بعض مؤثرات في المنظومة القيمية ونتائجها فردياً جمعياً

 

لعل أبرز ما يجابهنا في قراءة ما ومن يحرك ذهنية المواطن العراقي هي تلك الظواهر المرتبطة بمستوى المعرفة والمنطق العقلي وما ملأ التفريغ والتسطيح من جهة وحال التشوهات فيه من جهة أخرى.. وكلنا يدري كم انهارت المؤسسة التعليمية ومؤسسات الثقافة وكيف تمّ هزيمة الخطاب الثقافي ومحاصرته في نطاقاته الفردية!

إنّ ظاهرة التجهيل وإشاعة التخلف وتسطيح الوعي وتفريغه من محتواه المعرفي المعاصر رافقتها ظاهرة أخرى تعبر عن الثقافة الاستهلاكية المرتبطة بخطاب المصالح الفردية وتكريس طابع الأنانية وانهيار القيم السلوكية السليمة بخلفية (النهم) أو (الإفراط) في اكتناز المادي بعيداً عن الضرورة والأولوية وسد الحاجة عميقا حيث المتعة لا تكمن بالاكتفاء بل في الإغراق والتمظهر الاستعراضي في منافسة الآخر في الامتلاك المادي…

إنّ منطق الخرافة والتخلف الذي يتمَلَّك المرء وذهنيته هو أساس الفراغ الذي يوفر الاستعداد للامتلاء بقيم مرضية كما قيم النزعة الاستهلاكية.. وهي نزعة تترك الأدبي المعنوي وتبتعد عن أنسنة الوجود لتُعلي عبر روح أناني من أهمية المبالغة والتهور الاستهلاكي المادي، حتى يتحول الإنسان نفسه إلى قيمة مادية تتحدد بالمال فيتحكم الأخير بوجهة الإنسان وأنشطته…

وفي وقت تحترق أعصاب المواطن المبتلى بوضعه المادي، تتضاعف النتائج عندما نعلم أن الأزمات الاقتصادية الاجتماعية تعصف بالمواطن الذي لا يمتلك إمكانات الاستفادة من الخدمات التي تستعرض وجودها بطريقة مثيرة لنزعات الاستهلاك المرضية…

بالمقابل تداس القيم في ضوء إفساد يُغرق في تكديس المشتريات والبضاعة المادية بلا حاجة فعلية.. إن هذا المواطن يندفع إلى الاقتناء ليس من باب الحاجة والضرورة بل من باب الجذب وقدرات العرض وطابع العلاقة والمتاح فيها في اللحظة العشوائية بل الاعتباطية…

في هذه البيئة، يكون السعي الجوهري ليس تطويع المنتجات للحاجات من بوابة الأنسنة بل اللهاث خلف بريق المعروض بمنطق الجذب الهلامي للمنتجات المختلقة في طابع احتياج المواطن لها..

إنّ هذا اللهاث يقسو على البنية النفسية الذهنية للبسطاء ويضعهم على مسار منحرف يتشوه بمقدار السحق الذي يتأتى من همجية التوجهات التي تترسمها قوى الاتجار بمنتجات وهمية بقصد جني مزيد الأرباح من جهة وفرض علاقات إنتاج من النمط (الاستهلاكي) لخدمة مآرب بعينها تُفسد بطريقها ونهجها الفرد مثلما تُلحق أفدح الأضرار بالمجتمع…

إنّ مجرد تسويق (النزعة) الاستهلاكية بطابعها المادي السطحي الرخيص يخلق اتجاها سلوكيا محملا بالقيم السلبية فيما يخلق العقبات الكأداء أمام فرصة لقبول حتى ذكر القيم السامية في حوار باختلاق جدران بوجه منافذ الحوارات النبيلة..

إن مشاغلة العقل بمنطق الاستحواذ والتملك وأن لا حياة من دون تلك المظاهر هي اعتقال لذاك العقل وتمهيد لملئه بمنطق الخرافة من جهة وبالأخرويات القدرية التي تمعن في تكريس العجز البشري أمام الوحش الاستهلاكي المالي المادي بكل ما ينفخ فيه من منتجات مختلقة الحاجة أو الضرورة..

وهكذا فإن التوجه إلى السوق بلا قائمة مسبقة محددة للتسوق تمهد لنهم وإفراط في أخذ المواد التي لا تدخل بمسمى الحاجات او الضرورات ولكن المشكلة ليست في طريقة الصرف بل ما ستؤدي إليه من اندفاعات سلوكية تقبل ممارسة الوصول للمال بـ((كل السبل)) ومفردة ((كل)) لا تعني سوى إقرار السلبي المنحرف أو المشوّه من القيم وما تقتضيه من سلوك غير سوي..

من هنا وجدنا عراقيا في مجتمع ما بعد 2003 أن الناشئة الذين تربوا بهذا الظرف كانوا أسهل توجيها نحو إعلاء قيمة العنف والمال حيث معنى القوة عند ذاك المشوه بأنية استهلاكية النزعة لا تكمن إلا حصراً في العنف وطاقته المتفجرة المدمرة والمال وقدرات الاستحواذ فيه..

إنه اي ذاك المواطن المشوه الثقافة يحيا بطريقة عيشني اليوم ولْأَمُت في الغد ومعنى عيِّشني اليوم معادل لأعطني المال وسطوته وحماية البلطجة العنفية وهو ما لن يتوافر إلا تحت جلباب المعمم وعمامته التي تتستر على حقيقته اللصوصية المافيوية..

إذن، ما أثَّر اليوم على اتجاهات القيم السلوكية وعلى الوضع الاجتماعي هو ظاهرة تكريس النزعة الاستهلاكية تلك التي شادت الأبنية التجارية ومعارضها الكبرى من ((مولات)) واسواق بتنوعاتها الأمر الذي أفضى لسحق الوضع القيمي لأنسنة الحياة ووجهها إلى حيث الانحدار بها والتدني إلى حيث أسوأ الأوضاع الإنسانية..

الحيوان توجهه غريزته لالتهام طعامه ولكن المشكل في الإنسان أنه يتجاوز تلك النزعة ليفرط في أمر يضحي بإنسانيته ويتحول به إلى عدوانية تبررها الأنانية من جهة وكل منظومة قيم النزعة الاستهلاكية التي تسطو على منطق حركة المواطن وتصرفاته لا الفردية بل الجمعية، عندما يصبح البطل والوجيه والقائد هو من يمتلك الأموال وعصاها السحرية وليس من يملك الرؤية والبصيرة وحكمة العقل العلمي…

إنّ التخريب الأخطر هنا ينفذ عميقا في الوجدان الفردي والجمعي بما لا يسمح لأصحاب العقل من إيجاد فرص حوار وإنقاذ الوعي العام وتوفير ثقافة تعالج تشوهات القيم والسلوكيات…

فيصل المجتمع وهو حاصل بالفعل، إلى منطقة لا يصحو المصاب بتلك النزعة إلا بمصائب وهزات أكبر من ثورات داخل الأنفس بل تكون بحاجة لمنطق الصدمة بأقصى مستوياتها مثلما تتطلب بعض حالات الهستيريا لصفعة تعيد الصحو للعقل المنهار والمنفلت من عقال التصرف المنطقي…

إن خلق بيئة نوعية مختلفة تستدعي خلق منظومة اقتصا اجتماعية جديدة ومرحلة انتقالية مشروطة محكومة بقوانين فيها من الضبط ما يتطلب الفرض لحين الوصول إلى أرضية تساهم باستعادة تحريك العقل بمنظومة قيمية سلوكية مختلفة وغلا فإن طابع الوعي في ظل تلك النزعة لن نجده غلا حيث الخرافة تُعلي من الطائفية وفلسفتها ونهجها ومن ثم في إسقاط القدسية على تلك الانحرافات التي يجري غض الطرف عن عمق تشوهاتها ومخاطر سلبيتها سواء بما تبقى من وعي أم بما ساد من تخلف وتجهيل…

وأترك الإشكالية لمزيد دراسات من متخصصي علوم الاجتماع والنفس والاقتصاد وغيرها بحسب زاوية المعالجة لخطورة تلك الإشكالية وأولويتها اليوم.. فهلا وعينا ما نحن فيه؟؟؟

القضية تشمل مجتمعاتنا بدرجات متفاوتة ولكن النموذج العراقي يظل صاحب السبق في شرخ ما حصل فيه من انهيار وتردي.. وسيكون عدم الاعتراف بالحقيقة مجرد عنجهيات فارغة لن تؤدي بالمجتمع إلى طريق التغيير بقدر ما ستأخذه بل تجرّه إلى هاوية أعمق من تلك التي نراها اليوم…

إن المعضلة لا حل لها بالمواعظ وإيهامات ما تستعرضه ولكنه في تغيير النهج الكلي نوعيا واول ذلك إنهاء طابع الاقتصاد الريعي ووقف عبث سطوة اليد الطولى العليا للموازنات التشغيلية على حساب الاستثمارية ووقف إغراق السوق بالاستهلاكيات المزيفة مقابل سد الحاجات الأساس لا المادية فقط بل الروحية الثقافية ايضا وبأولوية لها…

هناك مشروعات وبرامج تستطيع أن تقول كلمتها وتوفر الرد البديل ومعالجته ولكن الأمر ليس بين يدي عناصر الإفساد المافيوية المحمية بالعمامة المزيفة، وبريق ما يسمى ديموقراطية القوي يلتهم حقوق الضعيف إنّ شروط الديموقراطية تتمثل بوجود مجتمع مدني وهذا مشروط بعلاقات إنتاج ليس بينها الاقتصاد الريعي ومنظومته القيمية…

إن ما نسميه فساد لا يتطابق ولا يلتقي ايضا بأي شكل مع ما يسميه المعمم المفسد فساداً ولابد من الانتباه على معاني الإفساد للنزعة الاستهلاكية ومخرجاتها القيمية السلوكية بما لا يبرر ولا يسوق لخطاب التخلف ومنق الخرافة والإيمان القدري المحبط لحركة التغيير بوجود الإنسان وترحيل الثمن و(الأجر) لعالم غيبي لم تنق به حتى الأديان بنصوصها الأصل..

لا تعليقات

اترك رد