الفقه الذي صادر الإيمان في الإسلام

 

يعرّف الفقه بأنه مجموعة الأحكام الشرعية الفرعية التي تكفل براءة الذمة في عموم العبادات والمعاملات، والفقه بهذا التعريف يهيمن على حياة المسلمين بصورة شاملة، حيث يبدأ من احتكار شرعية النكاح وشرعية الولادة إلى ما بعد الموت من أحكام التجهيز والدفن والميراث وغيرها.

وينظم الفقهاء عملية استنباط الأحكام الفقهية، عن طريق عدد من المناهج التخصصية والتي تشمل دراسة علوم اللغة وفنونها وعلوم الحديث والرجال، إضافة إلى قواعد الفقه، ثم تحكم جميع تلك العلوم بعلم أصول الفقه، وهو العلم بالقواعد الكلية الناظمة لعمية الاستنباط، سواء كانت قد استندت في شرعيتها إلى الأحكام الشرعية والتي تسمى (الأدلة الشرعية) أو التي تعمل في حال فقدان الدليل والتي تسمى بـ (الوظائف العملية) مثل أصالة البراءة والاحتياط والتخيير.

تتطلب الإحاطة بالصناعة الفقهية، تحصيل ثقافة رصينة بعلوم ذات صلة بالفقه، مثل تاريخ الفقه ومدارسه وكذلك العلوم العقلية، مثل المنطق وعلم الكلام، فضلاً عن علوم القرآن والتفسير والتاريخ والسيرة وغيرها.

وهذه الدراسات المتشعبة والواسعة، تستلزم ضمن أنساق الدراسات (الحوزوية المُلّائية) عقوداً من التفرغ للدراسة الجادة والمثابرة، ليتمكن طالب العلم الشرعي من ضبط الصنعة وتحصيل المسلك وإتقان الفن.

لذلك يعدّ الفقهاء وطلاب الفقه أنفسهم أصحاب الشرعية الفعلية في تمثيل الإسلام والتعبير عنه، ولا شرعية لسائر حقول العلوم الدينية إلا عن طريق بوابة الفقهاء حصراً.

هيمنة الفقهاء على تمثيل الدين واحتكار شرعية التعبير عنه، تسببت بخسائر كبيرة جداً ليس أقلّها هدر (الفكر الإسلامي) بوصفه أهم رافد من روافد تحديث التجربة الدينية وعقلنة السلوك الديني، فضلاً عن ذلك اُغتيلتْ المدارس الأخلاقية في الإسلام، حتى إننا لا نكاد نسمع أو نقرأ عن وجود مدرسة أخلاقية في الإسلام منذ قرون مضت، حتى باتت المراجع الأخلاقية تمثل كتابات هامشية، يتفكّه بها مجلس الفقه وتُزيّن بها مكتبات الفقهاء، هذا إلى جانب خنق المدارس الروحية والتضييق عليها، حتى أصبح تكفير أعاظم المتصوفة والعرفاء أمراً طبيعياً في مراحل متعدد من تاريخ الإسلام، أما الفلاسفة المسلمين فإنهم تحملوا النصيب الأكبر من قسوة الفقهاء وفتاواهم التكفيرية.

مقابل ذلك كله قدم الفقه للإسلام تراثاً من الكراهية والعنف والقسوة والغلظة، وأسس لتركة يصعب مواجهتها من التعصّب والتطرّف والهوس بالتفاصيل الشكلية على حساب الجوهر والغاية، حيث يخصص الفقهاء أبواباً في موسوعاتهم الفقهية المعقدة تتحدث عن أحكام (الفساء والضراط) وكيفية الغسل بعد (التغوّط والتبوّل) ولكنهم تغافلوا عن أحكام الصدق والأمانة وحسن الجوار وطيب المعاشرة وبرّ الوالدين والتراحم، وأصبحت كتب الفقه خنادق لأحكام الجهاد والتكفير وتعيين الكفار والذميين والمعاهدين، فيما تغيب أحكام الإيمان والتسامح والوئام بين الأديان وآداب الحوار وإدارة التنوع والاختلاف، وفي الفقه سوق نخاسة يشرعن أحكام الرق والسبي والنكاح والطلاق والحيض والاستحاضة والنفاس والحجاب، على حساب مفاهيم الأمومة والمساواة وحقوق المرأة وحريتها وتمكينها وكرامتها.

أفرغ الفقه الإسلام من حمولته الروحية والأخلاقية والإنسانية والثقافية والفنية والإبداعية، وقدّمه على صورة أحكام جامدة رتيبة مقننة، تشبه القوانين في المحاكم، فأصبح المسلم متهماً والإسلام سجناً كبيراً والفقهاء قضاة والمساجد سجون والمبلغين والوعاظ ورجال الدين سجانون، وأمست مفردات مثل الحرية والعدالة تشكل تهديداً وجودياً للدين، وأصبح المسلم مرعوباً أمام أية محاولة نقدية تهدف لتصحيح المسار وتحرير الإسلام من أسره.

الفقهاء منعوا المسلمين من التواصل مع الله سبحانه، وقيدوا العلاقة معه بسلسلة ثقيلة من الإجراءات الروتينية المملة والتفاصيل المعقدة، التي من شأنها انتزاع جذوة الشوق الروحي من قلب العابد، كما أثقلت العلاقة الحميمة بين الذكور والإناث بسلاسل ثقيلة من المهور الكبيرة والإجراءات الاجتماعية العسيرة، والتي ألقت بظلالها على دفء الأسرة وفطرية المودة والرحمة بين الزوجين.

عسير على المسلم أن يستحضر الله ويخشع في الصلاة (الفقهية)، لأنها تتوقف في صحتها على ضبط اللباس والمكان والقبلة والوقت والوضوء ونوع الماء وكيفية إسباغه وصورة الوقوف وطريقة أداء التكبير والقراءة والركوع والسجود والتشهد والتسليم وضبط التلاوة، يسبق كل ذلك وجوب إكمال شروط صحة المعتقد واختيار المذهب واتباع الفقيه الأعلم، ودفع ما يتوجب من أموال الزكاة والخمس وغير ذلك من الشروط والشرائط والاشتراطات.

وإن أية محاولة للإصلاح الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي أو الاقتصادي في المجتمعات المسلمة تتعثر دائماً وبصورة مستمرة أمام صخور الفقه الكَأْدَاء وأشواك الفقهاء السامّة، لأن الفقهاء صنعوا مجتمعاً متخلفاً حضارياً وأخلاقياً ومعرفياً، ورافضاً لأية غيمة غيث تجلب الربيع والزرع والثمر، لأن الفقهاء يمنّون المسلم بالثمر والقطوف الدانية والرفاهية والسعادة في الجنة التي ادخرها الله لأكثر الناس اتباعاً وطاعة للفقهاء والتزاماً بأحكام الفقه، وأما الدنيا كما يحلوا لهم تسمية (الحياة) فإنها (سجن المؤمن) والفقه يتكفل بإدارة هذا السجن.

المقال السابق(الانتحار النفسي)
المقال التالى” غَرقٌ في أبجَديةٍ “
يث التميمي باحث وكاتب عراقي يعيش في بريطانيا ولد في مدينة الكاظمية على شواطئ بغداد أكمل دراسته في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، تخصص في مجال دراسات الفكر الاسلامي، رئيس المركز العراقي لإدارة التنوع، عضو الجمعية العلمانية العالمية، ناشط مدني وسياسي، لديه عدد من الأبحاث والدراسات واللقاءات التلفزيون....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد