فراشة الوقت وتداعيات الألم

 

لم تجذبني غواية الذهب و إشراقة الفوز فقط لافتخر لكنني وقفتُ أمامَ ماسِ روحهِ وغواية صدقه و أصالتهِ ،فالشعرُ الصادق يورق في أرض الوجدان والفكر ليسقيهِ النبضُ ماءَ الطرب ِ والنشوة فينمو على ضفافِ الروح ولعاً بالسمو يزجيهِ نظمٌ من حبات القلب ،إنه العاشقُ الأغنى المتوج بالإعجاب المطبوع بالشعرِ الأصيل يفيضُ رقةً وعذوبة ، ومابين طيات الأسى والانكسار والحزن الدفين يسطعُ نجماً يبهر العالم بالرغم من طغيان الوقت الذي يكسرنا ويرهقنا …. الوقت الذي يُحمّلنا تبعات أطماع وجشعٍ وقعنا بين فكيه من الداخل والخارج فأنارَ جرحنا السوري بقصيدةٍ رائعة أفتتح بها حديثُ الضوء فنحن (( منسيون على قارعة الحرب )) ونحن ( الحاضرين ) في شعر علي جمعة الكعود بوجعنا السوري فها هو يضعُ يدهُ على الجرح بحكمة العارف المستبصر ليقول :
وطن/ يمتهن الصوم / ونُسّاكُ الحرب / المؤتمرون / بأمر الشيطان / أداروا / لله ظهورهم / صاروا تجار / لحوم ودماء وقضية / من صور الموت / وأضرحة القتلى / ألبوم النازح مزدحم / ……………………..
والنازحُ باعوا إنسانيتهُ بمزاد / أو كان / رهاناً / بقمار / رَسَمَ الموتُ /حواليه دائرة /وتخطّاه /كي يتركهُ / في قارعة الحرب / وحيداً / يقرأُ حصتهُ / في الأقدار وتحملهُ ريحٌ عبثية .
فهذه القصيدة هي قلادة الذهب في محفل (سيدني ) لجائزة الجواهري في الشعر العربي ، وعند ( فراشة الوقت ) أقفُ يُظلّني الوقت العصيب الذي تكوّنَ فيه الديوان الممتلئ لوعةً وقنوطاً وفقداً وغربة يعمي أزهار النشوة ويخمدُ لحن الفرح فتقف المشاعر على حافةِ الحزن في نسيجٍ وجدانيّ يسيطر ُ عليه عُقم الحلول مع سيطرة الوقت المنتظر للفرح
الأزمةُ حطت أوزارها بين أروقةِ شعره ،وبين سراديب الروح عششت كعنكبوت فتنهدَ الوقتُ مصلوباً مكبلاً :
تنهد الوقتُ مصلوباً في يدهِ / إناؤه الباتَ نضّاحاً بما فيه / يجادلُ الصبرَ مشدوهاً إلى سفرِ / وفي الحقيبة عنوانٌ يناديه .
فالحزن رفيقُ الكلمة والقنوط جناحها الثاني ، وذلك لارتدادات صدى الروح المعاينة لانكسارات الحرب ومَنْ أصدق من الشاعر العذب الشفيف ( علي جمعة الكعود ) ليصفها و يؤرخ للجرحِ في شعرهِ :
عمرٌ على جنباتِ الجرح منكسرٌ / ما زال يبحثُ عن عمرٍ يداويهِ / والوقتُ يهزأ بالأعمار قاطبةً / يظلُ يجري ولكن من يجاريهِ .
ونراهُ يسبرُ بحسه الشعري أغوارَ الحربِ والصراعات فيضعنا على عتبات الألم ويرصدُ حصيلةَ المؤامرة ويتفقدُ الجراح :
خبرٌ على التلفاز ينذاعُ / لتجيشَ آلامٌ وأوجاع /أدوا صلاة في كنيستهم / لا أرضهم تركوا ولا باعوا / صرخاتهم راحت على ملأ / تتلى فهل للكونِ أسماعُ ؟
فَ(أور ) بلد الحضارة العريقة تلك التي شهدت ولادة الدين الحنيف و احتضنت دجلة والفرات وكانت من أقدم المدن المأهولة يغزوها القتل والإرهاب وقد شبعت صرخاتها عويلاً من مقنعين باسم الدين يضمرون الإجرام والترهيب فهم مرتزقة الحرب لا أكثر :
يتذرعون بدينهم كذباً / وكأنهم للدين شرّاع / بغداد بات الوردُ في يدها / جمراً وللطرقات قطّاع .
فأمام هذا المشهد الدامي يحني رؤوس قصائده ألماً :
أحني رؤوس قصائدي ألماً / فلربما في الشعر إقناع .
فالوجع العربي هو نفسه لذلك نراهُ يستحضرُ روحَ درويش ليشاطره الإحساس بالغربة و الألم النازف الألم الفلسطيني الحاضر في الوجدان ويطلب من درويش أن لا يعتذر عما كتب لأنها الحقيقة :
لا تعتذر / عما كتبت / وولّ وجهك شطر أغنية / يرددها البشرْ / واكتب على كفنِ الخلود / أنا الذي ترجمت وحدي ما يبوح به الحجرْ .
ودرويش يستحق الوفاء من كل شاعر ملتزم بقضايا أمته كشاعرنا :
لا تعتذر درويش / شعرك رايةٌ / وضميرك الحي انتصر ,
والهول أكبر من الشعر فالتناحر بين الأخوة لم يعد مجرد طمع بل هو مجازرٌ من دماءٍ وقتلى ، وتشتت ودمار فنراه يستعين بالرمز التاريخي ( معاوية بن أبي سفيان ) حيث استولى بحد السيف على الخلافة ،فيسقط هذا الرمز على واقعنا العربي فيقول :
ومعاوية / عضّ تاريخهُ ندماً / واستفاق /على واقع / أثخنتهُ / هزائم أحلامهِ / لم يعد للوجودِ / وجودٌ / لبفهم سر وجود / القطيعة بين زمانيين /.
وهاهو النكر والجحود يمسك بناصية مأساتنا فالموت يأتينا من الداخل والخارج ، والكف العربي يجلد نفسهُ بعد أن ضاعَ من قاموسهِ معنى التسامح في (( صرخة وطن )) :
تنكرني وجهي وغابت ملامحي /وصار دمي ماءً بشرع المذابح / أنا الوطن المذبوح عن بكرةِ الردى / تقاسمَ لحمي أولياء المصالح / تكالب أبنائي وزاد عقوقهم / وأنكر أصحابي رباط التمالح / .
والطبيعة الريفية حاضرة في شعره الجميل ، يتلمس صورها ليسبغها على شعره الغزليّ بعذوبة وعفاف قلما نجدهما في الشعر الحديث اليوم ،حيث يعيدنا إلى الغزل العذري بروح (( علي جمعة الكعود )) :
سأحرث / قلبي بعينيكِ / فانتظري / عند قارعة الحب / إني تصحرت / رشي نداكِ / على رمل روحي .
ولكن الجرح الدفين ينضجُ على مجمرِ الوقت لا يترك لصاحبه بداً من الحزن ومكابدة الأسى ((رسالتها )) :
من مجمر الوقت / عرت أوابد شعري / وألقت بكاهلها / أجبرتني / على أن أغادرها / تاركاً نصف قلبي ,
فالعشق صار كالكابوس لا يستطيع التخلص منهُ (( كوابيس ليلية )):
لهواكِ كابوسٌ / يُعرِّشِ في دمي / بعد انتصاف الليل / حين تلملمين ذيول سهرة / وعلى / ضفافِ بحيرةِ الوجع / التقيتك مرة .
وفي (( رثاء قصيدة )) لم يعد للشاعر ظل لتأوي إليه المفردات فهو في حالة استكانة عاطفية تهب عليه ريح القنوط من كل صوب ، لم يعد الشعر الآن يسعفهُ في لحظاته العسيرة لأن الشعر صار قتيلاً :
أقيمُ النُصبَ / للشعرِ القتيلِ / و أرتدي / ليل الحداد / تحاول الكلمات / ترثي ذاتها الثكلى / ولكن لا حياة لمن !! / أمدُ يدي / أعزي النفسَ / أجبرُ / خاطري المفجوع / أكتبُ / فوق شاهدة العذاب / هنا / مقامُ قصيدة / لم يكتمل بُنيانها .
وعندما تعظم التجربة وتزيد في مرارتها يتفتح الحزن مرثيات للذات الشاعرة وتناقضاتٍ مابين رغبة الفرح والجموح باليأس المطبق على الروح فيأتي لسان الحال شعراً (( تيممتُ بالشوق )) :
حين جفتني / ورحتُ / أرتلُ عشقي / صلاةً / أبايعُ دمعي / ليخلفني / في إمارةِ حزني / أشيدُ / من ذهبِ الشعرِ / قصراً من الصبرِ / أنقُشُ / شوقي على بابهِ / ليصيرَ مزاراً / أطعّم قلبي / أرصّعهُ بالتميمة / كي لا يصابَ / بعدوى الهوى / من جديد .
فهو (( أرمل السعادة )) الذي رمته الغُربة على مذابحها الباردة فلا قلبَ يحنو ولا عين تدمع لحالهِ :
قذفتني أمي / من سجن الرحِم / إلى سجنٍ / تتقطعُ فيه الأرحام / .
فتشتت الروابط بين أفراد المجتمع يلقي بظلالهِ لينفطر القلب بألمٍ مضاعف ،فتغدو الأحلام أوهاماً :
و امتدت خارطة الأوهامِ / انهارت مملكة الأحلامِ / وصارت مدنُ الروحُ / خلاء / .
وهذا الحزن يرتديه الشاعر تحت جبة الشعراء أو يسير فوق رأسهِ كغيمة ،لكنهُ الملاذ الوحيد لإطلاق الأنفاس ونراهُ يكثرُ من ذكر الموت إثر هذا الحزن والانكسار فباتَ الشاعر (( آيلاً للقنوط )) :
أدركتْ / حرفةُ اليأس قلبي /و أدركني الهمُ / منذُ قَسَاوة أظفارهِ / رحتُ أجري / إلى مستقري / وحيداً / أناجي طيور العراء / أبقاً كالصدى / آيلاً للقنوط /يعذبني الشعرُ / يدركُ / سر اشتعالي ويذكي به / جذوة الانطفاء / نادراً للأسى / كل عمري ,
وحدهُ فقط الجنح الظليل الدافئ الذي يحتمي به الشاعر إنه جنح الأم الذي احتار في وصفهِ ،فلم يجد أسمى من كلمة (( أمي )) :
أمي / ويكفي لن أزيد / لأنها عندي / أهم من الوريد / أمي السماء / بكل زرقتها / بكل نجومها / والبحرُ أمي ……..
ونجده في هذا الديوان يلجأ إلى استخدام مفردات عصرية بابتكارات جميلة للمعاني فيقترب من الواقع ليحط على أرضهِ جذرهُ و يبسق بصفصاف المعاني فيبلغ سماء الذوق الشفيف وعذوبة النظم الجاذب للقلوب على وترٍ جديد ،فيستخدم (( مزاد ، و مصرف ، فوائد ، حجز ، رهن ،….))
إذ يطالعنا بعنوان ((مزادُ هواكِ )):
أنا لم أؤمن / على خافقي / فاحجزيه / وبيعي دمي / قطرةً …قطرة / في مزادِ هواكِ / خذي كل محتويات الفؤاد / اطبعي / شفتيكِ على بابه / شمعيه بحسنكِ / رشّي / عليهِ شذاكِ / سأرهنُ شعري / وديعة حب .
فنفحات الحزن والشكوى حالٌ استقرت في نفس الشاعر فجاءت منثورة وبكثرة في تضاعيف قصائدهِ ،بل نجدها قد استولت على معظمهِا ،فغدا الألم لصيقاً بروحه دون أن يستطيع التخلص منهُ فغدا شعرهُ ناراً حارقة :
لو استطيعُ / نفثتُ نار الشعر من صدري / وطلقتُ الكتابَة / وانتشلتُ بقيتي / من بين ألسنة الكآبة / لو استطيع / رهنتُ كل مشاعري / وقفلتُ كل نوافذ الروح / التي لُذغت بلفح الشعر / واشتعلت بأحزان الربابة .
فغزلهُ الحافل بالعفة يتمرأى على مرمى من الأفئدة المشغولة بالحزن فقليلٌ من الفرح يعزي هذا القلب الكئيب (( كثيرٌ قليلك))
كثير قليلك / حين تمرين / بالقرب من سور قلبي / وتقطف كفكِ / وردةُ شوك / وتودعها في أصيص اللقاء ………….
كثيرٌ قليلكِ / حين تُريني / بأن المسافةَ / مابين قلبين / همسةُ عشق وبعضُ غناء / وأن المدى / قبلة العاشقين / وأن القصائد / مكتوبة بدم الشعراء / وحين ألوذ / بصمتي / وتبتدعين طقوساً / فأضحكُ / بالرغم من حاجتي للبكاء .
ولغزل دمشق نكهته الخاصة فدمشق الأميرة التي تأسر القلوب بحسنها وبغنائية مرسلة رائعة يصف عشقه قائلاً :
دمشقُ حبيبتي الأغلى دمشق / لها في الروح أدعيةٌ وعشقُ / تغازلها النجوم ولا تبالي / وتعشقها النفوس ولا ترقُ /يحق لها الغرور إذا تثنت / وليس لغيرها أبداً يحقُ .
فالعشق لديه فسحةٌ سماوية يطل منها على بعض فرح ، فالمرأة لديه سفيرة السلام الروحي وهي سبب السعادة :
تطلين من حلمي / فيعودُ الهدوء / إلى غفوتي ويعم الصفاء / وحين تدسين / بعض السعادة في جيب حزني / وتعترفين / بأني بريءٌ / ولو غازلتني / جميع النساء .
وتستوقفني قصيدة (( يوسف )) الجميلة التي وردت في الديوان وهي معارضة لقصيدة الشاعرة ليندا إبراهيم (( زُليخة )) حيث يقتفي (( موضوعها وقافيتها ووزنها الشعري )) ليكمل بإحساسٍ جميل يشعل الحواس
وبعلامة علي جمعة الكعود الفارقة باحترامه للمرأة وتعزيز دورها في شعره قصة العشق التي أطلقتها :
أنا نصف الحياة وأنتِ نصفُ / وحسنك فوق سطح الروح يطفو /
ليضيء الرمز الديني وقصته مع الخيانة خيانة أشقائهِ ليربطهُ مع مكيدة زليخة إذ يقول :
مكائد أخوتي كانت فرادى / ولكن المكيدة منكِ ضعفُ / أبي ما زال مذهولاً حزيناً / وبئر الخوف جم لا يجفُ / وذئبٌ لم يكن يوماً بريئاً / تبرأ من دمي وكساهُ عطفُ .
ونؤخذُ بملامح الديوان الجمالية وشفافية طرحه للموضوعات الوجدانية المختلفة ،قافزاً بنا عن اللغة المعجمية إلى لغة عصرية تحمل على جناحيها عنصري الدهشة والجِدة ، بنهج حداثيّ جميل مثابر على العفوية والصدق محلقاً بنا كطائر مغرد ….. بعزف ناي مستدعيا إليه جميع طيور اللهفة الراعشة للحب والفرح المسربلة بريش الحزن الرابض فوق جناح النشوة فيطلب أن يغسل بالدموع كي يموت أكثر في وصيته ولكني وأنا في حضرة جمال شعرك يا رسول العذوبة أختلف معك في إطلاق النهاية :
إذا مت يوماً
فلا تغسليني سوى بالدموع
ولا تكتبي فوق شاهدة القبرِ
تاريخ موتي
وبعد ئذٍ سأموت كثيراً
الحزن يا شاعرنا يعيدنا إلى الحياة كطائر الفينيق نخلق من رمادنا كلما أحرقتنا نار الأقدار بوقود الحزن فكسرت فينا الروح ، ولو ذاك لما ابتدعنا الأمل رغم عثرات الوقت و انكسارات الروح ولأنك الأيقونة المضيئة (( علي جمعة الكعود )) التي لا تنطفئ بالدموع إنما تشعُ كنبراسٍ للشعر الجميل الوضاء في أدبنا العربي الحديث نحو أفقٍ مبتكر لبوح الفكر والوجدان سأنهي وصيتكَ هكذا (( وبعدئذٍ سأعيشُ كثيرا)

المقال السابقخيار الحرب
المقال التالىأنشودة الحياة ج9 رحلة في بهاءِ المروجِ
سمر الغوطاني من مواليد السويداء ، سوريا - حائزة على شهادة الإجازة في اللغة العربية - جامعة دمشق شاعرة ترسم بوحها الذاتي بموشور العشق فينثال اللون في بوتقة الروح لحنا دافئ الايقاع ، و عبقا لا يغادر الذاكرة ، نشرت العديد من قصائدها في الصحف المحلية ( الأسبوع الأدبي - الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد