سماء جديدة وأرض جديدة

 

“خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبديّة، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي” ( يو 10: 27، 28).
يمكن اعتبار هذه الآية في إنجيل يوحنا اختصاراً للفصل الواحد والعشرين من سفر الرّؤيا الّذي يشكّل ذروة الكتاب، ويكشف لنا ما لم تبصره عين وما لم تسمع به أذن وما لم يدركه فكر. في هذا الفصل تتجلّى لنا الحياة الأبديّة، السّماء الجديدة والأرض الجديدة الّتي وعد بها الرّبّ كلّ من آمن بكلمته الحيّة وعمل بها. كما أنّنا نجد في هذا الفصل وتحديداً من الآية الأولى إلى الآية الثّامنة تحقيقاً لوعود الرّبّ كلّها، كما يركّز على أورشليم السّماويّة المزيّنة لله من كلّ شعوب الأرض، فيبيّن أنّ الخلق كلّه، لا شعب الله فقط، سيدخل في سلام مع الله، في حياته الأبديّة.
– عالم جديد:
“ثمّ رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة، لأنّ السّماء الأولى والأرض الأولى مضتا، والبحر لا يوجد في ما بعد. وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدّسة أورشليم الجديدة نازلة من السّماء من عند الله مهيأة كعروس مزينة لرجلها”. ( رؤ 2،1:21).
إنّه ظهور لعالم جديد، وامّحاء عالم قديم، ولا يحدّد الكاتب كيف سيزول هذا العالم، ولا يعني بالزّوال نهاية ثمّ بدء، وإنّما تحوّل العالم القديم إلى عالم جديد، ذلك لأنّ العالم الجديد بدأ المؤمن يعيشه منذ اللّحظة الّتي قبل بها كلمة الرّبّ وآمن بها. “من آمن بي وإن مات فسيحيا، وكلّ من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد.” (يو 26، 25: 11). منذ الآن يحيا المؤمن حياته الأبديّة بيسوع المسيح، فالعالم القديم بالنّسبة له زال لأنّ عالمه الجديد هو في المسيح. ولكنّ الصّورة هنا تصبو إلى القيامة، والعيش مع الرّبّ وجهاً لوجه. وهنا كلّ ما يتعلّق بالعالم القديم تحوّل إلى جديد، وانذثر الموت الّذي يُرمزُ إليه بالبحر، وأورشليم الجديدة، المدينة المقدّسة الّتي يشتهي كلّ مؤمن أن يسكنها، لأنّها سكنى الرّبّ. أورشليم الجديدة هي قلب الله حيث سيسكن الإنسان أبداً معايناً الرّبّ وجهاً لوجه. إنّها الدّهر الجديد، ملكوت الله.
– تحقيق الوعود والدّخول في سلام مع الله:
“وسمعت صوتاً عظيماً من السًماء قائلاً: هو ذا مسكن الله مع النّاس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعباً، والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم. وسيمسح الله كلّ دمعة من عيونهم، والموت لا يكون في ما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد، لأنّ الأمور الأولى قد مضت. وقال الجالس على العرش: ها أنا أصنع كلّ شيء جديداً. وقال لي: اكتب: فإنّ هذه الأقوال صادقة وأمينة”. (رؤ: 5،4،3:21).
إنّ المسيحيّة ليست فكرة مبنيّة على عبادة الله والتزام بتعاليم إلهيّة وحسب، وإنّما هي علاقة حبّ بين الله والإنسان تصبو إلى العيش مع الحبيب الأوحد أبداً. هذه العلاقة تبدأ في هذا العالم بالارتباط بيسوع المسيح وبناء علاقة حميمة معه، عندها تصبح حياتنا الأرضيّة مسيرة حجّ نحو ملكوت الله، أورشليم الجديدة، حيث نسكن مع الله شخصيّاً وإلى الأبد. والمسيحيّة هي تحقيق صورة الله في الإنسان حتّى يبلغ إنسانيّته الكاملة ثمّ الارتفاع إلى حضن الآب السّماوي كاملاً بدون عيب كما اختاره الرّب من قبل إنشاء العالم. ما يفسّر أنّ القيمة الإنسانيّة لا تندثر أبداً ولا تمّحي؛ إنّها صورة الله وجماله، وذلك هو الرّجاء العظيم. وهذا المسكن هو مع كلّ النّاس وليس مع شعب الله فقط، لأنّ الشّعوب كلّها ستجتمع تحت ستر جناحي الرّبّ، “الّذي يريد أنّ جميع النّاس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يقبلون” (1 تيموتاوس 4:2). وهذا يعني أنّ الرّبّ حاضر أبداً بكلمته الحيّة وبعمله الخلاصيّ ليدلّ كلّ إنسان عليه. وكلّ شعوب الأرض لا بدّ أن تبصر المسيح. والرّبّ يحترم حرّيّة الإنسان ولا يفرض نفسه على أحد، لأنّه يريد أن يقبل الإنسان إليه بحرّيّة تامّة وحبّ خالص.
العيش في أورشليم الجديدة هو العيش في سلام أبديّ مع الله، حيث ينتفي الألم والوجع والعوز والحزن. حيث العزاء الّذي وعد به الرّبّ، والفرح الأبديّ الّذي سيكون نتيجة لثبات المؤمن في كلّ ظروف حياته. إذا كانت الحياة مع الرّبّ ونحن بعدُ في العالم تدخلنا في سلام معه، فكيف عندما نلقاه وجهاً لوجه؟
سيصنع الرّبّ كلّ شيء جديداً، وستنكشف أمامنا قيمتنا في عينيه أكثر فأكثر، بل سنعاين حقيقةً كلّ ما عشناه بالمسيح. “فإنّنا ننظر الآن في مرآة، في لغز، لكن حينئذ وجهاّ لوجه. الآن نعرف بعض المعرفة، لكن حينئذ ستكون معرفتنا لله كاملة كما هي معرفة الله لنا” (1 كور 12: 13).
– المسيح الحقيقة:
“ثمّ قال لي: قد تمّ أنا هو الألف والياء، البداية والنّهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناّ. من يغلب يرث كلّ شيء، وأكون له إلهاّ وهو يكون لي ابناّ. وأما الخائفون وغير المؤمنين والرّجسون والقاتلون والزّناة والسّحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة، فنصيبهم في البحيرة المتّقدة بنار وكبريت، الّذي هو الموت الثّاني.” (رؤ: 8،7،6:21).
الحقيقة نور لا يمكن حجبه أو إنكار وجوده. قد يمكن للإنسان أن يبتعد عنه ويرفضه لكن أن ينكر وجوده فهذه قمّة الجهالة. والمسيح نور ساطع في التّاريخ، جاء إلى العالم لينتشله من ظلمته. به يبدأ كلّ شيء وبه ينتهي كلّ شيء. وتعبير (أنا الألف والياء) ينبّه إلى أنّ بالمسيح يُفهم كلّ شيء، وتُدرك كلّ لغة. من آمن بالمسيح، نال تلقائيّاً أجوبة على كلّ تساؤلاته، بل أكثر من ذلك، عرف نفسه وحقيقته وسرّ وجوده وغايته…
لقد منحنا الرّب الخلاص مجّاناً ودون استحقاق منّا، وها هو الآن يمنحنا ينبوع الحياة مجّاناً كاستحقاق لنا على جهادنا ومحبّتنا اللّامتناهية له واتّحادنا به. وأمّا من اختاروا الظّلمة، فلقد اختاروا الموت الثّاني والعيش خارجاً عن الله وعن السّلام معه. ويسمّي الرّبّ الخائفين وغير المؤمنين والرّجسين والقاتلين والزّناة والسّحرة وعبدة الأوثان، ثمّ جميع الكذبة، لأنّ الكذب أصل كلّ الشّرور. فالكاذب هو من يسرق الحقيقة ويخفيها عن نفسه وعن الآخرين. والكاذب هو من خاف من الحقيقة لأنّها بنورها تكشف ظلمته، فيهرب من وجه الله ويسلك طريق الموت وهو بعد في العالم. وهذا الطريق لا بدّ أن يقوده إلى الموت الثّاني. والموت الثّاني هو الانفصال الكلّيّ عن الحياة مع الله، ولعلّ ذلك يكون أسوأ من الموت. إنّها النهاية الحتميّة حيث لا عودة ولا رجوع، والدّخول في ظلمة اختارها كلّ من رفض النّور.
يخبّئ لنا هذا الفصل من سفر الرّؤيا بين سطوره دعوة إلى التّوبة، وإلى الانفتاح أكثر فأكثر على محبّة الله. كما يدعونا إلى تقييم أعمالنا باستمرار حتّى إذا ما أتت السّاعة وأقبل الحبيب نكون حاضرين بمصابيحنا كي ندخل معه إلى الفرح العظيم. ومهما طال الانتظار يبقى الوقت قريباً جدّاً؛ لأنّ الحياة مهما طالت أيّامها تبقى قصيرة جدّاً لإدراك حبّ الله المطلق. كذا يقول القدّيس أفرام السّرياني: “اطلب التّوبة قبل أن يطلبك الموت فإنّ بعد الموت، ليست هناك توبة”.

لا تعليقات

اترك رد