صلاح عمر يحيط بالحركات الجامحة .. ومداها


 

كان ابن الثامنة حين غنى صلاح عبدالرحمن عمر (1978 ) مع والده عبدالرحمن صلاح المعروف بإسم بافي صلاح أحد أهم الأيقونات الكردية التي غنت للتراث و الفولكلور الكرديين ، و لصلاح تسجيلات صوتية في ذلك ، و مذ كان عمره (16 ) عاماً و هو يرافق والده كعازف بزق و عود في كل صولاته و جولاته ، الداخلية منها و الخارجية ، و رغم هذه المرافقة اللصيقة للوالد إلا أنه لم يرض أن يكون نسخة عنه ، فهو منذ البدء يصر على الخصوصية ، يصر على المغايرة و الإختلاف ، و ترسيخاً لخطه أصدر أكثر من ألبوم غنائي ، فهو كما قلنا سليل عائلة فنية تمتد إلى جدته كليزار يوسف وصولاً إلى جده الأكبر إبرامه تركو المغني الكردي الشعبي المعروف في منطقة عفرين

فالذي يلد في هذه البحيرة العذبة من الإبداع لا بد أن يتقن فن العوم فيها ، ولسنا بصدد صلاح المغني و العازف ، بل بصدد صلاح النحات و التشكيلي ، فرغم أنه درس النحت و الرسم في معهد الفنون التشكيلية بحلب بين عامي ( 1995 – 1997 ) إلا أن دفع عجلته إلى الأعلى في هذا الجانب لم يتم إلا حينما سافر إلى السويد منذ أكثر من عشر سنوات و إنضم إلى المعهد العالي للفنون ، قسم النحت و الديكور الداخلي و يتخرج منها بتفوق و يبدأ الإنخراط في المجتمع السويدي فاعلاً فيه ، و من موقعه كفنان و من داخل دوائرها إستطاع أن ينقل تلك العوالم الحسية و إدراجها في عمليات إدراكية تشكل كمّاً من المثيرات البصرية التي ستكون المدخل الذي سيقوده إلى إدراك ما هو خارج الذات

فيعيد بناء عناصر وفق مدركاته هو و بعمليات قائمة على خلق بنية جديدة مرتبطة عادة بتجربته في كيفية توزيع عناصر من طبيعة بصرية و إنتقاء الأميز منها للتعرف على مكوناتها و كأنه مدعو إلى عالم آخر فيه سيحدد حقله البصري و يفرش ثماره لنا، و من هذه الزاوية و بتوفر إمكاناته السردية تبقى نظرة عمر هي الأساس في تفقيس المعاني مع إستحضار تمثلات معرفية من وحداته التشكيلية البالغة التحول و المرتبطة إلى حد كبير بالأشكال والألوان والخطوط التي تشكل البنيات السيميائية لسلسلة أعماله بعلاقاتها المتنوعة في إطار معرفي و ما تفرزه من قيم و أحكام و التي ستمكن المتلقي من فهم البعد التشكيلي لجملة دلالاته المكتسبة أصلاً من الأحاسيس المنثورة في العمل بوصفها جوهر بل جواهر لمجمل منسوجاته أقصد أشكاله ذات البعد الجمالي ، القادرة على التعامل مع تلك التمثلات البصرية التي تختزنها ذاكرته ضمن إختيار يقبل التعدد ، و يقبل تقصي الوجوه المختلفة ، العابرة منها والمقيمة، فيستغرق في تأملها حتى يحيط بمراتب تجلياتها و يكشف أسرارها و ما تحمله من إشارات بمعناها الحسي والدلالي ،حاملاً آليات العبور من الباطن إلى الظاهر أو العكس ، لينفتح على كائنات العالم الآفاقي والذي لا يمكن أن يتم إلا بالتجرد والتنزه من محتملات المعاني التي قد تشكل عوائق لقبول التلقي

و هنا يسرع عمر إلى الإمساك بالصور من جانبها القيمي المعرفي أولاً ثم ضبطها من الجانب الموضوعي ، ففهم الباطن في مراتبه العليا سيجعله قادراً على الصدح في عوالم الصدى و قادراً على الإحاطة بمدى الحركات الجامحة في أرفع مدارجها ، فعمر لا يتساهل في إستغلال الشكل من جانبه الطقسي لبلوغ الإنبساط والإنسجام في صورها المتصاعدة على مدارج الإبداع والخلق ، و بالتالي على مدارج المعرفة و الوعي وصولاً إلى فتح آفاق أمام التبصر مع الإرتقاء باللاوعي في فضاءات مقتطعة ، و بناء عليه فإن عمر يثير نقاط متحركة من وحداته الإستدلالية و هي في حالتها القصوى أمام رغبة دفينة في الإبقاء على تلك العناصر الدالة على ملامح خصوصيته التي تتحرك داخل طبيعة أشيائه دون طمس لأي ركن مقموع ، فيخلي السبيل عن كل سياج كان من الممكن أن يكون عائقاً أمام ممكنات نصه الدلالي ،وفي الوقت ذاته يعود بمساراته إلى جذر الإنطلاق حيث الواقعة هي ذاتها لكن بدلالات مختلفة تبعاً لذهنية القارئ.

لصلاح عمر تجارب متميزة وبتقنيات مختلفة على النحت ، يكاد أنه لم يترك خامة إلا و عمل عليها ، بدءاً من الحجر و الخشب ومروراً بالقصدير والنحاس و وصولاً إلى بعض أنواع الفواكه والخضار ، و هذا من شأنه أن ينوع من أدواته وأساليبه مما يوفر له مفاهيم جديدة في الرؤيا تدفعه بدورها لتخوم جديدة لا تحتاج لوسائط معقدة ، بل تحتاج لسلسلة عمليات بها ينقل صور سمعية و ذهنية إلى وجود محسوس كصيغ تعبيرية تستدعي أشكالاً لامحدودة من التعيينات الملموسة قد تستقر عليها بدايات الفعل ذاته ، و لانهايات البصيرة ذاتها فكأنها في حالة كمون مستمر على أهبة الإستعداد للإنطلاق في عدد لايحصى من الإتجاهات للقبض على تلك الصفات المختلفة من خارج نفسه و مقارباتها بتحديداته الداخلية لإظهار تعابيره السرمدية على نحو يقربه من التوليد الميتازماني لحظة بلحظة ، ممتطياً أسئلة تدفعه إلى الخروج من اليم المتلاطم بيقين وأطروحة تتأرجح بين المسالك المختلفة لإعتبارات فنية جمالية تمكث في نشاطه الذي يحرض تجربته نحو الإختلاف ..

لا تعليقات

اترك رد