اِعادة فهم الثورة الايرانية، واجب ! -1-

 

جاءت الثورة الايرانية عام 1987، كاخر ثورة عرفها التاريخ. ثورة بجميع المقايس والتعريفات، من ناحية شموليتها ومشاركة جميع القطاعات الايرانية فيها، ورغم تمركزها في طهران لكن كان لها امتدادات في مناطق اخرى من ايران، ثورة لم يكن مطلبها اسقاط نظام الشاه فقط بل استبداله جذريا، ثورة شلت القوات المسلحة الايرانية الاقوى والاكثر تنظيما ورعاية في المنطقه. لا بل جمدت تنظيم السافاك المرعب والابن المدلل للسي اي اي والمخابرات الاسرائيليه و الانتلجنت سيرفس البريطانيه.
الا ان ما يؤسف له ان الاعلام العالمي والمحلي عمَّد تلك الثورة بانها اسلاميه، دون الخوض في ما وراء ذلك، او بكلمة اخرى، ما هي الخميرة التي جعلت تلك الثورة ممكنة في تاريخها، وهذا ما ساحاول الاجابة عليه لاحقا.
ساحاول في هذه المقالة اتباع منهج تقسيم ما قبل الثورة، وما بعدها. اي بكلمات اخرى ما هي الظروف التي جعلت الاحداث تندفع نحو الهدف في ايران كسهم وتسقط نظام الشاه وتجعلة يهرب ولا يجد من يستقبله حتى عرابه الولايات المتحدة تخلت عنه فعاش في مصر. اما المرحلى الثانية فهي تهتم بالعوامل التي جعلت تلك الثورة تقوى وتصبح بتلك القوة، لا بل نظام. وهنا لا بد ان اشير ان هذه المقالة تفند الادعاء بان الثورة كانت اسلاميه منذ انطلاقها، وهذا لا يعني اطلاقا انكار دور الاسلام ورجل الدين فيها، وبالاخص رجل الدين الشيعي تحديدا.
ما ان ولدت الثورة الايرانيه حتى عمدت بانها ثورة اسلامية-شيعية، وكان ذلك قصور كبير في فهم العوامل التي ادت الى تلك الثورة والى فهم لدور رجل الدين فيها. يذكر احسان نراغي، العالم الاجتماعي الايراني في كتابه “من بلاط الشاه الى سجن الثورة” عن لقاء جرى مع اية الله ميلاني في عام 1962 في طهران حيث يقول ميلاني ” كل هذه الشائعات التي تتهم رجال الدين بمعارضة الاصلاح الزراعي و مساواة المراة بالرجل في الانتخابات، لا اساس لها من الصحة. ان النظام الحالي يظهرنا بمظهر الرجعيين المتخلفين، فيما نحن مستعدون لايجاد مبررات دينية لكل الاصلاحات التي يقوم بها جلالته، بشرط ان يعرف الملك حدود امتيازاته، عليه ان يقيم حسابا لحقوقنا والتزاماتنا و واجباتنا تجاه الجماهير، اي لا يفرض علينا مشاريعه الاصلاحية فرضا”. وهذا دليل صارخ على ان رجال الدين لم يكونوا ساعين لانشاء نظام اسلامي بديل عن نظام الشاه, لكن تطور الاحداث تلك، وبالاخص بعد عودة الخميني الى ايران اخذت المسير الذي نعرفه في يومنا الحالي . الا ان الشاه نفسه لم يكن يدرك عمق تلك التحديات وكان يعتقد ان وراءه رجال الدين.
عندما بدأ علي شريعتي بتفسير القران والاحاديث حسب منهجه وفهمه الخاص، اعتبره رجال الدين مهرطق. ولكن عندما اتسعت حركته توقفوا عن انتقاده. كما ان لغته و اسلوبه اللاذع في مهاهجة الصفوية ومدح المذهب العلوي كان مؤثرا جدا، مما جعل رجال الدين يسمحون بتوزيه ونشر افكاره في الجوامع والمناطق السكنية للفقراء والتي هي في الغالب ذات كثافة سكانيه عالية. الا ان شاه ايران لم يفهم ما تلقفه بسرعة رجل الدين و استخدمه لصالحه. يسجل الشاه استغرابه مما يحدث في ايران كما يلي ” ان ما لا افهمه هو السبب الذي يدفع الشباب الى اعتناق هذه الافكار الدينية التقليدية التي لم تؤثر حتى الان الا على الاشخاص المسنين”.
ساكتفي هنا بالاشارات عن موقف رجال الدين من حكم الشاه قبل اسقاطه، والذي هو سياسي بامتياز، وهم في تلك الفترة لم تكن السلطة السياسيه تحت تصرفهم كما حدث بعد 1981. وارجو ان لا يستنتج القارء انني ابخس قدر هذا الدور، لا بل بالعكس فقد كان هذا الدور مؤثرا الى حد كبير في “استواء” الظروف للاطاحة بالشاه، وذلك لسببين :
1-ان قوات الامن، وبالاخص السافاك، لم تكن تحارب سوى ما كان يسمى “الخطر الاحمر”، اي ان نشاط رجل الدين لم يكن يمثل لها الخطر الاكبر. كما وان التطورات التي احاطت بالمذهب الشيعي تاريخيا مكنت رجل الدين من ايصال رسالته بشكل عبر التلميح . فمثلا كان شيخ الجامع يكرر كل جمعة تقريبا فساد بني امية وجشع عائلته فردا فرادا وكان الجميع يفهم ان في ذلك تلميح للشاه و اسرته .
2-يحتل رجل الدين الشيعي موقعا مختلفا عن موقع رجل الدين السني، وهذا نتاج موقف المذهب من الدوله و مبدأ الامام المنتظر، و ايضا الخمس الذي، وحسب الشيعة، يحل على ال البيت. كل هذه الامور مجتمعة جعلت من رجل الدين الشيعي ذو علاقة مباشرة بالجماهير الشعبية ويتاثر بالتالي دخله بدخلها، فهو لا يتقاضا اجرا من الاوقاف . كما وان التقليد في المذهب الشيعي وطد بشكل كبير علاقة رجل الدين بلاوساط الشعبيه.
نقطة اخيرة، ولكن بدرجة اقل اهميتا من الاولى والثانية، ان شاه ايران لم يكن يرغب في سماع الا الاراء التي يرغب فيها. فمثلا كان هناك شعبة داخل السافاك المرعب ” جمع المعلومات عن المزاج الجماهيري” لم يقرا الشاه اي تقرير من تقاريرها اطلاقا.
من الاسباب التي ادت الى قيام الثورة الايرانيه يمكن اجمالها وايجازها ب
1-الوطنيه : بعد اسقاط حكومة مصدق من قبل المخابرات الامريكية والبريطانيه وتنصيب الشاه على قمة الحكم ، اعتبر الشعب الايراني ان النظام القائم هو نظام عميل
2-الاقتصادية: رغم الارتفاع الهائل في عوائد النفط لما بعد 1973 الا ان الطبقات المسحوقة الايرانيه لم تعش حياة اقتصاديه افضل، وكاحد اهم الاسباب ان الشاه كان يدفع للشركات الاجنيه كامل مبلغ العقد قبل البدء بالمشروع
3- الفساد: لحد يومنا الحالي لم يستطع احد تحديد ثروة الشاة وعائلته، وبالاخص الاميره اشرف المتجبره التي كانت تخسر الملايين على موائد القمار وتتصل من اجل تحويل الاموال لها. اما الحاشية المحيطة بالشاه فقد بينت المحاكماة الثورية، بعد انتصار الثورة في 1987، ان قسم منهم كان مستعد ان يبوح باملاكة وثرواته داخل ايران مقابل الافراج عنه ومنحه موافقة السفر لخارج ايران. وحالما يخرج يسافر من اجل العيش في ولاية كاليفورنيا الامريكيه او في قصور اسطوريه في الريفيرا الفرنسيه . ولقد لعبت اموال النفط لما بعد الطفره، 1973، في اغتناء عدد من المقربين للعائلة، فكان بعضهم يقول بالاستيلاء على عقارات الدولة الايرانية بحجة القيام بمشاريع استثماريه لكنها لا تتجاوز كونها مشاريع على ورق
4-الفصل بين السلطات: كان القضاء الايراني تحت اشراف مباشر لشاه ايران، وكان فاسدا بامتياز، مما خلق حالة من التذمر الوطني، فلم يعد المواطن يرفع قضية فساد على مسؤول او سلطة لقناعته بان القضاء لن يحكم لصالحه ابدا، وبمرور الزمن تحولت تلك القناعة الى ايمان بعدم عدالة القضاء وان اصلاحه لا يتم الا باصلاح مجمل النظام . اما المستشارون فلم يكن دورهم تقديم استشارات للشاه بل تقديم التقارير التي يريدها الشاه ويود سماعها، اي بكلمة اخرى تحولوا الى مجرد موظفين تنفيذيين .
5-القوى السياسية المعارضة: ساقسم هذا الجانب الى شقين
أ-الليبراليين: لم يكن لهم تاثير قوي في الداخل الايراني، فهم كانوا مغرمين حد العشق لليبراية الامريكية ويحاولون نقلها الى ايران دون الاخذ بنظر الاعتبار خواص ايران. وكافراد فان غالبيتهم يعيشون خارج ايران
ب_الاسلاميين-الماركسيين-اللينينين : من امثال المجاهدين كانوا مؤمنين بان التعاون مع رجل الدين الشيعي واختياره في مناصب قيادية في هذا التنظيم سيسل عملهم اولا وثانيا سيمكنهم من الوصول الى قاعده جماهرية واسعة.
6-رجال الدين: لم يكونوا تنظيما الا ما بعد 1987، ثم بعد عودة الخميني وتصفيته كل معارض له، استطاع لم كل القاعدة من رجال الدين، الى درجة انه ولاول مرة في تاريخ المذهب الشيعي التي تعتبر كل دولة هي متخلفة لحين ظهور المهدي، فابتدع ولاية الفقيه.
في المقالة القادمة سنتناول عوامل تقوية ولاية الفقيه

لا تعليقات

اترك رد