تاريخ الصراع العالمي والتغيرات الجيوسياسية (ج5)

 

فرنسا

مع نهاية القرن الخامس عشر ومع الانقلاب الصناعي بدأت تكتمل وحدة فرنسا القومية واتخذت من باريس نقطة تشكلها وخروجها لرسم حدودها غير المعلومة في ظل حروب الإصلاح الديني الطاحنة التي اجتاحت فرنسا و أوروبا ( صراع العروش ) وظهور الممالك وتشكل عنصر القوميات لشعوب أوروبا .

دخلت فرنسا في حروب خارجية ضد اسبانيا وبريطانيا وحروب داخلية دينية طاحنة فخاضت ثمانية حروب دينية , امتدت حتى منتصف القرن السادس عشر بين الكاثوليك الفرنسيين والبروتستانتية ويُطلق عليهم أيضاً هوغونوتيون أدت هذه المواجهات إلى حرب أهلية خطيرة. وكانت أولي الاضطهادات ضد أصحاب الأفكار الجديدة التي ظهرت في عام 1520

وتالف حكم فرنسا خلال ما سمي بالعشائر النبيلة وهي عشائر المونمورانسيين – أسرة قديمة وقوية تستمد ثروتها من علاقاتها السياسية الكونستابل (رئيسية شرطة الملك) وعشائر غيس – قادة الحزب الكاثوليكي، وأولاد عم دوق دي لورن وعشائر آل بوربون- أحفاد لويس التاسع مباشرة وهم أمراء الدم و أعضاء هذا البيت لهم الأسبقية عليهم مباشرة هم أمراء الدم أعضاء هذا البيت لهم الأسبقية على بقية السادة من المملكة بقية السادة من المملكة

فلم يكن باستطاعة فرنسا التطلع إلى الخارج إلا في مطلع القرن السابع عشر فبدأت نحو التوسع القاري شرقا, وقد بدأت فرنسا تتكون من قلب اوربا فانتزعت الأراضي المنخفضة ( بلجيكا ) من الإسبان في منتصف السابع عشر .

وكانت قوتها البحرية العظمى – على يد جان باتيست كولبير الذي ادرك اهمية ان تكون لفرنسا قوة بحرية للسيطرة على منافذ التجارة فوالده أحد تجار الصوف وهو أحد دعاة المذهب التجاري في فرنسا حتى سميت هذه السياسة التي انتهجها في هذا الميدان باسمه الكولبرتسم (colbertism)

و اكتملت قوة فرنسا البرية والبحرية و تفوقت على بريطانيا مرتين مساحة وسكانا , فكانت أقصى رقعة لدولة وطنية موحدة قبل عصر السكك الحديدية وامتلكت اغني موارد طبيعية يصل بها إلى الاكتفاء الذاتي , مما يؤهلها أن تتولى القيادة في قلب أوروبا إلا أن تورط فرنسا بين التوسع في اوروبا و الخروج الى البحر حيث عالم التجارة والربح الوفير الذي بدأت تسيطر عليها إنجلترا بالفعل مما أضعف من قدراتها في النهاية لصالح الإنجليز الذين دأبوا على توريط فرنسا في حروب مع جيرانها وخصوصا النمسا , وبذلك استنزفتها الصراعات داخل أوروبا.

ولعل كولبير لم يستمع إلى نصيحة الفيلسوف ورجل الدولة و العالم الألماني الشهير غوتفريد لايبنتز في كتابه عندما تحدث عن حماية ألمانيا وتشكيل Rhein bund الجديدة وقال ان دول أوروبا يجب أن تستخدم قوتها لا للقتال ضد بعضها البعض ، ولكن لقهر العالم الغير مسيحي

ففي منتصف القرن السادس عشر وصلت فرنسا عبر البحار وصلوا إلى العالم الجديد وكانت الأنهار هي من تحدد وجهتهم وارتبط توسعهم بصرامة النهر فكانت السانت لورانس هي بدايتها أو نهر المياه الكبرى هو نهر يقع في أمريكا الشمالية.ينبع من بحيرة أونتاريو ويصب في المحيط الأطلسي. تمت تسميته على شرف لورانت دي روما و هو أحد أهم أنهار أمريكا الشمالية و ثاني أطول نهر في كندا لا يفوقه طولا سوى نهر ماكينزي و في منتصف القرن السابع عشر اسست اول مستعمراتها الكبري الكيبك ( اللغة الفرنسية المتكلمة في كندا ) كنواة لكندا الفرنسية أو فرنسا الجديدة

مساحة كندا الهائلة وموقعها الجغرافي الخطير في أمريكا الشمالية في القسم الشمالي من القارة فهي تمتد من المحيط الأطلسي في الشرق إلى المحيط الهادئ في الغرب كما تمتد شمالاً في المحيط المتجمد الشمالي , وهي البلد الثاني عالمياً من حيث المساحة الكلية. كما أن حدود كندا المشتركة مع الولايات المتحدة من الجنوب والشمال الغربي هي الأطول في العالم

وتنازلت فرنسا عن ما يقرب من جميع مستعمراتها في أمريكا الشمالية في عام 1763 بعد حرب السنوات السبع في عام 1867 وتحولت كندا في النهاية إلى دومنيون بريطاني

ومع النهر أيضا بدأوا من المسيسيبي ووصلوا إلى الخليج لاسال وأنشأوا مستعمرة لويزيانا الشاسعة ولكن دائما لم تجد فرنسا عقبة طبيعية كبرى تجبرها للتوقف حتي توطد اقدامها لذلك لم تحتفظ بها طويلا

كما اتجهت إلى جزر الهند الغربية في العالم الجديد وانتزعت عدة جزر صغيرة من اسبانيا أهمها جواديلوب المارتينيك وقفزت منها إلى ساحل أمريكا الجنوبية في جيانا الفرنسية

وفي العالم القديم اتجهت الى الهند الشرقية فأنشأت مجموعة من القواعد التجارية على سواحل الهند شرقا وغربا و أنشأت شركة الهند الشرقية الفرنسية وشهد القرن السابع عشر نشاطا تجاريا كبيرا لفرنسا وكما حدث في السابق في كندا ,

نشب هناك صراع آخر مع الإنجليز في سبع سنوات أخرى بما سمي حروب السنوات السبع خسرت فرنسا أمام انجلترا لتفوقها البحري في 1763 وضاعت الموجة الاستعمارية الأولى في القرن السادس والسابع عشر علي يد بريطانيا وذلك قبل ان تبدأ الموجة الثانية في القرن التاسع عشر

انطلق نابليون نحو الشرق كانت مصر أول غزواته الخارجية لبناء امبراطورية تجارية في المتوسط في بداية القرن التاسع عشر حاملا مشروعا قناة السويس حلم عودة طريق التجارة القديم الي المتوسط مرة أخرى الذي تضررت به موانئ الشرق والغرب البندقية بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح فتقدم أمراء البندقية إلى سلطان مصر في عام 1500 بفكرة إنشاء قناة تربط البحر بالنهر ولكنها توقفت بسبب الغزو العثماني لمصر والتي جسدتها رائعة شكسبير في مسرحيته الشهيرة تاجر البندقية .

في عام 1800 كلف نابليون بونابرت مجموعة من الخبراء وعلى رأسهم المهندس لوبيير بوضع دراسة حفر قناة تربط بين البحرين إلا أن لوبيير زعم أن مياه البحر الأحمر أعلى منسوبا من مياه البحر الأبيض المتوسط بحوالي 30 متراً وأن من شأن شق قناة ان تغرق مصر

حاول نابليون أن يؤسس إمبراطورية في الشرق تبدأ من مصر والشام والمغرب العربي تكون مصر لؤلوة الإمبراطورية الفرنسية كما الهند لؤلؤة التاج البريطاني كما قيل .

ونشاء صراع ثنائي خطير بين فرنسا و انجلترا وحاول نابليون غزو إنجلترا إلا أنه فشل في ظل تفوق انجلترا البحري

إلا أنه حاصرها وبذلك اخضع أوروبا كلها عدا السويد والنطاق العثماني وخاض حملته القاتلة ضد روسيا فكانت نقطة تحول في الحروب النابليونية هذه الحرب تعرف في روسيا بالحرب الوطنية (بالروسية:Отечественная война)

كان هدف نابليون من الحرب هو إجبار قيصر روسيا ألكسندر الأول على وقف التجارة مع بريطانيا مما كان سيدفعها برأيه لقبول الصلح مع فرنسا.

أما الهدف السياسى الرسمى من الحرب فكان تحرير بولندا من التهديد الروسي. لذلك أطلق نابليون اسم “الحرب البولندية الثانية” على حملته لكي يكسب تعاطف البولنديين ويوفر غطاء سياسيا للحملة. دفع نابليون في حملته على روسيا بجيش ضخم وصل تعداده 680,000 جندى , 300,000 منهم فرنسيون. اندفع الجيش الفرنسى بسرعة لمسافات بعيدة عبر روسيا الأوروبية في محاولة لملاقاة الجيش الروسي في معركة حاسمة و هذه كانت دائما عقدة فرنسا التاريخية في حروبها أنها لم تجد في توسعاتها حدود طبيعية تقف عندها فتنجر في مساحات شاسعة تصعب السيطرة عليها

فكما صعدت امبراطورية نابليون بسرعة اختفت ايضا سريعا

بريطانيا

هناك عامل حاسم في تاريخ بريطانيا السياسي والاستعماري انها وبصدفة جيولوجية عبارة عن جزيرة قارية فهي من القارة الأوروبية ولكن ليست فيها فكانت منعزلة في بدايتها ومرت بريطانيا بثلاث مراحل

المرحلة الاستعمارية والتخلف حين خضعت لموجات وغزوات الانجلز والسكسون

والمرحلة القارية عندما حكمت أجزاء من فرنسا في العصور الوسطى

والمرحلة الجزرية حين انعزلت عن القارة قبل عصر الكشوف الجغرافية

وكونها جزيرة كبيرة جعلها تقيم دولة كبيرة , متعددة الموارد وكان السهل الانجليزي نواتها السياسية والاقتصادية وكونها جزيرة كانت عوامل الطرد للساحل هي الغالبة فصنعت بريطانيا بيئتها البحرية الكاملة التي أنتجتها.

فكانت تملك قوة بشرية كبيرة جعلتها امة ملاحة من الدرجة الاولى فيما بعد والذي أعطاها عنصر الحماية خلال الاضطرابات والحروب التي اجتاحت القارة خلال فتراتها

وكان عصر الكشوف هو عصر الانقلاب الجذري لبريطانيا بسبب تزايد اهمية موقعها فكانت بريطانيا قبل عصر الاكتشافات على نهاية العالم لا تؤدي إلى شئ او كما قيل استراليا العصور الوسطى وتحولت بفضل اكتشاف العالم الجديد من قطب سالب معزول إلى قطب موجب في قلب المعمور بين العالم القديم والعالم الجديد وبذلك أعطت هذه الاكتشافات مكانة وحياة بريطانيا الجديدة في العالم

فعزله بريطانيا مهدت لها ان تكون اول دول أوروبا في تحقيق الوحدة القومية العصور الحديثة , وشكلت بيئة بريطانيا البحرية العاصفة والبيئة المدية المتلاطمة مدرستها البحرية القاسية ولكنها مدرسة ممتازة والتي اعتمدت على المرونة قبل الضخامة والمناورة قبل الحجم .

فكان أول خروج لها على استحياء لأن السيادة البحرية كانت لاسبانيا و البرتغال وكان ذلك في نهاية القرن الخامس عشر نحو الشمال الغربي و اكتشفوا جزيرتي نيوفاوندلاند ولابرادور – كندا , ودارت حروب عصابات بحرية مع قوة إسبانيا البحرية وبدأ عصر القرصان المشهور بكل مغامراته التي دارت رحاها على البحار العليا و البحار الدافئة والكاريبي الا انها كانت دموية وكانت هذه القرصنة الدموية هي نواة البحرية والاستعمار البريطاني

وقد حاولت اسبانيا غزو بريطانيا بالارمادا 1588 إلا أنهم انهزموا امام سفن القرصنة لبريطانيا , فكانت معركة بين الضخامة و المرونة فسفن الارمادا ثقيلة و بطيئة قلاع عائمة وسفن القرصنة البريطانية ( دريك ) خفيفة وسريعة ومع هزيمة إسبانيا في الارماد كان سقوط إسبانيا وبعدها انفتح أمام بريطانيا طريق لدخول الميدان البحري والتجاري الجديد من اوسع ابوابه فمع بداية القرن السابع عشر وخلال عقدين استطاعت ان تؤسس اول مستعمرة لها جيمستاون في ولاية نيويورك فرجينيا البريطانية في 14 مايو سنة 1607 على يد ( رالي ) شركة لندن و تعد أول مستعمرة بريطانية دائمة في أمريكا الشمالية وقامت شركة لندن باستجلاب مهاجرين من بولندا و هولندا لتنميتها. و في عام 1619 تم استجلاب بعض العبيد الأفارقة.

ووصلت الى الهند الشرقية و أنشأت شركة الهند الشرقية , واستقر الآباء المهاجرون في نيو انجلند ( يتكون من 6 ولايات، هي: ماين و نيوهامشير و فيرمونت و ماساشوستس و رود أيلاند و كونتيكت- مساحة هذه الولايات 172454 كيلومتراً مربعاً، ) وهذه الولايات هي من قادة النواة التي تكونت منها الولايات المتحدة فيما بعد

وكان على إنجلترا أن تواجه قوة هولندا البحرية وقوة فرنسا البرية , على الرغم من أن خطر فرنسا كان الأخطر إلا أن ما كان يعني بريطانيا مباشرة هي هولندا المحتكر الحقيقي للتجارة الطريق الذي اختارته بريطانيا لنفسها , واعتمدت سياسة عدم تعاظم القوى في أوروبا فكانت تقف مع فرنسا مرة ومع هولندا مرة اخرى واحيانا تترك هولندا تواجه فرنسا وحدها وكانت خسائر فرنسا وهولندا تتحول إلى مكاسب لبريطانيا , فهي عدوه للقوى التي تهددها وحليف القوى الضعيفة التي لا تهددها فهي وقفت مع فرنسا امام المانيا فيما بعد وهو ما اكسبها تسمية ” ألبيون الغادر ” و ألبيون هو من أسماء انجلترا

فورثت ليفربول دور انتورب و امستردام وأصبحت التجارة هي البعد الأساسي في حياة بريطانيا بعد أن كانت أمة رعي وصيد, تحولت إلى أمة تجارية أو كما قال نابليون انها اصبحت أمة من أصحاب الحوانيت , ليصبح بنك انجلترا رمزا عتيد الميركانتيلية ( أدى تطور النمو التجاري وزيادة رأس المال إلى أن ينعكس ذلك بشكل كبير على مفهوم التطور الاقتصادي خلال القرنين السابع والثامن عشر، فبدأت أوروبا تطبق النظرية «الميركانتيلية Mercantilism»، وهي المعادلة للسلطة المطلقة السياسية للملك ولكن في هذه الحالة فهي السلطة الاقتصادية المطلقة للدولة.)

كما أنها نجحت في انتزاع مضيق جبل طارق وبورت هون من اسبانيا في المتوسط في ” صلح اوترخت ”

وبدأت تفقد مستعمراتها تدريجيا لصالح بريطانيا بعد عجزت البحرية الفرنسية في إلحاق هزائم للاساطيل الانجليزية واصبح شبه القارة الهندية لؤلؤة التاج البريطاني , وهي في سبيل ذلك أخذت قرنا كاملا لتبسط سيطرتها على كامل شبه الجزيرة الهندية . واستطاعت أن تحطم امبراطورية المغول الأكبر في الهند وبدأ الراج البريطاني وانتزعت الكاب من هولندا وحصلت على سنغافورة بالشراء البخس في 1819 وضمت مالطة وكلها مواقع استراتيجية ومفاتيح طرق التجارة البحرية فكانت بريطانيا الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس .

مفاتيح امبراطوريتها البحرية لكنها في ذات الوقت وعلى الجانب الآخر فقدت امبراطوريتها الأولي في أمريكا الشمالية وثارت 13 ولاية أمريكية في حروب الاستقلال في 1783 وخرج كثير من المعمرين البريطانيين وتحولت هجرتهم الى كندا واستراليا

يتبع ,,,,,,,,

لا تعليقات

اترك رد