السخرية العابثة في مواجهة واقع بائس

 
السخرية العابثة في مواجهة واقع بائس

قراءة أولية في المجموعة القصصية(البر الآخر) للقاص /محمد أبو الدهب

صدرت هذه المجموعة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة _سلسة ابداعات269
هي رؤية ذاتية خاصة بالكاتب تكمل ذات الرؤية في مجموعاته القصصية الثلاثة السابقة(آخر الموتي /نصف لحية كثيفة/نزهة في المقبرة ).
تلك الرؤية التي تقوم أساسا على فكرة خلق عالم آخر موازي للعالم القائم يتشابك معه لكنه لا يلتقيه أبدا .هذا العالم المتخلق من تفكيك ومن ثم إعادة تركيب وترتيب الواقع الفاشل البائس كي يكون أكثر نجاحا وجمالا.
أحسب أنها فكرة عميقةورؤية فلسفية حول الشك في كل ما هو ثابت ومستقر و مألوف في هذا الواقع.
واجه الكاتب في قصصه ذلك بموجات متلاحقة من السخرية بحس عبثي وكأنه يخرج لسانه في مواجهة هذا الواقع السيئ من خلال خلق واقع أخر صالح لاستمرارية الحياة فخلق (البر الآخر ).
معظم القصص جاءت متماسكة صلبة وتجمعها وحدة سردية أطاحت بالمألوف اجتماعيا وسياسيا ودينيا
تعدت حدود السخرية في بعض الأحيان إلى التشكيك الجدي في ماهية وجوده أصلا في لحظة زمنية مرتبكة ومستعصية على الفهم فكان البر(الواقع القائم )/ البر الآخر(الواقع المتخلف ).
(حكم المجتمعون بأني إذا مضيت في طريقي،فسأفسد طاقة مواجهة الحياة !)ص18 قصة صاحب الدعوة.
( وهأنذا في أبعد ركن عن محراب المسجد الشهير _تاركا عملي دون إذن_ لأني _على ما بدا لي _ واجهت الحياة أكثر مما ينبغي .)

(صرت قريبا جدا من نفسي…. بعيدا جدا عن الله )جملة كتبتها فجاءت زوجتي في الصباح منتخبة تقول : متتكلمش عن ربنا بالطريقة دي تاني وإلا هتخسرني.!!
نحن أمام ذات حائرة متشككة إذا اقتربت ابتعد الأخرون عنها وإذا توقفت تحركوا وإذا مالت يمينا مالوا يسارا، وإذا صلوا لله ،لم تصلي ،وإذا جلست وقفوا وهكذا
(هذا الوجه مكتئب جدا يا الله?! ،قلوبهم تتساءل وسجائري تتوالى، وكنت الوحيد الذي لم يقعد طول الرحلة ) شرود ص33
هذا هو محصلة رحلة التعب والألم ، رحلة المواجهة الكاملة لهذا العالم البائس، رحلة الحركة المستمرة لتفكيكه وتحويل مساره.
( على كوبري المشاة المدهون بالأزرق، كان الناس من حولي بعيدين عني ،مع أنهم يلوحون بالأكياس مثلي ،ويلبسون قمصانا على بناطيل مثلي ، ويطفئون سجائرهم قبل نزول محطة المترو مثلي .) قصة حساب قديم
فالمسألة إذن ليست في البعد أو القرب مكانيا بقدر ماهي في الرؤية لذا ظل الكاتب من الوضع واقفا وحده في البر الآخر طوال رحلة التأمل للعالم من حوله حتى طال وضع الوقوف فدعي الفقهاء والعلماء وكبار الناس إلى مؤتمر كبير تكون نتائجه أن يتحرك أحد البرين للبر الآخر،فشل المؤتمر فلم يجد بد( رميت بسؤالي بين أحضان المقابر مستجديا الجواب فاستعصي ،فقلت أما أن اردم الترعة ، أو أن اهدم القنطرة )

ومازال السؤال مطروحا ، والجواب مقترحا !!

لا تعليقات

اترك رد