الفندق العراقي … وهم أو حقيقية

 

بغض النظر عما قيل من سرقة أو أقتباس السيناريست حامد المالكي لمسلسل الفندق فأني سأتناوله كسيناريو لكاتب عراقي جرىء وشجاع في تشخيص الأمراض الأجتماعية لعراق مابعد الغزو والأحتلال حيث ضاعت وأندثرت قيم أخلاقية سواء للسياسين الذين يقودون البلد أم لعامة الناس من الفقراء والكسبة والمثقفين والمتعلمين حيث لم يتعود المشاهد العراقي أن يبصر عيوب ومرارة مجتمعه البائس والمتخلف ولايتحمل النقد للنواقص والثغرات اللآأخلاقية فيه وخاصة المشاهد المتزمت بما يسميه الحشمة والعرف الأخلاقي ومثلهم كمثل الديك فوق الزبالة وهو يصيح بغرور مصطنع , فالمخدرات وزنى المحارم والقتل وأحراق المحاصيل وقتال العشائر كقبائل أفريقية وسرقة السيارات والبيوت وحرق المولاات وأختطاف وأغتصاب الأطفال والتدين المصطنع بكذب واضح ونفاق كبير والطلاق كلها قضايا تملآ المحاكم من الشمال الى الجنوب وأطلعت على بعضها بنفسي والأمر منها ماشخصه رئيس الوزراء السيد عادل عبدالمهدي بصراحة لاتخلوا من شجاعة أن الفساد موجود ليس في المجتمع بل في كل مرافق الدولة بلا أستثناء فالصمت أصبح لكل عراقي واجب ؟!

مسلسل الفندق الذي كتبه السيناريت حامد المالكي و أنتجته قناة الشرقية برأي هو رمز لعراق مصغر يأوي…الطيب والخبيث معا ..الشجاع والكسول او الجبان والكريم والبخيل والمثقف والمتعلم والآمي ورغم ان الفندق يوحي كونه خان عثماني او بناية عباسية جددت وليس فندق .فاالمثقف الأعلامي اليساري والروائي كريم نعمان الذي يعمل مديرا للفندق بحكم قرابته بصاحب الفندق نبيل المقيم بالسويد وهو يحمل هموم هزيمتة الشخصية من مجتمع حاول أن يصلحه فجرح قلبه واذى ضميره وبحكم حبه و طيبته يتعامل بعاطفة نبيلة لكنها رخيصة مع نزلاء الفندق الذي لايؤمن بعملهم ويتعامل معهم بحذر بوجهين رغم أنه يعلم بأنهم غرباء عنه ولم يكن في الفندق نزلاء غيرهم أو يأتي رجل أمن أو شرطي ليستلم قائمة نزلاء الفندق من السجل كما نعرف قانونا بحجة عدم معرفة كريم بهكذا روتين بلقائه مع عقيد الشرطة صبحي ومعاونه الطيب القلب والوجدان المقدم جبار- الممثل علي ريسان, وتحاول الطباخة ماريا – التي أدتها الممثلة سناء عبدالرحمن بخبرة متوهجة أن تمنحه الهدوء والسكينة حين يواجه مشكلة جريمة قتل عماد أخ مؤيد الذي يقود عصابة لتهريب المخدرات وبيع الأعضاء البشرية أو تتراى له اشباح أو شبح أمراءة سوداء تفاجأه بين الحين والأخرو تحاول حبيبته الطيبة – أريج – الممثلة أيناس طالب – أن تلغي من ذهنه هذا الشعورأو الوهم الذي يلازمه بين الحين والأخر في منامه أو صحوته بتلقائية محببة كما أن اللقاءات التي تتم بينه وبين نعيم كبسة – أداها الممثل عزيز خيون – وأبن هتلر- سعدي – الممثل عزيز كريم والتي تكررت بمشاهد معادة الحواروالمكان كثرثرة مجترة أثقلت المسلسل وكان بالأمكان أختصارها حول قيمة الفنان والأديب والصحفي والمثقف بتطوير المجتمع العراقي نحو الأفضل وعدم الأستعانة بفلاسفة طوروا مجتمعاتهم الغربية , ناهيك عن تقبل كريم لنصائح المجرم المتدين- ماجد – التي أدها الممثل حسين عجاج تارة بذكاء وتارة تفلت منه ومرة يحاول مسكها وهو بلاشك ممثل مقتدر عن فلسفة الوجود والعبث والحياة والأرواج والجن وهو اليساري الذي يؤمن بالماديات اصلا . لقد جعل المؤلف من شخصية واثق- التي أداها الممثل ذو الفقار خضر بموهبة عالية واداء جيد وهو الآمي الجاهل والمتعطش للدم والمال بعد موت مؤيد الشخصيةالقوية ليتزعم مجموعة متعلمة وخريج جامعة كمهندس مثل سنان – التي أداها الممثل علي عبدالحميد بدقة و بحماس تارة وأتقان وببرود تارة أخرى كبرود العشاق كذلك يؤثر على رجل قانون بالتلفون مثل العقيد صبحي كريم – التي أداها الممثل سنان العزاوي وعلى شخصية كريم نفسه أحيانا وعلى وجدان – التي أدت الشخصية الممثلة هند طالب بقدرة وتميز عند الخوف والغضب والطيبة التي تدير معهد للمساج وبلاشك ان لها علاقات مع أكابر القوم أو نساؤوهم وبالأمكان وقفه عند حده وخاصة حين أمر المجرم واثق وجدان بتحويل نادية – ادتها الممثلة دزدمونة مع – مع رفيقتها سعدية – الممثلة- الاء نجم – الرائعة في الأداء جدا مع الأطفال الى شحاذات ليسحق كرامتهن سيما وأن نادية بنت عائلة ملتزمة في حين رفضت زميلتها – الهروب منهم وهذه الممثلة ينتظرها مستقبل درامي اذا مااحسنت بناء شخصيتها الفنية التلقائية .

جسدت مشاهد جمعت العاشقين دنيا وسنان الرومانسية سواء بلقائهم فوق سطح الفندق أو في حديقة الزوراء بوجود النقاء والطيبة التي تغسل الذنوب والمعصية عند العاشقين وهي رمز لطيبة العراقيين رغم أضطهاد الأنظمة السياسية لهم فهم صابرون وراضون برحمة الله وحبهم لبعضهم وهذا العشق أمتد بين كريم وأريج وتشاركهم بسماح وطيبة ماريا التي يبارك دينها الحب بين البشر وهي رمز حي وصادق لكل المسيحين العراقيين وحبهم للعراق . وجسد المخرج شخصية المجرم واثق وسطوته وهو يقود هذه العصابة من نفايات المجتمع العراقي الذي ساهم مع الدولة بخلقهم ليتحكم فيهم شخص فرض سطوته بقوة السلاح وضياع الضمير والجهل الرهيب وحب المال لحد محاولة بيع كلية الطفلة وسن بصمت القانون ورجاله بعد نجاحه بتسويق المخدرات للفتك بعقول الشباب الذي ينتمي لهم وجسد الممثل ذو الفقار خضر الشخصية بشكل جيد لايخلو أحيانا من المبالغة والتعبير المطلوب سواء بصراعه مع سنان او ماجد او استخدام العنف مع هيام بعد أسترداده ومن ثم تخديرها بالحبوب وأنتحارها ..

لم يوفق المخرج بتجسيد شخصية المراءة الشبح وهي تسير بمسافة طويلة من الخارج الى داخل الفندق وصعود السلم الى غرفة كريم وهي تحمل فأسا وكان من المفروض أختصار سيرها الطويل بالقطع ثم بسقوط لوحة أو دمية بغرفة كريم ثم يستيقظ من حلمه وكذلك مشاهد أخرى للأشباح كانت فاقدة الأحساس سواء ببرودة الشبح او زوايا اللقطات سواء القريبة أو البعيدة بضربة المفاجأة اوالدهشة كتحطم زجاج نافذة او سقوط لوحة أو صورة أبنته وهذه تتطلب مصور بارع جدا وخيال كبير فمسيرة الشبح المراءة نحو غرفة كريم ثم فتح الباب ليخرج كريم ويبصر نعيم المكبسل وهو ينحني على الأرض أمام زجاجة عرق محطمة دون أحساس بأي صوت للكسر أضعف المشهد و خوف كريم جدا مع عدم وجود أنارة موفقة خاصة وأن أغلب المشاهد كانت أنارة فيضية سواء خارج الفندق أو داخل غرف النوم مما افقدت الأحساس بالجو المكاني وتعبير الممثلين واعتقد أن المونولوج الداخلي لشخصية كريم لاتنمي التصاعد في المشهد سواء بعد جلسة الخمر أو أختلائه بنفسه كما أن استخدام الموبيل لتسجيل يومياته يوحي أنه رجل حضاري ذو عقل متفتح لايؤمن بالأشباح , وكانت أغنية ياطيور الطايرة غير موفقة في مشهد نعيم وصحبه كباك راوند كما أن بعض المقطوعات الموسيقية لم تتوافق مع الحالة النفسية لأأبطال المشاهد الأخرى وكان من المفروض الأستعانة بمقطوعات موسيقية بغدادية ذات شجن تعبر عن داخل الشخصية . في حين كان المخرج حسن حسني مبدعا بمشاهد عدة في الفندق وفي مركز الشرطو وهو يتقن المشاهد الساكنة والثابتة للشخصيات ولكن أفضلها نهاية المسلسل حيث قدما الممثلين محمدود أبو العباس وعزيز خيون أداء رائعا جدا لايخلوا من نكهة درامية مسرحية مقبولة وممتعة خاصة بعد نثر النفط والأوراق التي تطايرت في الهواء مثل تطايرأفكار المصلحين العراقيين الأموات والأحياء منهم لأصلاح المجتمع وبرز محمود أبو العباس ممثلا محترفا صادق الأداء متجاوزا ممثلين عالميين أبصرتهم وحاورتهم بعدة مهرجانات عالمية مسرحية وكان خير من أنهى الحلقة الأخيرة التي لم تكن بحاجة لتفسير .

أدى الممثل سنان العزاوي شخصية العقيد صبحي كريم بقدرة عالية جدا كما جسد الممثل علي ريسان شخصية المقدم الطيب جباربتميز واضح واسترخاء في حالة التهديد والوعيد بالمسدس او بالنصيحة وتألق الأثنين معا باأبعاد الشخصية البوليسية وهما يمثلان حقيقية الشرطة في كل العهود منذ تأسيس المملكة وكل الجمهوريات ليومنا هذا في التعامل مع الشرفاء او السفلة والمجرمين وهما رمز للسلطة العراقية الحالية التي يتحكم بها الفاسدين والمرتشين والعاهرات وكانت مشاهد الملهى ضعيفة جدا ومصطنعة ولاتوحي بكونه ملهى يجذب رجل غني مثل قاسم ولم نر وجوه لمرتادي الملهى سواء ذات نعمة جديدة او أجرام مفتعل وكان الراقصات مبعث شفقة .

ولم يوفق الممثل سامي قفطان بتقديم شخصية الأب البغدادي الذي يجب أن يناضل لأصلاح خطأه كون البنت شرف عائلته فتكاسل بحكم كبر سنه وتعرضه للأبتزاز في حين وفقت الممثلة هناء محمد بتجسيد شخصية الأم العراقية البسيطة وكانت جمانة كريم متألقة رغم قصر دورها الذي يعاب فيه على كاتب السيناريو أن يجعل منها شخصية جبانة وضعيفة وهي القادمة من بلد حضاري بنى شخصيتها وصاحبة شهادة وتلتزم بالقانون وبعقلها لكنها تركت أختها تفلت منها بسهولة ويسر .في حين تأرجحت شخصية نعيم نحو الرقي الفلسفي وتارة نحو الجنون أو الهلوسة تارة أخرى وربما أراد المؤلف توكيد نظرية الشخصية العراقية الأزدواجية وبلا شك أن الممثل عزيز خيون متألقا في الحالتين بقدرة فائقة وبكاركتر جديد وصعب الأداء في حين يؤكد الفنان عزيز كريم أن العمر لايوقف المبدع وكان موفقا باأدعائه أنه ابن هتلر خاصة وتأكيده على أن الفندق مسكون وتمنيت أن يقوم بفعل كوميدي ليثبت للجميع أن الفندق مسكون لمجرد المتعة والتسلية واضاف للنص روحا فكهة تميزت بكوميديا بغدادية محببة , واعجبت بمسألة التقليد بحركة الكاميرا بطريقة- التراك بان- بين نهاية مشهد وبداية مشهد أخر مع أخر كلمة حوار وهو تقليد أمريكي عالمي مقبول تبناه المخرجين المصريين في عدة مشاهد تبعث الهدوء النشوة عند الأنتقال من مشهد الى أخر ووفقت رؤية المخرج في مشاهد القصر للمليونير – قاسم – التي اداها بأصالة وجودة وفهم للشخصية الممثل مهدي الحسيني مع عشيقته – نزاكه – التي أدتها الممثلة اسراء العبيدي بتصنع واضح وخجل أجتماعي حد من موهبتها الجيدة التي سوف تتفتح مستقبلا سواء في مشاهد الملهى مع بنات الهوى بحضور – الاء – الممثلة – ميلاد سري – باأنسيابية ودقة وقدرة وموهبة كبيرة , كما أن وضع جثة – نها- الخرساء من قبل واثق وماجد نفذت بطريقة ساذجة جدا وخاصة حين سرق من رقبتها واذنها سلسلة وأقراط الذهب وكان من المفروض ان يخلعها بغرفته التي بقيت فيها يوم كامل بلا رقابة وخوف وكانت الأنارة قوية في حين يقتضي هكذا مشهد بمكان قرب نهر أو صحراء تعوي بها ذئاب او صرير حشرات ليمنح المشهد جو الجريمة القاسية وليس في شارع عام تكثر فيد دوريات الشرطة و الناس.وكانت شخصية ماريا المسيحية – سناء عبدالرحمن – وأريج – الممثلة أوحت لنا عبر أدائهم المتميز بأن العراق لازال بخير من خلال أحتضان ماريا للطفلة وسن بمثال ورمز رائع للعراقي النشمي هشام الذهبي الذي فاق كل رجال الدين والأحزاب السياسية القذرة وأحتضن الأطفال اليتامى والمشردين ليصلحهم ويبني لهم مستقبل جيد .وكانا يمثلان واحة للراحة معا بجلسات المطبخ التي لاتخلو من سفسطة حول نظرية القوى العظمي والأقتصاد ودور المثقف البائس والفضائيات ومحاولة حبيبة كريم لأصلأح الشباب المنحرف في المجتمع وكان سرقة تلفونها من احد الشباب المنحرفين رمزا لسقوط الأخلاق بين الشباب في مجتمع كان شبه مثالي سابقا ولايخلو الحوار من مشاركة نعيم بين التضاد والشد والجذب وهو حوار طالما شهدته الأندية الثقافية والفنية والأدبية والمتعلمين في العراق وكان مشهد مناجاة نعيم لربه رائعا جدا أكد موهبة الأداء المتجددة عند الفنان عزيز خيون .

ونفذ مقتل قاسم ببرود مصطنع جدا من قبل ماجد وهو الذي لايستغني عن حمايته الشخصية وخدمه بعطلة أو بغيرها لكونه رجل كسول لايتقن خدمة نفسه ولم نشاهد قطرة دم لذبحه وكان بالأمكان حذفة لعدم وجود خبير الخدع بشكل حوار مصطنع لمشهد بين نزاكة وماجد.أو القاء القبض عليهم من قبل حماية قاسم وقتلهم لتأكيد أن رجل السلطة الفاسد هو حرامي فاسد ويعرف نوايا الحرامية والفاسدين ونواياهم وخططهم وليس غني بالصدفة .

المسلسل شدنا طيلة أيام رمضان بمحبة أو فضول وهو يقظة درامية شجاعة في الطرح لكاتب مقتدرمثل حامد المالكي وأظهر ممثلين جدد سيكون لهم مستقبل جيد أذا استمرت عملية التطوير الدرامي مع مخرجين جدد في العراق وبرع بشكل مقتدر وبشخصيات جديدة فنانينا الكبار الذين اسرونا باأبداعهم وأكد مخرج ذكي ومجدد مثل حسن حسني أنه يتواصل مع الأبداع والتجديد بطرح مواضيع جديدة برؤية فنية وتلفازية تثير الجدل ,مع تحية خاصة لمدير التصويرعبدالرحمن عبدالله ومساعديه في حين أخفقت الأنارة والموسيقي التصويرية وبرع كادر الصوت والديكور والأزياء والمكياج والمطربة بيدر البصري التي أدت أغنية التايتل بشجن ساحرو ببراعة اللحن للفنان حميد البصري وتحية لمدير الأنتاج علي جعفر السعدي والعاملين معه فنيين وأداريين وممثلين ثانويين رغم أحساسي بقلة الموارد الأنتاجية ومشاكل العمل بالعراق مع الكاست أو الأدارة وشكرا للشرقية التي عوضتنا عن مسلسلات تافهة .

1 تعليقك

  1. الاستاذ طارق الخزاعي .. وصف وافي وموفق للعراق المصغر في مسلسل الفندق. حقيقة مرة لكنها واقع حالي ومؤلم. محبتي

اترك رد