شماعة إبليس

 

نحن في زمن كل ما فيه يتهاوى وينحدر نحو الهاوية: الأقلام والكلام، المشهد والإعلام، السياسي ينكب على ملكه منهمكاً بحساب الأرقام والشيخ الجليل يراوغ بالفتوى وإمام الجامع يحتاج لإمام. والحشود الكبيرة تشققت أكفها وانجرحت حناجرها لكثرة ما صفقت وهتفت لمواكب الحكام، والدراويش باتت تتثاءب بكسل تنتظر الليل لتنام كي تنال على حصتها من الحياة في الأحلام.

النسوة يقفن في طوابير طويلة ينتظرن أن يحصلن على موعد للشفط والتضخيم، والرجال يصطفون أرتالاً على أرصفة الفراغ ينتظرون نتائج الغواية. وجموع الشباب المهجن والمدبلج يعانون من نوبة هوس يتعابعون المسلسلات التي تحظى بنسبة مشاهدة عالية، يلهثون خلف عجلة الموضة التي تتوقف عن الدوران يشعرون بحيرة ويترقبون بأعصاب محترقة أسهم البورصة الدعائية على ماذا ستستقر أعلى الذقن الكثيفة أم على الذقن الخفيفة؟

الصبايا خاويات العقول والمكتنزة شفاهن بالمواد البلاستيكية يدخلن في جدل ساخن ورهانات سخية حول الممثلة الفلانية ما إذا كانت عملية التجميل رقم 100 ناجحة لهذا العام أم الفلانية الأخرى وفقت في نفخ أردافها بشكل مثير وتستحق منهن المغامرة في تقليدها واستنساخ شكلها ليحجزن موعداً مسبقاً كل واحدة تحلم في أن تكون السباقة بالاستنساخ قبل رفيقتها وكذلك الجدل السري حول العلاقة الغرامية ما إذا كانت قابلة للتقليد.

نساء هذا الزمن شقيات جداً على عكس نساء ما قبل ثورة التجميل والحقن الدائم هنَّ لا يعرفن النوم الهانئ دائمات القلق والتوتر خشية من أن تصحو إحداهن وقد بطل مفعول السيلكون واعصابهن التي لا تهدأ خوفاً من التجاعيد وعدم الاقبال الذكوري الكبير عليهن في الانستغرام والفيسبوك وكذلك على أرض الواقع؛ نساء يعشن رهاب المواجهة والمقابلة المباشرة ممن تعرفن على العالم الافتراضي بعد أن أدمن وتعودن على التستر خلف شبابيك الفلترة والفوتوشوب ومضاجعة الوهم والخداع النفسي.

وثمة جمهور آخر لديه اقتراحات مثيرة للجدل ومبتكرة تستحق الدراسة والاهتمام من قبل المسؤولين حيث أنهم يقترحون إدراج أسماء أطباء التجميل ضمن فريق العمل كالمخرج والكاتب والممثل وهذا لعدم إضاعة حقوقهم في نجاج المسلسلات فالجهد الكبير الذي يبذله طبيب التجميل في نفخ الشفاه والنهود والأرداف وإظهار عنصر الغواية والإثارة أعظم بكثير من قيمة النص والإخراج؛ فبدون الإثارة لن يحقق المسلسل أي رواج أو نجاح وإني أرى أنه اقتراح منطقي ومنصف لأولئك الذين يعملون وراء الكواكيس في صناعة الاستنساخ وتحريك الغرائز الذكورية والأنثوية على قدم المساواة.

وكذلك الدعاة القدامى والمشايخ الذين كان لهم الدور البارز في حث الدراويش على الجهاد ضد الطغاة الكفرى الفجرة وكذلك الذين ابتكروا الأساليب الجديدة للنكاح مثل نكاح الجهاد وتقديم المجاهدات أجسادهن في سبيل الله لإمتاع المجاهدين والترويح عنهم من عناء المعارك التي يخوضونها من أجل احتلال الجنة والوصول إلى الفردوس الأعلى وسبي الحوريات كجزاء وثواب. نراهم اليوم يتراجعون ويتبرأون عن كل الفتاوى القديمة التي سبق لهم وأطلقوها وخربوا بها عقول المساكين والبؤساء.

اليوم يعتذرون ويذرفون الدموع الرقاقه بقلوب حزينة خاشعة ومنكسرة ويطالبون الدراويش الامتثال للخضوع المطلق لولي الأمر حتى وإن كان الولي فاسقاً ويفسرون هذا الخضوع بأنه فرض على كل درويش غبي فقد يكون هذا الفسق والفجور الذي يرتكبهما ولي الأمر الخير والصلاح للأمة فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لهم وعسى أن يحبوا شيئاً وهو شر لهم. وحقيقة هذا الانحراف المفاجئ تكمن ما بين سطور تلك الآية ” زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ” فكل شيخ وداعية قال وما شأني إن تحررت العقول أو بقيت في جهل وغباء بل كلما كانت العقول في جهل زادت القناطير المقنطرة وملكت أيمانهم المتعة والرخاء.

بالأمس القريب كان خطباء المساجد والدعاة يطالبون الناس بالترنيمة الأزلية ” أللهم عليك باليهود والنصارى ومن والهم. اللهم عليك باليهود والنصارى وارينا فيهم عجائب قدرتك واجعل نصرنا عليهم عبرة وآية. اليوم حذفت تلك الترنيمة واستبدلت بالدعاء لإسرائيل والتعايش الإنساني والتسامح فلم تعد إسرائيل هي العدو بل صديقة تغفو على حجر الملوك والحكام يمسدون على فروها لتنعم بالرغد والنعيم. هم كانوا يخدعون الدراويش ويعلقون معاطف هزائمهم وانكساراتهم على شماعة اسرائيل واليوم سحبت اسرائيل تلك الشماعة وقالت: يكفي أيها العرب وأن تعلقون ثياب جهلكم وتأخركم وتناحركم على شماعتي وابحثوا لكم عن شماعة تعلقون عليها معاطف غباءكم المهترئة.

مذ خلق المواطن العربي وهو يسمع عن القمم العربية التي تعقد هنا وهناك والديباجة الكلامية التي تتلى في ختام كل قمة وهي التنديد والإدانة ومن ثم تعود كل دولة إلى ما كانت عليه وما عودت شعبها عليه؛ إما التخدير بفكرة عداوتها مع اسرائيل وإما بتحرير الأقصى من دنس اليهود وإما في تهريب الثروات وبيع خيراتها للدول العظمى وفسح الطريق للدول الاستعمارية في توسيع قواعدها العسكرية على أرضها ولا شيء يتغير ولا شيء يتبدل سوى زيادة البؤس والشقاء؛ فلم يسبق للمواطن العربي ولو في الأحلام أن شهد حالة نصر واحدة أو تقدم في العلوم العربية أو الفكر العربي أو تحسين العلاقة ما بين الدولة والمواطن.

قمة تلو قمة وأزمة تلو أزمة وحرب تلو حرب وتهجير ولجوء وجوع وبطش وظلم وهكذا هي الأمور والقمم تدور في حلقة مفرغة وخالية من كل نتيجة وأمل.

ألف قمة عُقدت وفي آخر المطاف أمست الجولان إسرائيلية. مليار قمة وبليار تنديد وإدانة وأخيرا توج العرب بصفقة القرن وثمارها القدس عاصمة لإسرائيل. قمم كثيرة وطائرات خاصة وأجنحة ملكية للقادة والزعماء والخدم والحشم والحرس الخاص وملايين الدولارات تهدر تكاليف الإقامة والأطعمة المتنوعة والمستوردة وفي أخر كل جلسة تؤول تلك الأطعمة إلى حاويات القمامة من حظ القطط والكلاب التي تعيش في منطقة الفنادق الملكية.

ماذا لو:
أن تلك المصاريف الباهظة التي يتم انفاقها على القمم العربية تذهب إلى مخيمات اللاجئين ليس من أجل اطعامهم بل من أجل حل مشكلة اللجوء من جذورها؛ حينها لن يكون اللاجئ إلى عقد قمة.

ماذا لو:
أن تكاليف القمة أصبحت من أجل إعمار غزة وما تهدم في سورية واليمن وما آلت إليه أحوالهم من جوع وأمراض ومداوة العراق من أوجاع الطائفية والتشققات التي صدعت حيطان القلوب جراء الحروب والصراعات؟

ماذا لو:
خصصت مصاريف القمم إلى إعادة تأهيل المصابين بالعقد النفسية وآثار الحروب والنزوح لتبني لهم مراكز صحية تعنى بعلاجهم النفسي من الأحقاد والكراهية جراء ضياع أوطانهم؟

إبليس يقف اليوم مصفداً بالأغلال لا حول له ولا قوة يقف وسط الزحام بعصبية ينادي:

إني بريء مما تدعون ومما تصفون؛ فارفعوا أكداس خيبتكم وقمصان تناقضاتكم عن مشجبي وعلقوها على مشاجبكم. لمرة واحدة أيها العرب كونوا شجعان واخلعوا عن وجوهكم قناع الجبن والنكران واعترفوا بخطاياكم، اعترفوا بعجزكم وبفراغ عقولكم قولوا بصوت جهور أنكم لا تملكون إلا الخواء والغباء والهواء الملوث بدخان حروبكم في ما بينكم وبأنكم على مر العصور تعلقون هزائكم ونكساتكم على شماعتي. ترجمونني كل عام وتلعونني في الصحو والمنام وعلى ألسنة مشايخكم وتتنكرون من ضعف نفوسكم أما الغواية وقلة حيلتكم وتلصقونها بظهري وأنا الذي ما عاد لي عليكم سلطان؛ حتى الغواية اخترعتم لها ألف شكل وألف لون واليوم أقف كالمخبول أمام ابتكارتكم لأشكال الغواية. اعترف أني قد هزمت أنا وكل جندي أمامكم لكنكم والله قد خسرتم أنفسكم ومبادؤكم وأعطيتم للريح الغابرة خلايا عقولكم وإيمانكم مجاناً مقابل كمشة من المتع واحتللتم أرض الفراغ ونلتم أعظم الجوائز في السطحية والسخافة ولا أحد على وجه الأرض ينافسكم على تلك المكانة ولا تجرؤ أمة من الأمم أن تكسب صفقة واحدة في الجهل الذي تتصدرون العالم به وتصدرونه مرات ومرات إلى أنفسكم فلا توجد أمة غيركم تقدر أن تشتري سلعة جهلكم.

المقال السابقسماء جديدة وأرض جديدة
المقال التالىاَلْأَحِبَّةُ الْأَعْيَادُ
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد