تاريخ الصراع العالمي والتغيرات الجيوسياسية – ج6

 

روسيا – بنت الغابة

روسيا هي بنت الغابة التي خرجت منها لتبني أعظم قوة برية لا تفوقها إلا قوة جنكيزخان البرية , بدأت روسيا من الغابات وعلى الأنهار بدأت تتكون كانت غارات الاستبس من الجنوب والغزاة النورس (الروس او الفارانجيين او رجال الزوارق الذين استقروا في التجارة بعد أن كانت حياتهم تعتمد علي السلب و النهب ) لاتنقطع عنها فكانت دائما ما تحتمي بالغابات .

في القرن التاسع بدأت تنشأ عدة إمارات صغيرة في وسط الغابات وعلى الاستبس , فكانت كييف أول المدن و ام المدن جميعا , وظهرت بعدها عدة مدن تجارية أخرى أهمها ” نوفغورود ” .

ولكن ” كييف ” سقطت في القرن الثالث عشر على يد جنكيز خان لوجودها علي تخوم الاستبس , ونجت ” نوفغورود ” بفضل توغلها في الغابة , واستمر حكم المغول لأراضي كبيرة لروسيا حوالي 250 عام , ومع سقوط ” كييف ” ظهرت إمارة موسكو ( موسكفا ) مابين النهرين بين نهر الفولجا ونهر الاوكا لتسيطر وتسود علي باقي الامارات الاخرى وخلال القرن الخامس عشر سيطرت إمارة موسكو على باقي الامارات بعد ان استشعرت خطر هجمات الاستبس واستطاع ايفان الاكبر ان يوسع رقعة السيطرة المسكوفية من البلطيق إلى الأورال وبدأت معه حركة بشرية عارمة.

وكانت روسيا تتبع مسار الأنهار في تكوينها أو كما قيل أن تاريخ روسيا السياسي هو نهري أساسا وفي أواخر القرن السابع عشر اكتملت وحدة روسيا على يد بطرس الأكبر وضمت كل الكتلة السلافية في الشمال والولايات الرعوية في الجنوب من خزر و مغول وتتار وبلغار في إدارة مركزية موحدة .

فكما كان اختراع البارود نقطة تحول في نمط الصراعات والحروب استطاع ولأول مرة تتفوق الغابة على الاستبس ,وتفرض سيطرتها عليه وتخضعه لها فتفوقت قوة الغابة على قوة الفرسان او كما قيل تغلب الدب علي الحصان .

وانتهى دور الاستبس الى الابد بعد ان ترك بصمته بعمق على شخصية وكيان وتاريخ روسيا الذي صار على نهج الاستبس الهمجي من سلب ونهب وقتل وتخريب فكانت روسيا القيصرية دولة استبداد واتبع نظام شمولي – الرفاق الجدد هم القياصرة الجدد – أي أن الحكم الروسي يرجع اصله الى حكم التتار

التوسع القيصري الروسي

لقد تزامن التوسع الروسي مع توسع غرب أوروبا في العالم الجديد في تزامن غريب وعجيب !!علي الجانب المقابل

وبدأ التوسع الروسي شرقا في توسع استكشافي وادي به إلى خانات او خانية سيبيريا التي تسيطر عليها القبائل الذهبية التتارية بحملة لفرسان القوزاق بقيادة المغامر( يرمك) الذين كانوا يصاحبون القوافل التجارية كحراس وعصابات نهب احيانا وفي عام 1580 عبر (يرمك) الأورال واستولى على مدينة سيبير وأصبحت سيبيريا هي العالم الجديد وجبهة الريادة لروسيا واتبعت روسيا مسار النهر في توسعها سواء في روسيا الاوربية او في سيبيريا ايضا وهو نفس المسار الذي اتبعته سكك حديد سيبيريا التي أصبحت شريان الحياة لروسيا فيما بعد .

وشرع الروس في انشاء مدن محصنه علي ملاقي الأنهار فكانت مدينة تومسك في عام 1604 ( تقابل مدينة جيمستاون في أمريكا 1607 ) ومدينة كوتسك 1632 ( تقابل هارتفورد 1638 ) لنكون قطعنا 2500 ميل في نصف قرن.

وعندما وصل الروس عند بيكال اتخذوا طريقان للتوسع , الأولى نحو الهادي وبحر أوخوتسك وكان اكتشاف ألاسكا في ا 1741 وهي الطريق الخلفي الذي يؤدي الى مواجهة أمريكا الشمالية وفي عام 1812 وصلوا علي بعد 40 ميلا عن سان فرانسيسكو لتجد نفسها وجها لوجه مع اسبانيا بعد ان خرجا كلا منهما من طرفي القارة في رحلة عكسية حول العالم

وهنا كانت أول مرة تخرج روسيا من اليابسة الى البحر ووصلت الى مدى بعيد عنها يصل إلى ثلث محيط الكرة الأرضية مما جعلها تعود إلى أوراسيتها وباعت ألا سكا الى الولايات المتحدة الامريكية في 1867 في صفقة اعتقد ان روسيا تندم عليها إلى اليوم , وكأنما أصبح قانونا ان لاتملك روسيا اراضي عبر البحار كما أصبح كذلك قانونا امتلاك بريطانيا للأراضي عبر البحار

وتوسعت الشعبة الأخرى شرقا انحرفت مع التضاريس نحو الجنوب الشرقي لهضبة فيتيم عند خط تقسيم المياه وبعدها وصلوا الى فلاديفوستوك ( أكبر مدينة وميناء في الشرق الأقصى الروسي وعاصمة إقليم بريموريه،أسست عام 1860 على شبه جزيرة مورافييف – امورسك على سواحل بحر اليابان ) وبورت آرثر وهذه الشعبة التي انتهت بروسيا على ابواب اليابان و الصين ومنشوريا التي زاد التعمير في شمال منشوريا مع دخول السكك الحديدية دون أن يصطدم باعداد المزارعين الصينيين العارم في منشوريا مما أدى إلى بداية صداقة روسية صينية تطورت فيما بعد لتشكل تقارب سياسي كبير بينهما

ومع اليابان التي تشبه بريطانيا في نشأتها البحرية بفضل موقعها الجغرافي كمجموعة جزر كبيرة حوالي 300 جزيرة في أقصى شرقي العالم المأهول آنذاك , وامتلكت قوة بحرية ممتازة تعتمد على الخفة والمهارة وكانت الإمبراطورية اليابانية أرض الشمس بدأت في التطلع إلى التوسع والنفوذ هي الاخري و في توسعهما التقت روسيا واليابان على الأراضي الكورية بعد أن توغلت روسيا القيصرية كثيرا ورفضت التفاوض مع اليابان بتقاسم كوريا , وبدون إعلان حرب هاجمت اليابان بورت آرثر بدأت الحرب عام 1904 وحاصرت الأسطول الروسي، وانتزعت اليابان بورت آرثر وهزموا الروس في 1905 في معركة تسوشيما و تم تحطيم كبير في الأسطول الروسي ، فمن بين 34 سفينة روسية تم إغراق 21، وأسر 7 ونزع سلاح 6 وقتل 4545 جندي روسي وأخذ 6106 أسير، أما من الطرف الياباني فقد خسرت اليابان 116 رجل و3 قوارب طوربيد .

انتهت الحرب بتوقيع معاهدة بورتسموث التي توسط فيها الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، وساعدت هذه الحرب اليابان لتصبح قوة عظمى، كما ساعدت على اندلاع الثورة الروسية وكشفت هزيمة روسيا سوء موقعها الاستراتيجي والبعد الكبير عن قلب الدولة فكانت دائما نقطة ضعفها

وهذه الهزيمة أدت بروسيا في منتصف القرن التاسع عشر أنها بدأت الاهتمام بسيبريا شريان الحياة لروسيا بعد أن كانت منفى للمجرمين

كما تبدأ البحث عن مخارج لها على المياه الأوروبية فاتجهت إلى الجنوب – القوقاز – ثم تركستان و تصل في النهاية إلى فارس التي كانت تسيطر علي هذه التخوم فكانت فارس قوة كبيرة تناطح تركيا في ذلك الوقت

وخاضت فارس حربين مع روسيا وبمساعدة القوى البحرية الفرنسية و البريطانية منعا للتوسع الروسي و لكن فارس فقدت جورجيا وأرمينيا وانتهي صراع الحدود مع انتهاء قوة فارس إلى الحدود التي ظلت إلى يومنا هذا

وخلال عقد واحد من اكتساح القوقاز كانت روسيا قد استدارت حول بحر قزوين في عام 1840 متجهه الي سهل طوران واخضعت قبائل التركمان و الاوزبك والقرغيز و الطرانية و المغولية وفي 1846 سقطت طشقند و في 1868 سقطت سمرقند وسقطت خيوه في 1873 واخيرا خوقند في 1876 وبذلك سقطت أهم المراكز التاريخية في يد روسيا

ولم يبقى الا الجنوب الأقصى من الحوض بعد ان استولت علي مرو من الفرس إلى الفاصل الجبلي , وانتهت إلى أن تكون حدود الاتحاد السوفيتي السابقة

وهذه الحدود جعلها قريبة من الهند البريطانية وهنا بدأ فصل آخر حلقة أخرى من الصراع طويلة وممتدة بين قوى البر و قوة البحر ما زال قائما إلى الآن بين بريطانيا وروسيا

يتبع ,,,,,,,,,,

لا تعليقات

اترك رد