كلمات … قبل الرحيل …. !


 

عملي كاعلامي .. كثيرا مااضطرني للتنقل والترحال بين مختلف القنوات التلفزيونية .. هذا التنقل كانت له اسبابه .. ولكل محطة تجربتها .. اغلبها محزنة ومؤلمة .. واقعها قريب من واقع بلادي التي تعيش في فوضى عارمة تغيب عنها القوانين وتتوارى فيها التشريعات خلف مسميات المال والسلطة …
ففي هذه المحطة الفضائية يتحكم فيها من خدمته الظروف وجاءت به الصدفة ليدير خطاب اعلامي يرضي به من فوقه … من فوقه فقط ولا احد غيره … واخرى يملكها من يقاسم السراق ماغنموا … وثالثة تكون سبيله للحصول على حصة من المشاريع الاستثمارية التي لاوجود لها .. سوى على ورق العقود ومخطط المباني وشيكات الدولارات … يدعونها بالمؤسسات وهي في الحقيقة (دكاكين) … لاتمتلك حتى نظاما داخليات يسمي الاشياء بمسمياتها … تدار بطريقة فردية … مالكها ومن ارتضى ان يكون تحته …. وكنت وغيري جزءا من هذه القنوات… نحاول يائسين الوصول لمنبر حقيقي نتحدث فيه عما يدور في ضمائرنا … لكن وكالمعتاد نفشل وبقوة … لتصفعنا الحقيقة … صفعة تلو اخرى … حتى باتت خبراتنا … تنتقل بين هذه الدكاكين كالاجير … الذي يتنازل عن حقوقه بالتدريج حتى يصل لامر لمستحقاته الشهرية … وكله امل بأن لايضطر من يعيلهم من السير في دروب كاكين اخرى …
احدى هذه المحطات التلفزيونية اختار مالكها … ان تكون في منطقة ريفية جبلية وجميلة … استغربت من هذا القرار … لكني وكالمعتاد لا املك قوة الاعتراض او قدرة التغيير .. لكني امتلك براعة الايجاب والمواققة … صدمنا جمال المكان فهذه منطقة هادئة بسيطة .. فيها الحياة رقيقة… نسمات الرياح فيها تحمل عطر الجبال التي احتضنت صفار الارض المفترش على مساحات مفتوحة .. يداعب اوديتها لحن خرير المياه الذي ينساب بخجل وحياء .. وهو يحمل اوراق الاشجار الصفراء بين رحلة واخرى ليعكس زرقة السماء التي احتضنت السحب البيضاء الرقيقة وهي تشكل لوحة تلو الاخرى .. لتداعب الخيال بحنين وحزن … هذه المنطقة لم تحمل اي هفوة في تقديرات الجمال والاناقة … الا حين قرر مالك قناتنا ان يخدش روعة هذا المشهد باقامة الته الاعلامية فيها ….
يوميا .. كنت اتي الى محطتي وهي مكان عملي من محل سكني .. حيث اسكن وحدي بعيدا عن عائلتي … اتنقل بين ثنايا هذه اللوحة الالهية الرائعة .. اهل هذه القرية يزرعون كل شيء ويعتاشون مما يحصدون .. ويبيعون منه ليشتروا من المدينة الكبيرة التي تبعد عنهم ساعات عدة .. مايلزمهم .. تعرفت بهولاء الناس بعضهم عمل معنا في فضائيتنا … طيبون .. رائعون … نقشت الطبيعة جمالها على محياهم .. كل فرد فيهم يملك ثلاثة الوان او اكثر … عيونهم زرقاء او خضراء او سوداء .. شعرهم اشقر بلون شمسهم الانيقة او اسود اكتسب لونه من ليلهم الحزين الهادئ .. بشرتهم صافية كصفاء مياه جداولهم .. احساسهم مرهف يحمل انغام الريح وهي تداعب اغصان اشجارهم …
كل يوم اسير في طريقي هذا متجه من محل سكني لموقع عملي وبالعكس … اعود حين غروب الشمس … ذلك الغروب الذي يشدني بما تبقى من خيوطه المنهكة الحزينة .. يشدني لذكريات الامس والحديث مع همسات اطفالي .. فشوقي لهم كشوق هذه الشمس للشروق مرة اخرى … كلانا يريد الشروق .. وكلانا يتمسك بما تبقى من خيوط … ليكون الليل الطويل .. بهدوئه ووحدته وحزني .. الذي اتقوى عليه بقدح الشاي وتلك الاركيلة الخشبية القديمة … التي لاتفارق وحدتي … ساعات مع هذا الليل الاسود الهادئ .. الجميل الممتلئ بالصور والذكريات …
تطرق الشمس بابي مرة اخرى … لاعود واسير في ذات الطريق … هذا الطريق الذي تسامح معي كثيرا وسهل خطواتي النشيطة على ظهره … لم يعد يستثقلني …
في منتصف طريقي هذا وحين اصل ذاك المرتفع الجميل وامام اطلالة المشهد على الفضاء المفتوح من الارض التي اتشحت باللون الاخضر .. كان يشدني منظر رجل كبير في السن … يبدو من بعيد من حيث اقف بأنه في عقده السادس او اكثر … منتصب القائمة .. طويل .. بملابس انيقة .. بقبعة سوداء غربية تقف بثقة على رأسه …
اراه كل يوم … يأتي في نفس وقتي …ونحن نسير بأتجاهين متعاكسين .. تفصل بيننا مساحة مريحة من الارض .. لاحواجز فيها ولامطبات ولاحجارة قاسية …
ياتي كل يوم في هذا الوقت ويجلس على جذع هو لبقايا شجرة عتيقة وضخمة يبدو انها شاخت وماتت منذ سنوات طويلة … حفرها ذاك العجوز او غيره لتصبح اليوم مسطبة تتسع لشخصين قريبين من بعضهما بالمسافة … يحمل بيده دورقا لسقي المزروعات … اراه يسقي شتلات اشجار عديدة … شتلات في بداية عطائها تقف بكل ثقة وعنفوان وفي نيتها اضافة المزيد من الجمال للوحة الطبيعة …
عدة ايام وانا اسير في طريقي … وكل يوم اراه … وهو يراني … انظر له من بعيد … وينظر لي من بعيد ايضا … اقرأ فضوله … ويقرأ فضولي … لكننا متقاطعان .. في الاتجاه والمسافة والزمن … عوامل كونية كافية لتقرر عدم اللقاء بيننا..
ارتضيت بفضولي وماتوفره لي عيناي من مشاهد لهذا الكهل وهو يسقي شتلاته بكل اناقة واحترام…
كل يوم تولد اسئلة بداخلي … عن هذا الرجل …من هو …. ماذا يفعل في هذه الارض الخالية … هل يعتقد بأنه سيعيش ليرى ما يسقي … هل سيستظل بظلهن .. ام يريد جني ثمارهن .. هل يأخذ اجرا … هل هو اجير … الا يتعب من الحضور كل يوم لهذا المكان … وهل .. وهل .. وهل … كلها اسئلة … تولد حين اراه .. وتموت حين يغيب عن بصري … في كل يوم ..
بعد مدة من العمل قررت الراحة في سكني ليوم واحد … خرجت في هذا اليوم لاذهب للسوق الصغير الذي تحتضنه هذه القرية وفي طريقي .. شاهدت ذاك الرجل وكالمعتاد وفي نفس المكان … هذه المرة بادرني هو بالسؤال … لم انت متأخر هذا اليوم عن موعدك .. صوت قوي بقرار عميق .. توجهت اليه … تبادلنا التحايا .. دعاني للجلوس الى جانبه على جذع الشجرة القديم …. اجبته بأني في استراحة اليوم .. فسألني عن عملي .. قلت له اعمل في الإعلام … فقال وماذا تعمل … قلت اروج وابرر واسوق لمن اعمل واهاجم واسقط واشوه من يكرهه .. قال اغلب القنوات تسير في هذا الطريق .. قال لي .. لا احب بنايتكم الحديثة .. هي لاتنتمي لهذا المكان .. لماذا اخترتم هذه القرية … قلت لانها رخيصة وهادئة ولاتكلف صاحب القناة الكثير من المال وارادها ان تكون قريبة من فيلته البيضاء التي تتصدر المشهد على ذلك التل … قال بأنه يعرفه .. وبأنه يمتلك الكثير من المال … سألني مرة اخرى من اين له كل هذه الاموال … قلت له لا اعلم .. اهله مغمورون وهو ليس ذكيا جدا ليصنع كل هذه الاموال .. لكنه يمتلكها الان … فاجابني : مثل هؤلاء لايمتلكون اي شيء … الا المال …
فاجأتني اجابته العميقة … هنا بادرته بالسؤال وقلت له … انت ما حكايتك .. ولماذا تأتي كل يوم في ذات التوقيت وتسقي هذه الشتلات .. ماهو عملك .. وهل لديك عائلة .. واين هم ..
تأمل المنظر امامه … اخذته مدة من السكون … اتكأ على عصاه التي يحملها معه دائما … وقال اسئلتك قاسية … والاجابة عنها مؤلمة لي … لكني سأجيبك ..
ولدت في هذه القرية … ورحلت عنها بعد وفاة ابي وانتقلنا مع امي واخوتي للمدينة عشت هناك ودرست في مدارسها .. وتوظفت فيها … لكني تعلمت من هذه القرية في صغري ان كل شيء فيها بنظام وبقانون … الماء يجري بنظام والعصافير والطيور تحصل على رزقها بقانون الاشجار تثمر بنظام .. واهل القرية وضعوا قوانينهم وساروا عليها حتى حافظوا على جمال وروعة قريتهم… هذا النظام لم اجده في المدينة .. وقررت ان اخوض المعارك حتى افرض النظام واطبق القانون فيها … معارك مع المدينة واهلها لاكثر من اربعين عاما … كلها باءت بالفشل … اربعون عاما … ذهبت ادراج الرياح … الناس هناك لايستيقظون صباحا … لايسيرون على الارصفة … التي امتلكها اصحاب المقاهي والمحلات والمطاعم … لايعرفون بعضهم .. يحاربون بعضهم .. يعيشون في تجمعات حتى يحمي بعضهم بعضا .. لا انظمة لهم ولا قوانين … بلداء … اتكاليون … كسالى .. بلا طموح وحياتهم دون هدف … عشت معهم سنوات طويلة حاولت التغيير … تأثر بي البعض القليل … لكنهم لم ينجحوا جدا في هذا التغيير … عاشوا مثلي في غربة … حتى اولادي … لم يعجبهم نظامي … فضلوا تلك العشوائيات على النظام والقانون والترتيب …
في عملي كانوا يعجبون بأفكاري طروحاتي … لكنهم كانوا يعرفون ايضا … ان لا مكان لتطبيقها معهم … ارادوا مني ان اكون مثلهم … لم انجح … بقيت لوحدي …
وها انا ذا اعود … مرة اخرى الى بيتي القديم … الذي لم يزره اولادي الا مرات قليلة ولايام قليلة جدا … كانوا يصفون هذا المكان بالمقبرة لهدوئه … فقد اعتادوا الصخب في كل شيء .. حتى اخلاقهم …
عدت الى حيث انتمي … عدت الى حيث النظام والجمال والتوقيتات … لاعيش ماتبقى من حياتي في هذا الجزء من بلادي التي لم تصله بعد يد التشويه … وارجو ان اقضي نحبي قبل ان تمتد اليها يد صاحب قناتك الاعلامية لتشوه هذه القرية … خاصة وانه اشترى فيها مساحات واسعة وحصل على عقود استثمار فيها …
في غضون سنوات قليلة ياعزيزي .. سيبني فيها صاحبك المولات وسيزرع الخرسانة والحديد في اركانها بدل الاشجار والجداول … كما قرر ان يجعلها منتجعا مشوها برسوم هندسية وبزوايا حادة ليستقطب العشوائيين … الذين تستهويهم فكرة تغيير كل شيء وبأي ثمن … يمزقون كل ماهو جميل ويشوهون كل ماهو نظامي … حتى سراويلهم الجديدة مزقوها وشعورهم شوهوها وصبغوها بالوان مضحكة وقاسية …. المتمردون سيقضون على هذه القرية وسيستبيحون عذريتها … حينها لا اريد ان اكون موجودا لاشهد زوال اخر موطئ قدم لي في هذا البلد …
ازرع شتلاتي هذه … وانا اعلم من غيري بأني لن استظل بها … وبأنها لن تملك الوقت الكافي ليكون لها ظلا … لكني اسقيها كل يوم … وفي داخلي ذاك الامل الذي لاينطفئ ولايموت … والذي يحدثني دائما بأنتصاري في اخر معاركي .. وبأني سأهزم كل هذه العشوائيات الفكرية والمكانية … وانا اعرف بأنها لن تتعدى حدود مخيلتي المتعبة …
اما انت ياعزيزي الاعلامي … ستروج لهذا المشروع الصناعي الجديد في هذه القرية … وستبرر قلع الاشجار وستعلن تشغيل الفلاحين في مشروعك ليخدموا الحدائق الصناعية فيه .. بعد ان كانوا يزرعون ارضهم .. وستجني الاموال انت وصاحب دكانك …. وستزول اخر بقعة عذراء من هذه الارض … ليحل محلها مشروعكم الجديد المشوه …
انا سأرحل الان الى بيتي … واستمتع بما تبقى لي من دقائق وساعات مع هذه الاجواء القديمة …. جذوري ممتدة مع جذور اشجار قريتي … هي من ستقتلع اولا … حتى لا اشهد اقتلاع باقي جذوري …

لا تعليقات

اترك رد