لدي حُلم

 

هي صرخة أطلقها أحد دعاة المساواة في العالم ، تميز إحساسه القومي والعنصري بالرقي ، فحلُم أن يتساوى الجميع ، جميع الأعراق وجميع الألوان ، جميع الأديان والطوائف . حَلُم أن لا يضطهد الأبيض أخيه الأسود ولا يضطهد مُعتنِق لأي دين مُعتنِق لأي دين آخر ، وأن لا يُطالَب الناس بأن يتشابهوا لأنهم خُلقوا مختلفين ، ولم يختر أحد لونه أو قوميته ولا بيئته الإجتماعية ، فالكل سواء وبهذا دعت كل الثورات الديمقراطية ، وهكذا حلُم مارتن لوثر كنك .

ربما لم تُعان الدول العربية من مشكلة التفريق العنصري حسب اللون لكنها عانت من التفرقة القومية والدينية والطائفية ، وإدعت الأكثرية دائماً بالسيادة ، وكان هناك من يحرك الخيوط من الداخل والخارج . لقد أنتجت صرخة كنك الأولى إرتجاجاً لأمريكا بكاملها ، ثم جاءت صرخته الثانية فإنتفضت العناصر كلها وإندمجت مع بعضها وعدلت القوانين وجعلت أشد الولايات عنصرية ترضخ لمطالب أحد المنحدرين من أفريقيا .

كم منا قد أطلق هذه الصرخة لكننا أمة لم تعد تبالي لشدة الطرق على سندانها ، أوجعتنا رؤوسنا وأجسادنا حتى أصبحت أجسادنا هلامية لا تبالي لكثرة الإحباط . حينما أحرق التونسي محمد بوعزيزي نفسه ٢٠١١ هب الشعب التونسي بأكمله ، وحينما لم تتحقق كل أهداف الثورة أحرق تونسي آخر نفسه في ٢٠١٨ فلم يبال أحد لأن الشعوب قد فهمت اللعبة ثم ضجرت من الثورة والتضحيات التي لا فائدة منها .

يقول عالم الإجتماع ( كيران برنتن ) أن هناك حالة تصيب الشعوب تسمى الإنعكاس ( الثريميدوري ) حيث تيأس الشعوب وتعود كما قبل الثورة لا تبالي بالسياسة أو بالمشاركة فيها ، وتتمسك بالقومية . وتمر الشعوب بحالة تشبه اليقظة النائمة حيث يسعى الجميع للقمة العيش فقط ، وليس مهماً من يحكم من ، وعادة ما تُقبل على الحكم مرحلة من الدكتاتورية .

لو تساءلنا لماذا تستجيب الحكومات في العالم لضغط شعوبها ولا يُستجاب في منطقتنا لضغط الشعوب ، وهل عانت الشعوب أكثر من طاقتها على المعاناة ، وهل صبرت أكثر من طاقتها على الصبر ، وهل قدمت الكثير من الشهداء والدماء . أقول أن كل طائفة وقومية وكل دين قد أعطى الكثير من التضحيات ، فلا زال الأقباط يُقتلون في مصر ، والمسيحيون والصابئة والأيزيديين يُقتلون في العراق وسوريا ، ولا زال الشيعي ينظر إلى السني بحذر والعكس صحيح ، ولا زال العربي لا يطمئن إلا لأبناء قوميته ، ولا زلنا نأخذ جزء من التاريخ وندعي بأننا من صنع الحضارة العربية ، وننسى كل العلماء والأدباء الذين جاءوا من أصول غير عربية وساهموا في صنع الحضارة العربية . إننا نحلم بأن نمتلك التاريخ لكننا لا نملك التاريخ وحدنا بل صاغت التاريخ كل الأديان والقوميات في المنطقة العربية ، وحتى لا نخشى ونحذر بعضنا البعض يجب أن نعترف بأننا لا نمتلك التاريخ كما لا نمتلك الأرض وحدنا .

إن الثقافة العربية والإعلام العربي يكرس العنصرية الدينية والطائفية . قرأت ذات يوم أن أحد الدول الخليجية مثل الكويت تمنع مسرحيات أسماء أبطالها ( علي ، عائشة ) وهي بهذا تثير الطائفية ، فالشعب الواحد كنهر متدفق لا يمكن تجزأته أو تقطيعه لأن هذا سيوقف جريانه ويصبح برك آسنة وهذا ما نفعله بشعوبنا . وعلى هذا الأساس يحق لنا أن نحلم بأن نكون واحداً من أجزاء متساوية لا نُنسب البطولات لأنفسنا ، وأن نعترف بأننا صنعنا جميعاً تاريخنا وكل ما في الأرض العربية من آثار تؤكد إننا إقتسمنا التاريخ وصنعناه كما إقتسمنا الأرض والسماء والخبز ، ولا بأس أن نتناقل حلماً واحداً يجعل منا مختلفين ولكن متساوين .

لا تعليقات

اترك رد