المنجز : بين التجريد والتجريب


 
المنجز : بين التجريد والتجريب

يظل المنجزالفنى فى مطلق أحواله و بشكل عام يتمتع بذلك اﻹمتداد الطويل نسبيا فى وجوده ، ويدعم وجوده وأمده معيار ذلك العمق فى مفهومه وطرحه ، ومدى إرتكازه على ما يراه البشرفيه من قيمة مضافة ، تسد إحتياجاتهم سواء كانت جمالية أو علمية أو تطبيقية ، وتدعم إحتمال الواقع والحياة بما يزخران به من عقبات ومصاعب ، ويقتسم صاحب المنجز ذلك اﻹحتياج مع غيره من البشر ، فسعيه ﻹيجاد المنجز يحركه ويدفعه ذلك اﻹحتياج ، وتلك الغريزة نحوالتضافرمع نسيج بشريته ، فسيعه نحو إيجاد منجزه دائما ما يشعره بحقيقة وجوده ، وبكونه خيطا مميزا فى بقعة ظاهرة من تلك المنسوجة البشرية .

المنجز : بين التجريد والتجريب

والمنجز بشقيه سواء الملموس ( وهو ما يكون حبيسا لشكل أو مادة أو كيان ظاهر للعين ) ، أو كان محسوسا ( وهو ما يرسخ فى الذات من جملة تعبير أو تعاليم مؤثرة ويتناقلها البشر كقيمة يروا وجوب الحفاظ عليها ) . دائما ما تحكمه تلك المعايير ذات الصرامة ، والتى يحددها المبدع نفسه ويفرضها على طرحه طواعية دون أن تفرض عليه من قبل اﻵخريين . فهو من يختار المنهج ويضع الأسلوب ويتحمل نتائج محاولاته ، وتبقى جديته ومصداقيته عاملان أساسيان فى تلك العملية اﻹبداعية . كما تأتى عناصره المستخدمة سواء كانت فكرا أو تاريخا أو موروثا أو خامة تحتل منزلة العصب فى جسد المنجز . وكلما أدرك المبدع هدفه من منجزه كلما سيطر عليه وتمكن منه . وطوع معطياته ومستجدات المصادفة فيه لتكون ذخيرة له . تدفعه بقوة نحو هدفه . ولا تكمن قيمة المنجز فى ثراء متنه او خامته . بل فى مدى فعاليته وتأثيره فى محيطه . ومدى ما يصدره من جملة طرح ذات مغزى . وما يحمله من مقومات تدعم أمده وإستمرارية وجوده . كما يحدد اﻹقبال عليه من فئة ما مدى ثرائه وأهميته . ويشكل مع نوعه من المنجزات حالة التنوع والتباين واﻹختلاف والتعددية المرغوبة من البشر بشكل عام . والتى تتيح لهم إمكانية اﻹختيار والتميز والمقارنة بما يناسب تنوع اﻷذواق وإختلافها لديهم .

المنجز : بين التجريد والتجريب

وقد جائت الواقعية والكلاسيكية والتأثيرية واﻹنطباعية وغيرها من مناهج ومدارس الفن المباشرة وشبه المباشرة لتمارس على نطاق واسع ، وسجل منتجها الوفير فى كافة بقاع المعمورة على كل ما تطاله أعين المبدعين والممارسين . من تناولات خاصة بالتشخيص والطبيعة الصامتة والمنظر الطبيعى والمشهد التوثيقى والمنظر التأريخى والتفصيليات النوعية والتشريحية وحتى التخيلات المستقبلية .وما مارسته السيريالية من تناولات لتلك المناطق الواقعة خلف المنطقيات ، بل ذهبت لأبعد من ذلك ووصلت إلى تلك المناطق اﻹبداعية والتى تغوص فى خلجات نفس المبدع ، فى محاولة للغوص فى أعماق اﻷعماق وصولا إلى تلك النقاط الفاصلة ما بين اليقظة والنوم . وما بهما من تخيلات وأحلام وأمنيات وهواجص تدور داخل ذات المبدع . وتكتظ بها مخيلته وفرضياته اللامنطقية .

المنجز : بين التجريد والتجريب
إلا أن التجريد ظل تلك المساحة الرحبة والحقل الخصب الذى يتيح للمبدع تلك اﻵفاق الجديدة والممتدة . والتى يستطيع من خلالها الشعور بأنه أمام ميدان جديد من ميادين التناول الزاخرة بتلك التجارب والمجازفات المشروعة ، والتى قد تؤدى بالمبدع إلى الوصول إلى أبعاد جديدة . والتجريد فى السياق التشكيلى عبارة عن جملة بصرية تسبح فى بحور بعيدة سباحة حرة تشعر المبدع بتلك الإرتياحية . وترفع عن كاهله تلك المحاذير التى تكبله . وتسجنه داخل إطار المناهج واﻷساليب . وهى دائمة السعى فى تلك المنطقة التى تهتم بالجوهر أكثر منها إهتمامها بتلك التفصيليات ، والتى ربما تعيق اﻹسترسال فى عملية اﻹنفعال السردى لدى المبدع . ويعد التجريد واحدا من أفضل وسائل التعبير الفنى وأسرعها فى إيصال جملة المفهوم المطروح من قبل المبدع . وإن كان التجريد كأسلوب له عيوبه وعوائقه لدى البعض من أفراد المجتمع. فالتجريد فى الفن التشكيلى هو جملة لها علاقة وثيقة بمرتبة الثقافة ودرجتها لدى طرفى الجملة اﻹبداعية ، سواء كان المبدع كطرف أول . أو المتلقى كطرف ثانى . فالعائق الرئيسى أمام اﻷسلوب التجريدى وتواصله مع مجتمعه وجمهوره هو ما عليه المجتمع والجمهور من ثقافة ورقى فى التعامل بصريا مع ذلك الطرح . وإمكانية مد البصر إلى ما وراء المشهد والطرح من معنى ومغزى . وقراءة الرمزية والدلالة المحملة بالعمل التشكيلى ….

المنجز : بين التجريد والتجريب

ولا شك أن مرحليات تطور التجريد وإنبثاقه من العديد من اﻷساليب الفنية كاﻹنطباعية والتكعيبية وغيرهما من الأساليب الفنية وصولا إلى ما هو متعارف عليه الآن . لا شك بأن هذا التطور له من المرونة ما يجعله باحة لكل هؤلاء المبدعين الذين يطمحون إلى التجديد فى شكل المنجز البصرى ليواكب متغيرات العصر ومرحليات الزمن الراهن . فالتجريد فى عمومه هو أسلوب فنى يعتمد إعتمادا رئيسيا على التأمل وما ينتج عنه من غوص فى أعماق ما هو طبيعى ومحاولة الوصول إلى جوهره ، والتعبيرعنه بما يراه المبدع مناسبا من خط أو لون أو خامة أو بعضهم أو كلهم مجتمعين . كما يمنح التجريد للمبدع تلك الحرية فى التعبير بما يتناسق مع أسلوبه ورؤيته . فنجد التناول لدى البعض من خلال زوايا هندسية . أو من نواحى عضوية أو أشكال تحاكى مفردات فى واقع الطبيعة . أو من خلال ألوان ذات تباينات تنم عن أبعاد وأعماق وأعماق . إلا أن تلك المحاولة فى التعبير بشكلها المجرد يجب أن تخرج حاملة دلالة ذات وضوح لما يطرحه الفنان من تجريد ، حتى يؤدى تجريده جملته فى إحداث التأثير المطلوب لدى المتلقى. والذى يعتبر التجريد هو ذلك المنجز البصرى أو الفنى بشكل عام والذى يحمل ذلك اﻹيجاز الخالى من تلك التفاصيل المرهقة بصريا . والذى يسمح له بممارسة قراءته الخاصة والتى تسرب إلى نفسه ذلك الإحساس بالمشاركة فى المنجز ولو بتناوله وتحليله .

أما التجريب فهوإحدى الوسائل التى يلجأ إليها المبدع ليدعم أسلوبه ويميز منجزه الفنى . وهو من مقومات التجربة ومنجزها لدى العديد من المبدعين . حيث أنه يحمل ميزة هامة وفريدة . وهو إتيانه بنتائج غير متوقعة حتى بالنسبة للمجرب نفسه . ومنهج التجريب الجيد والحقيقى والمثمر هو ذلك الذى يخضع للتسجيل والتوثيق لكافة اﻹجراءات والخطوات ، والتى تكون متسببة بشكل مباشر فى عملية تراكمية الخبرة . والتى يكون لها دورا كبيرا كذخيرة من ذخائر المبدع . والتجريب كممارسة ومنهج ليس بالضرورة أن يكون متبعا فى كامل المنجز فبعض المجربين يتعاملون مع التجريب بشكل كامل فى كامل المساحة . وبعضهم يفضل تلك التعاملات الجزئية والتى تخدم المنجز وتتماشى وتتناسب مع ما يسعى إلى تحقيقه . ويظل للتجريب تلك الفائدة الكبيرة والهامة فى إحداث تلك التطورات والطفرات فى العديد من التجارب سواء على مستوى التناول بشكل عام ، أو على مستوى التقنية والتى قد ينفرد بها واحدا من المبدعين عن غيره . ويعود ذلك إلى جملة إجتهاده ووعيه الممزوجتان بين التمنى والحساب العقلى . كما يظل للتجريب تلك اﻷفضلية لدى المتلقى الواعى . فهو أحد مسببات الدهشة والإستمتاع لديه . حيث أن بعض التجارب قد تأتى بنوع من التجديد يشعر المتلقى بأنه أمام طرح مغاير وتناول بصرى مختلف .

المنجز : بين التجريد والتجريب

وتبقى نقطة التماس بين التجريد والتجريب كناصية لإلتقاء وتران فى دائرة العملية اﻹبداعية . وذلك إذا ما تلاقوا فى وقت مناسب ومكان أكثر مناسبة . ليحدثان معا جملة ذات خصوصية تعبر عن جوهر وماهية . فالمزيج الناتج عن هذا الإختلاط بين التجريد والتجريب يضع المنجز فى منطقة مميزة ذات خصوصية تنضح بذاتية المبدع وتنم عن مصداقيته دون تنميق مفتعل أو مبالغة مصطنعة

1 تعليقك

  1. ان منجزات الاخت الفنانة منى الأبداعية بفن الخزف ما هي الا قمة فبي الابدتع والابتكار والتجريب
    كنت متابع حريص لمسيرتها ومنجزها الفني فهي بحق تستحق كل ثناء وتقدير واسئل الله عزوجل ان يوفقها ويكرمها

اترك رد