عندما تتحول النعمة الى نقمة

 

في نظرة تاريخية بسيطة وسريعة لا نبتعد بها كثيرا عن يومنا الحاضر لا نجد فيها إن منطقة في العالم تعيش على بركان في حالة ثورة وصراعات دائمة كما تعيشه منطقتنا التي يشكل فيها الدين الإسلامي الغالبية العظمى ويسمونها بالشرق الأوسط حيث تقع في مركز العالم كحقيقة جغرافية ثابتة فهي عبارة عن مرجل دائم الغليان لا يهدأ أبدا لا في داخل بلدانها التي يحاولون سحقها أو مع غيرها من بلدان العالم وهي محط أنظار كل الدول القوية منها وحتى الضعيفة تطمح لان يكون لها وجودا ومحط قدم فيها وبأي شكل ومن الواضح إن لذلك أسباب كثيرة تتعلق إبتداءا من طبيعة المنطقة والثروات التي خلقها الله في باطنها وأصبحت نقمة عليها الى أن تنتهي في كونها حلقة الوصل بين جهات العالم برا وبحرا وجوا ولا يمكن لأي عاقل أن يتجاوز هذه الحقائق أضف الى ذلك كواحد من بين أهم أسباب غليانها أنها مركز للصراع بين الأديان السماوية الأكبر ناهيك عن صراع الحضارات المستمر منذ أن خلق الله الجليل البشرية وأصبحوا على شكل دويلات الى أن صارت تجمعاتهم إمبراطوريات مترامية الأطراف.

إن صراع الحضارات لا يكاد أن يظهر الى العلن بشكل يثير الحفيظة ولكنه موجود ولا يمكن إغفاله ففي عصر العولمة والتطور الهائل في الاتصالات وتناقل الأخبار يتحدث الجميع عن جعل العالم قرية متعاونة وما يرافقها من مفاهيم حديثة متجددة بأطر وصور مختلفة في الظاهر لكنها بهدف واحد يسوق إلينا في محاولة لاستغفالنا نحن شعوب المنطقة محطة أطماع الجميع شريطة أن نبقى نحن الهدف والأداة تحت قيادة غيرنا من شعوب العالم الأخرى نتوجه كيف ما يرغبون ونتصارع وتسفك دمائنا إذا اقتضى الأمر أو حتى نهجر ونترك بلداننا عند الضرورة لينعم الآخرون بما جادت به أوطاننا.

أما صراع الأديان فهو الأكثر وضوحا ولا نتحدث عن حروب قديمة قد حصلت في تاريخ البشرية المنظور كالحروب الصليبية أو حرق هتلر في نازيته لليهود وتصفيتهم إلا إن حملات التبشير التنصيرية لازالت مستمرة بكثافة في كثير من المناطق ومن ضمنها منطقتنا رغم إن هذا لا يعني شيء بقدر ما يهم من تعبد الإنسان وطريقة اتصاله مع خالقه أو ما يمكن أن نضعها في باب الحرية الشخصية وحرية المعتقد بعيدا عن التفسيرات الدينية المتشددة لكنها حاصلة وقد أخذت مداها في التأثير بدلالة زرع الدولة اليهودية خلافا لكل القيم الدولية في قلب المنطقة بطابع ديني بحت وما تحصل عليه من دعم فوق الاعتيادي من العالم المسيحي ربما من بعض المسلمين من جانب ومن جانب آخر ما نلاحظه من تطرف شديد عند بعض الجماعات المتأسلمة التي تصل حد التصفيات الجسدية للمخالفين حتى من نفس معتنقي الدين الإسلامي وما تنامي اختلاف المدارس واتساع الهوة في نفس الدين على السواء اليهودي أو المسيحي أو الإسلامي وتشظي الأديان الى مذاهب والصراعات المذهبية الخطرة التي تجد من ينميها ويدعمها في الدين الإسلامي فقط أكثر من غيره حتى تصل حد الاقتتال ولعل الغاية منها واضحة ولا تحتاج الى عناء في تشخيصها ولا تحتاج الوقوف عندها طويلا.

لا نستطيع أن نتجاهل هذه العوامل إلا إن مزايا منطقتنا المعروفة التي تشكل عصب الحياة لحركة الاقتصاد العالمية هي الأهم والدافع الأقوى لان تكون محطة استقرار للأطماع العالمية في السيطرة عليها فلا تكاد باخرة تسير في البحار ولا طائرة في الجو إلا مرت من خلال منطقتنا أو تتحمل عناء التكلفة وطول الوقت ونحن نسيطر بنسبة كبيرة على اغلب المعادن وأكثرها حاجة في الاستخدامات اليومية ولا يمكن الاستغناء عنه على الأقل في المنظور القريب وباطن ارض المنطقة يحتوي على أعلى رصيد احتياطي نفطي في العالم وآخر برميل نفط وغاز سينتج منها والكل يعرف هذا وأهميته ولو أطلق العنان وتحررت المنطقة مما فرض عليها من قيود وتوحدت أو تقاربت وجهات نظرها على اقل تقدير كما يحصل في الاتحاد الأوربي لتسيدت العالم وأخضعته لإرادتها وقد حصل ما يشبه هذا في عدوان أكتوبر عام 1973 فكانت تجربة قاسية أذلت الغرب حين استخدم النفط كسلاح في المعركة لذلك أصبح هذا الهدف مستحيل من خلال جعلها غير مستقرة وفي حالة صراعات بينية لا تنتهي أبدا وكلما خرجت من صراع دخلت في اشد منه وإذا كانت قد خضعت بالأمس لعمليات التشظية التي شكلت دولها وفق الخريطة المعروفة فاليوم تجري محاولات أقسى لسلخها من هويتها أولا ثم تفتيتها الى أجزاء أكثر ضعفا وهزيلة لا تقوى على النهوض بنفسها من وحل الهيمنة الأجنبية التي تعتمد عليها في كل شيء كما حصل سابقا في السودان ويحصل اليوم وتحاك المخططات لتكرار نفس السيناريو في غيره فإذا كانت بلدان المنطقة التي تمتلك كل مقومات التطور بمختلف الاتجاهات إبتداءا من الأيدي العاملة وانتهاء بالخبرات القابلة على إنتاج كل احتياجاتها فإنها صارت عبارة عن مستهلك شره لكل شيء حتى لنفسه ولطاقاته البشرية وأصبحت دماء أبنائنا الغالية ارخص ما نملك ليهون من بعدها كل شيء.

إن فتح صفحات متتالية للصراعات هي الأسلوب الأمثل الذي تستخدمه الدول الكبرى الطامعة فينا وبخيراتنا وبعد أن انتهت عمليات الاحتلال المباشر انطلقت الصفحة التي سموها إغراءا لنا واستخفافا بعقولنا بالربيع العربي التي لا زالت آثارها لم تنتهي بعد في أكثر من مكان وبعد أن ولت مرحلة الانقلابات العسكرية بدأت هذا اليوم صفحة جديدة تعتمد على تحريك الشارع وزجه في صراع مع السلطات التي هي في الأصل تعمل على تنفيذ التوجيهات الاجنبية فتنحرف بالمطالب الشعبية الى ما يريدون هم ولا تنفلت التضحيات عن عقال دماء شبابنا تحت شعار الديمقراطية وحرية اختيار القيادات وهي أيضا تدور في فلك عملائهم لا أكثر.الصراعات في الشرق الأوسط

لا تعليقات

اترك رد