عربة الموتى


 

الى عمار التيمومي، الروح الهائمة في الفضاء

بعث لي صديقي الذي توفي مستعجلا امس، رسالة صوتية قبل ساعات على كروب الواتس اب الذي نشترك فيه مع مجموعة اصدقاء خطف الموت بعضهم فيما ينتظر البعض الاخر اجله، ولما كنت اعاني من مشكلة سماع الاصوات، طلبت من صديق آخر في الكروب ان يستمع للرسالة وان يوجزها نصيا لي، وذكرت له السبب ، فما كان منه الا ان ارسل لي رسالة صوتية اخرى لايجاز الاولى، فاستغربت واكدت عليه ثانية فاجابني برسالة صوتية قصيرة ثانية، اضططرت حينها ان اراسل صديقا اخر في ذات الكروب وتمنيت عليه ان يوجز الرسائل برسالة نصية ففعل الرجل متكرما ولكنه ارسل لي خربشات وكلمات ينقص بعضها حروف فيما تتشابك حروف كلمات اخرى مع بعضها، ولكني فهمت منه ان الموتى للاسف لايتمكنون من استخدام لوحة مفاتيح الهاتف لان اصابعهم ملفوفة بقماش ابيض، وحين يضغطون على حرف ما، تنضغط معه حروف اخرى ولهذا كان صديقي المتوفي امس ذكيا حين ارسل رسالة صوتية وكذلك الصديق الثاني المتوفي قبله بايام، وفاض الصديق الثالث في الشرح اذ قال في رسالته: نحن الموتى نقتصد باستخدام الهاتف فالرجاء لاتراسلنا مجددا، اننا نستخدم شاشة الهاتف لاضاءة الظلمة التي تحيط بنا، ونخشى ان تهبط البطاريات فنغرق في الظلمة الى الابد، ونصحني ان كنت مهتما، بجلب كمية ما من الشموع لتساعدني حين يحين اواني على قهر الظلام الدامس الذي ساعيش فيه ما تبقى لي من أوان، ثم قال: نحن هنا لم نعد نهتم بالكلمات، لم تنفعنا حين كنا احياءا، فكيف بها ونحن الان في الظلمات، عليك ان تستمع للصراخ، هناك صراخ كثير حولك، الكثير منه عويل وبكاء وقليل منه غناء، ولكنه في الاخير الشيء الوحيد المتبقى الذي يمكنه اليوم ان يلفت الانتباه، فلا تكتب بعد بل اصرخ في الوجوه علك تحصل على انتباهة..

ذكرهذا الصديق ايضا انهم هناك لايملكون فائضا من شيء، رغم انه وحسب زعمه لم يكن يملك فائضا من شيء قبل انتقاله، مع انني كما اتذكر جيدا كان كثير الكلام عن فائض القيمة، وكان يختصر الامر بجملة قصيرة، وهي انك اذا اردت ان تدخر شيئا ما، فعليك ان تراكم فائض قيمته، وكنا نسخر من تلك الجملة كثيرا، وصديقي المتوفي امس، كان يعبث بعقله فيقول له : ايديولوجيتكم فات زمانها او انقلب قانونها، فمن اليسار الى اليمين انسحقت اجيال وتحطمت تجارب وانفطرت قلوب، وان شأت، عد للبرنزي (1) واساله عن مصير كل ما بذله كي يبقى رافعا راسه مهابا جذلا وهو يرى من يخلفه وقد امتطى ذات الجواد وعبر ذات الوهاد، اساله ايضا : كيف يمكن ان يلتقي رجل دين بعاهرة عند باب الماخور؟..

كان النقاش الحاد والضحك المتواصل يتصاعد قبل ان يركب هؤلاء الاصدقاء عربة الموتى ، ويغادرون مقهى الحوار، وكان الحوار دائرا بين ان تكون مؤدلجا او ان تكون واقعيا، يرى صاحب البرنزي ان الواقعية مقياس للحقيقة، وصورة معكوسة عن مرايا نظيفة، تظهر فيها عيوبك كلها، ومفاتن جمالك وتقاسيم وجهك ، كما انها تتيح لك النظر بحرية الى نفسك كما انت دون الحاجة لوصف واصف يتلاعب بالكلام فيتيه عنك المغزى، في حين لم تكن الايديولوجيات كلها سوى احلام حالمين واوهام واهمين، انها ليست سوى صورا ملونة في مخيلتهم، ويستطرد قائلا: حتى اضعك بالصورة مثلا، حين حلم البعض بوحدة العرب لم ينتبه ولو مرة واحدة لمن يقف خارج حدود الصورة، ولم يدرك ذلك البعض ان عليه ان يجيب اولا على سؤال البرنزي: هل يمكن ان يلتقي رجل دين بعاهرة عند باب الماخور؟..

الا ان جواب صديقي المؤدلج كان ذكيا جدا، وللحق ادهشني، اذ ان الكثير منا، نحن الاصدقاء في الكروب لانفكر باتجاهات متعددة، وغالبا ما ننظر للعملة من وجه واحد، كان جوابه هو تغيير بسيط ولكنه عميق لذلك السؤال، قال: ولم لا تلتقي عاهرة برجل دين في باب مسجد؟..

مع نفسي فكرت كثيرا بهذا التناقض، وكانت النتيجة، اكتشافي ان الواقعية اكثر مصداقية من الايديولوجيا، فان يذهب رجل دين لعاهرة في ماخور، اكثر احتمالية من ذهاب عاهرة لرجل دين في مسجد، وهذا بالضبط هو الفرق بين الواقعيين وبين الحالمين ..

يمكنني ان ازيد في عرض جوانب ذلك الجدال، ولكن الامر سيبعدني عن اصدقائي الموتى، فصديقي المتوفي امس مثلا، لن يتمكن بعد من الكتابة على لوحة مفاتيح الهاتف، في الوقت الذي كان لحظة موته على وشك ان يضع اللمسات الاخيرة لحياة ( عشقة) (2) تلك الفتاة التي تقلبت في سفرها بين شح ونعيم، وبين شجن وانين، كاي بنت تراهن على الحظ حينا، وعلى الفعل والسعي والمبادرة حينا اخر، حتى وان عنى ذلك التنازل عن اشياء لايمكن التنازل عنها بسهولة، وتلك سيرة حياة غالبية نسائنا اللواتي عشن ظروف الانزلاق الاجتماعي من اليسار الى اليمن ومن اليمين الى اليسار كانهن ونحن ايضا نتارجح في فضاء الفراغ..

ولكن من منا اكمل عهدا في حياته؟.. اننا فرسان العهود المنقوصة، كأن حياتنا مجرد نهايات سائبة، والتباس مقصود ، فكلما نتمسك بحقيقة ما، نكتشف زيف وعينا او زيف تلك الحقيقة، وكلما تشبثنا بالامل احاط بنا الياس من كل جانب..

حقيقة واحدة ظلت وفية لعهدها معنا، كما ضمنت ايضا وفاءنا لها، تلك هي عربة الموتى التي تنتظر في زاوية الفراغ، لا مواعيد محددة، ولكن مقاعدنا محجوزة دائما وتذاكرنا مدفوعة سلفا، لذلك كانت النصيحة الاخيرة لصديقي المتوفي الثالث في رسالته النصية امس: لاتفكر بانهاء العهود فلا عهد سيكتمل مطلقا، وانتبه بذكاء الى القوافي فهن متشابهات دائما.

(1) البرنزي رواية للفقيد عمار التيمومي

(2) عشق مشروع رواية للفقيد

لا تعليقات

اترك رد