الفنان مقداد مسلم


 

في ثمانينات القرن الماضي كنّا مجموعة من الشباب الطموحين نجوب سينمات بغداد القليلة أمثال بابل والمنصور وغرناطة وسمير أميس ..ونشاهد أهم الأفلام لمرّات عديدة بالرغم من تكلفة البطاقة التي كانت عالية بالنسبة الى مدخولنا القليل جدا , وكذلك لا نترك عرضا مسرحيّا الاّ ونشاهده لأكثر من مرّة ,وكان طريقنا الى المركز الثقافي الفرنسي الذي يعرض الافلام الفرنسية كل أحد وأربعاء يمر على طريق منتدى المسرح الذي يعرض مسرحيات مهمّة تنتمي الى التجريب المسرحي في معظمها لأسماء لم تكن معروفة كثيرا لكنها مبدعة , وكنت اناشخصيا اراقب رئيس منتدى المسرح كما كان يطيب لي تسميته في كل حركة وابتسامة واشارة ,بل أني حاولت اقتحام غرفته البسيطة الجميلة لأكثر من مرّة لكن شجاعتي لم تساعدني وكنت افشل في كل مرّة لكني تجرّأت ذات مرّة وصافحته وهو يخرج من غرفته ,ورحّب بيكثيرا وأبتسم ابتسامة عريضة حينما قلت له :ان مشروعك المسرحي هذا هو أقرب لي أنا السينمائي الشاب وأتمنى أن يكون سينمائيا أو تكون السينما جزءا منه ..وتمتمت محرجا أمام قامة محترمة وبدأت لا أعرف ماذا أقول وهو يهز برأسه والابتسامة لم تفارق محيّاه بينما انااراقب وجهه الذي تلعب الشاربان فيه دور البطولة وتحوّل كلامي الىصمت مرتبك مما جعل مقداد مسلم يضع يده على كتفي وهو يهز رأسه ويردد (ان شاء الله ,ان شاء الله ) ثم تركني ودخل القاعة بينما هربت انا الى خارج منتدى المسرح بين منتصر ومهزوم على أمل اناعود في اليوم الثاني كي اشاهد أحد العروض المسرحيّة المهمّة ..لم احدّث اصدقائي حيدر عليوي وناصر مؤنس وتوفيق حميد وغيرهم عن ماجرى وبرّرت سبب هروبي بأنني اصبت بنوبة صداع وهو العذر الذي الجأ اليه دائما حينما اغادر قاعة عرض سينما أو مسرح بعد أن استاء من العرض لأداري خجلي أو خوفي من أن يصفني أحد أصدقائي بأن التقصير في قلّة استيعابي وليس من العرض المسرحي أو السينمائي .

الشيء الغريب اني كنت اتحدث مع مقداد مسلم بالفصحى لأني لم أتخيّل لحظة واحدة بأنه يتحدث اللهجة البغدادية وأتذكر أني كنت لغويا حينها اذ لم اخطأ بعلامة أو كلمة ابدا وكنت اركّز على مخارج الحروف بطريقة تقترب من الخطابة والهتاف ..لكن صدمة كبيرة لم أفق منها الا بعد اشهر أو عام كامل حينما اكتشفت ان مقداد مسلم يجيد اللهجة العامّية أو البغدادية بل أكثر من ذلك فهو يحفظ ويكتب ويردّد ويمسرح المثال الشعبية ويحوّلها الى افعال مثيرة وكوميديا مميزة لم تضحكني في أول عرض حضرته ,بل لم أبتسم من شدّة استغرابي من هذا التحوّل العجيب الغريب اذ كيف ومتى وكم الوقت الذي استغرقه هذا الفنان كي يترك الفصحى ويتحول الى العامّية ويجمع كل هذه الامثال الشعبية ويحولها الى مسرحية شعبية لأكثر من ساعة ..الناس تضحححححححك ,وانا أتلفّت يمينا ويسارا ولم أجد شخصا واحدا يشعر بوجودي لأن الكل حينها في حالة اندماج كبير مع الممثلين الذين رقصوا على المسرح كأنهم طيورا وجدوا ضالتهم في نص عجيب غريب بالنسبة لي على الأقل لأني لم اتخيل للحظة واحدة ان يبنى نص كاملا من امثال شعبية لم أكن اطيقها واهاجم كل من يقولها أو يرددها بل أترك مواصلة الحديث مع أي شخص يردف كلامه بمثل شعبي لكن مقدادا كان شعبيّا الى درجة اني أكملت عرض مسرحية (الخيط والعصفور ) ولم اغادر القاعة وهي المرّة الأولى التي أكمل فيها عرضا مسرحيا لم استسيغه ابدا ,بل لم اشارك الضاحكين بضحكة ولم اشارك المبتسمين بابتسامة وكنت استهجن الضحك الذي لم ينقطع ابدا طوال العرض ,وحينما انتهى العرض ووقف الجميع ليصفّق للمخرج وللممثلين الذين اتذكر منهم حسين علي هارف وخليل الرفاعي وامل طه وقحطان زغير وعزيز كريم وو..الخ ,أنا لم أقف ,ولم اصفّق ,ولم ينتبه لي أحد ابدا لأن الكل كان مشغولا بالتصفيق والصفير والترحيب أما أنا فتركت القاعة وأنا العن الساعة التي دخلت بها القاعة بعد ان دفعت مبلغا كبيرا بالنسبة لي حتى اشاهد المسرحية ,وعدت ادراجي سيرا الى القسم الداخلي الذي كنت اسكنه في الوزيرية وسط بغداد العاصمة الجميلة ..في الطريق حاولت ان اراجعماشاهدته وأعيد تجميع الاحداث من جديد وهل يمكنني ان اعيد كتابة هذه المسرحية التي لم تقنعني ابدا بأنها مسرحيّة ,هل يمكنني اناعيد كتابتها فيلما سينمائيا؟ وقبل ان أجد جوابا لهذا السؤال السخيف وجدت نفسي وأنا أمام باب القسم الداخلي فأجّلت الجواب على هذا السؤال وحاولت ان انام قليلا ,يومها عشت عالما من الاحلامالمرعبة مالم اجد له مثلا في اعظم افلام الرعب وتحوّل قحطان زغيّروهو يهزّ رأسه هزّا عنيفا ويرقص في حفلة عرس شعبي ويتبين حينها بأنه فرحا لأنه الخياط الذي خيّط بدلة العرس او ماشابه ذلك وهي حكاية من احد الامثال الشعبية التي بنيت منها المسرحية ,تحوّل رأس قحطان الى مركزا لأفاعي عجيبة غريبة وتحولت امل طه الى جنّية قاتلة ومحمد حسين عبد الرحيم تحوّل الى شخص لا يهمه الاّ أن يلتهم البشر,اكل لحوم البشر, وخليل الرفاعي تحوّل عندي الى وحش كاسر وحسين علي هارف الى ذئب يرتدي البدلة السوداء متخفيا وجسده عبارة عن شبكة من السكاكين المرعبة بأسنانها المتحركة ,لم ينتهي هذا الكابوس الى ان استيقضت فجرا وأنا العن الساعة التي دخلت فيها لأشاهد الخيط والعصفور الذي لم اشاهد فيه عصفورا واحدا كما انيلم اجد الخيط بل وجدت حبلا ربطني الى الكرسي اللعين الذي لم اغادره رغم محاولاتي العديدة لفك الاشتباك الحاصل بين جسدي والكرسي ..دخلت الحمّام ووصلت الى قرار صعب جدا وما أصعب القرارات التي تأتي في الحمّامات خاصة اذا كانت حارّة وصغيرة الحجم ولم يمرّ عليها المنظّف لأسابيع ,وصلت الى قرار بأني يجب اناعيد الكرّة وأشاهد المسرحيّة مرّة اخرى ,يومها لم أذهب لمحاضراتي في أكاديمية الفنون الجميلة وقرّرت ان اكمل فيلم الرعب ونمت نوما طويلا لم استيقظ منه الاّ بعد الرابعة عصرا , لم يعاودني فيلم الرعب بل اني نمت هادئا وكأني ملكا متوّجا ,لبست اجمل ماعندي وسرقت قميصا من صديقي حيدرعليوي وخرجت وحيدا , جلست امام باب المسرح الوطني الى ان سمح لي بالدخول وأظنني كنت أول الداخلين , جلست في الخطوط الأماميّة وبدأ العرض وبدأت انا في رحلة جمالية معرفية بغداديّة شعبية استمرت من تلك اللحظة الى هذه اللحظة وعشت متعة تعادل أضعاف الرعب الذي عشته في العرض الأول ,يومها صفّقت تصفيقا وضحكت ضحكا ووقفت على اطراف اصابعيلكي يشاهدني مقداد أو احد ممثليه ,يومها تعلمت الصفير الذي لم أكن أجيده ابدا ثم نسيته بعد ان توقف العرض الذي استمر لفترة طويلة جدا .

باحث كان مقداد مسلم ومفكّر حضاري ومفسّر درامي استقى شكلا كلاسيكيا جديدا وجريئا بشجاعة قلّ مثيلها في عراق كان مسرحه مزدهرا ومتفوقا عربيا بفضل اسماء كبيرة امثال قاسم محمد وسامي عبد الحميد وبدري حسون فريد وخليل شوقي وابراهيم جلال وعوني كرومي وصلاح القصب وغيرهم الكثير من الاسماء الكبيرة اذ صنع مقداد مجدا مسرحيا فاستغل المفردة الشعبية التي اكسبها قوّة حضور تأريخي زمانيّا ومكانيّا ثم وضعها ضمن اطار مفتوح على الجميع وأشرك فيه الجمهور بطريقة تختلف عن طريقة واسلوببريشت لأنه اعتمد على اشراك المشاهد من خلال الكتابة (كتابة النص) وجعله حاضرا بقوّة , ولم يكن بحاجة الى كسر الجدار الرابع اذ انه قام بكسره لحظة التفكير بالخيط الرابط مابين المشاهد وكل موجودات العرض ثم ترك العصفور يمر امام كل مشاهد ويدعوه للمشاركة واستحضار الحاضر من الماضي وطرحه في خلطة انتمت له اولا ثم للمشاهدين اولا ايضا ووللممثلين اولا ايضا لأنهم انتموا لمقدادالكاتب والمخرج حتى انني شعرت للحظة بأن مقدادا تعب كثيرا مع كل ممثل من ممثليه ليقوده مثلما يريد هو لا مثلما يريد الممثل .

استمر مقداد مسلم على الغور في هذا الشكل المقترح من خلال مسرحيات عديدة اخرى منها (لا صايره ولادايره ,حال الدنيا ,الناس اجناس,اشاعة ) غيرها وايقنت حينها ان مقداد كان تجريبيا في عروضه الشعبية اكثر من عروضه الفصحى ,وانه فارسا من فرسان العرض المسرحي الشعبي الأنيق الذي لايغادر منطقة الاحترام , بل انه كثيرا ماكان وثائقيا من خلال انتمائه الى واقعية الحدث وتقرّبه الكبير من هذا الواقع وتفسيره, والأيغال بجمالياته القريبة من القلب والبعيدة عن الافعال التي تسيء الى الانسانية الشفّافة .

مقدام مسلم استلم (نادي المسرح ) فحوّله الى (منتدى المسرح) برحلة جمالية مميزة استمرت من 1983-1991 مستكملا مشوارا بدأه هاني هاني ووجدي العاني وعدنان شلاش ثم سار به وأعلن عن كثير من الاسماء المسرحية المهمة مثل الفنان عبد الجبار الشرقاوي الذي حصل على جائزة افضل ممثل عن مسرحية (المهندس والامبراطور ) والتي حصل عنها مقداد مسلم على جائزة افضل اخراج ,وايضا تعرّف جمهور المسرح على اسماء مهمة مثل طلال هادي وحيدر منعثر واحمد حسن موسى وفلاح شاكر وكاميران رؤوف وانعام البطاط وغيرهم .

غادر مقداد العراق بعد ان كثرت الاعتراضات الأمنية على مسرحيّته الاخيرة في العراق (اشاعة ) ووصل الى الاردن وقدّم في جامعة اليرموك اكثر من خمسة عشر عرضا مسرحيا أهمها مسرحيات (اهلاسيد شكسبير ,اوديب ملكا ,عقلاء ومجانين ),ومن المحطات المهمّة له تدريسه الاخراج المسرحي في تونس التي طبعت له كتاب (زوايا المسرح ) وهو عبارة عن 16 دراسة عن فنون المسرح ),وفي عام 1997وفي مهرجان تونس عاصمة الثقافة قدّم في تونس تجربة صوتية مهمة برفقة طلبته لمرافقة 11 لوحا رسمها (منصور البكري ) وهي تجربة صوتية اعتمدت على الالقاء وتغيير الطبقات الصوتية للكشف عن شخصيات متعددة والكشف عن الشكل من خلال الصوت, كما كتب هناك الكثير من المسلسلات الاذاعية مثل (المبشرون المنذرون ) ,ومثل للاذاعة وكتب فيلما سينمائيا باللهجة التونسية وكثير من الافلامالوثائقية ولم تكن رحلة تونس مجرّد رحلة عمل بل خرج منها مقدادمسلم بعد ان سجّلت قاعة مسرحية كبيرة باسمه الكبير, درّس مقدادايضا الالقاء المسرحي وعيوب الصوت الثمانية .

ولد مقداد مسلم في 23 سبتمبر عام 1953 – بابل وبدأ خطواته المسرحيّة في مدينة الكاظمية برحلة بدأت عام 1970 ,يعتز كثيرا بمهاجمة وترحيب المسرحيين الكبار له منهم يوسف العاني الذي كتب مقالا في جريدة العراق بعد مهاجمته السابقة :تحية حب لمقداد مسلم ,وايضا بعتز كثيرا بقول (احمد فياض المفرجي :المسرح العراقي قبل مقداد مسلم وبعد مقداد مسلم ,ومازال مقداد يحلم بانتاج الجزء الجديد من معالجاته للامثال ويعدنا بوجبة جمالية جديدة ..شكرا

3 تعليقات

  1. الاستاذ الدكتور المحاضر مقداد مسلم ، درسني بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح بالكاف ، تونس . من اروع الاساتذة الذين شهدتهم في حياتي

  2. من الجميل والرائع وقمه الإبداع ان تتكلم قامه سينمائيه كالدكتور سالم شدهان.. بهذا الأسلوب المشوق الرائع عن قامه مسرحية كمقداد مسلم.. هكذا هم مثقفو العراق ينابيع إبداع كفراته ودجلته… ينهل بعضهم من بعض ويؤثر بعضهم في بعض… ادامكم الله مبدعين ووفقكم الله لاعادة الثقافه العراقيه على مسارها الصحيح…

  3. مقداد مسلم..
    علامة مضيئة اتضح من خلاله مسرحا عراقيا بلون جديد من خلال مسرحياته الخيط والعصفور وغيرها التي مازال اهل الفن والذوق يتذكرونها ويبتسمون ، كانت فترة جميلة زرع بها هذا الفنان الشامل زرع بذار ابداعاته فأينعت طيبة ومع هذا التاريخ الطويل الحافل بالنجاح الذي يشهد له القريب والبعيد ندعو لهذا الفنان الكبير بالخير ودوام النجاح وندعوه الى العودة الى مسرح عراقي حقيقي رغم حالة التدني التي تشهدها الساحة الثقافية عموما والفن خصوصا.. اخيرا اقول لمثل مقداد تبنى المسارح..

اترك رد