((فريد بركات ..الشاعر والمثقف))

 

لقد فقدت الحياة نكهتها واستبد بنا الجهل والظلام والبؤس المادي والفكري ، بعد أن طغت النفوس الملطخة بالدماء والسواد وجهنمية الأفكار الصلدة لوجوه جامدة وعابسة .

المثقف في بلداننا محاصر بالجهل والعتمة وثمة أياد قذرة تكتم أنفاسه وترمي بثقلها لإخراجه من المشهد الثقافي والعمومي وتكسر كل الصواميل التي يستند عليها لجعله وحيدا وغريبا بلا سند ولا عضد :

((ما أصعب أن يكون المرء مبصرا في مجتمع أعمى )) “جوزية ساراماجو”.

لقد أصبح واضحا لكل عين ذي بصيرة أن سياسة وضع السيف في الحلقوم وجرف الثروات خربت البيئة الوطنية وافترست المستضعفين وهمشت المثقفين ودمرت العمران المادي والفكري بشعارات مكياجية وبكراهية عمياء تستخدم فيها أخس ضروب الحيلة لتفتيت اللحمة الاجتماعية ولقص ألسنة الفهماء وبتر أجنحة المثقف وجعله منفيا خارج أسوار المجتمع والعلاقات الإنسانية الدافئة يتجرع المآسي القاتلة ويفقد الثقة بالآخرين أو كما قال جان يوجل :

((إذا شعرت بالحاجة إلى يد دافئة فأمسك بيدك الأخرى فلا خير في أحد في هذا الزمن )).

لقد غادرنا إلى هدأته الأخيرة الأستاذ/فريد بركات يوم السبت 18مايو2019م، في وقت عصيب جدا ولازمني احساس مزمن بالحزن : ((ولم يعد في قلبي مكان لرصاصة جديدة )) “محمود درويش “.

فريد بركات (1946- 2019م) – شاعر ومثقف رقيق الحاشية بهي الطلعة لطيف الشمائل ، عاش حياة مضطربة مغموسة بالمحن والآهات والزفرات الحزينة .

لقد مات منذ عقود قبل مماته الحقيقي عندما رأى بأم عينيه الظلمات المطلسمة والجمود وسخافة العقل وتدمير أوصال المجتمع .

انكسر وشاخ وهدته الأمراض وتيارات الزمن وكوارث الأيام ، عندما تغيرت ملامح خارطة الحياة وأوغل الأقوياء في الظلم وخرجوا عن محيط الانتظام العام

وبلغ الطيش والعسف والاجحاف مرتبة عليا بمنهج يتقوم على الإذلال وفلسفة القمع وكتم الأنفاس .

بين حين إلى حين كنت التقيه في شارعنا وكان يرمقني بنظرة ويضحك ضحكة ساخرة بنبرة حزن متشظية ، يضحك من زمن أغبر دهس بأقدامه قواعد الانضباط والوئام ورونق الجمال والتمدن وآدمية الإنسان .

لا مندوحة لي من القول ، أني كنت أشغف كل الشغف بشعره الغنائي المغنى بصوت الفنان / أحمد قاسم ، ومعجباً بأطروحاته الفكرية والتنويرية عندما كان يافعاً في أوج قوته الفكرية والبدنية وله حضور وازن في المشهد الثقافي العمومي ، وكان صاحب صيت ومكانة مرموقة قبل أن تدور الأيام دورتها المرعبة وقبل أن ينهشه المرض وتهده الشيخوخة والمحن في شبكة الحياة اليومية وفي محيط صاخب بالحرب والشقاء والفقر والخراب المادي والمعنوي .

لقد شغل في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين مناصباً ثقافية رفيعة أهمها : وكيلا لوزارة الثقافة ، مديرا عاما لتلفزيون عدن ، رئيسا لتحرير مجلة الثقافة الجديدة ومجلة قضايا العصر .

بعد أن علا به السن عاش حياة مؤلمة منزوعة من الأفراح مترعة بالمكابدات النفسية والروحية التي تعكس الأوضاع الزميته التي يعيشها أفراد الشعب الخالية من السكينة والرضوان ، فالناس مكبوحون بقوة القهر والسلطان والفساد .

لقد لقي الأستاذ فريد بركات من الجهلاء شراً كبيراً من ذوي النوايا غير الحسنة أصحاب الألسن الطويلة الذين يسعون إلى تشويه كل وجه شريف (( الصدمة المؤلمة ، أن يجرحك من مسحت له دمعة حزن )) ” جوتفيرد لابتيس ” .

لم يترك هذا الزمن الرديء مساحة للفن والفكر والعلم والشعر والموسيقى و الخيال البديع ، لم يترك مساحة للابتكار ولعمارة الأرض ونهضة العقل ونماء الإنسان ، لقد التهم كل المساحات الخضراء في النفوس وأصاب العامة بشلل اجتماعي وروحي وحقن المجتمع بنزعه عصبوية تدميرية تحمل بصمة متصحرة تفتك بجمال الجسد والروح والمشاعر وثقافة العيش المشترك .

لقد تحولت حياتنا إلى حروب وحرائق ومآتم وأحزان تعلو في سطحها مشاهد الفوضى والفساد والكيد والضغائن ، وأضحت مسرحاً للاحترابات والغنائم ومصدراً للارتزاق .

وداعاً صديقي المبجل / فريد بركات تغمدك الله بواسع رحمته وانا لله وانا اليه راجعون .

لا تعليقات

اترك رد