر له: 1) حول ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد