صاروخ لقيط يفجر البطولات الوهمية


 

جاء صاروخ الكاتيوشا الذي إستهدف السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ليكشف حقيقة التهديدات التي أطلقها النظام الإيراني وأذرعته في المنطقة، ويبين انهما ليسوا أكثر من نمور من ورق، وان أبواق الإعلام الإيراني ووكلائه في العراق وسوريا ودويلتي حسن نصر الله والحوثي، لم تكن أكثر من جعجعة بلا طحين، فسرعان ما تخلى الجميع عن المسؤولية وأخفى عضلاته تحت عبائته، عندما تكون المواقف حاسمة تنكشف الأوراق حتما، ويتبين القوي من الضعيف، والأقوال من الأفعال، قد تكون الحقيقة مرة، ولكنها مرارتها تكون أكثر عندما نحاول إخفائها.

جاء تحرك المملكة العربية السعودية لعقد مؤتمري قمة الأول للجامعة العربية، والثاني لمجلس التعاون الخليجي في نهاية شهر آيار الحالي لمناقشة التطورات الجديدة في المنطقة بعد سقوط الصاروخ اللقيط على السفارة الامريكية في العراق، واستهداف محطتي للنفط في السعودية من قبل ميليشا الحوثي الموالية لإيران، وإستهداف اربع ناقلات نفط في الإمارات العربية المتحدة، وتلاها سحب الولايات المتحدة موظيفيها الدبلوماسيين في العراق، وتحذير مواطنيها من السفر الى العراق، واجراءا سرية وعلنية.

من جهة ثانية أكد اعضاء في الكونغرس الامريكي في اجتماع خاص بشأن التهديدات الإيرانية” ان على النظام الايراني ان يغير سلوكه”، محذرا من استهداف المصالح الامريكية أو أي من حلفائها. وعبرت (فريدريكا ويلسون) عضو مجلس النواب الامريكي عن الحزب الديمقراطي عن إعتقادها بأن الرئيس ترامب” يمكن أن يشن حربا على إيران، دون أخذ موافقة من الكونغرس”. وما يعزز قولها قرار الرئيس الامريكي بإرسال (10000) جندي للشرق الأوسط لردع النظام الايراني وتعزيز الأمن في المنطقة، وارسال حاملة الطائرات لنكولن الى الخليج، وربما يكون المنظر الإستراتيجي كيسنجر على حق عندما ذكر بأن طبول الحرب تقرع، وان من لم يسمعها لديه مشكلة في السمع، وهذه الجدية الفعلية والكلامية من قبل الإدارة الأمريكية ايقظت النظام الإيراني ووكلائه من غفوتهم، لكي يعرفوا حقيقة حجمهم، فالأرنب لا يمكن ان يكون بحجم الفيل، وليس من الحكمة ان يواجهه. لذا تغيرت لغة النظام الإيراني من النهديد والتصعيد الى الدبلوماسية الناعمة، إعتبارا من مرشد الثورة الى الرئيس روحاني وقيادات الحرس الثوري، ويبدو أن النظام الإيراني وجه وكلائه في العراق وسوريا ولبنان واليمن أيضا بالتخفيف من لغة التهديد، فالمطرقة الأمريكية قد رفعت، ويمكن ان تهبط على رأس كل من يهددها وتسحقه، لقد إنتهت حرب التصريحات، وجاءت فترة التهدئة، وتغليب العقل على العاطفة.

فقد صرح (حشمت الله فلاحت) رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الايراني” ان ايران لا تخوض حربا تحت اي من الظروف مع الولايات المتحدة، لا مباشرة ولا عبر وكلائها، ولا يمكن لأي جماعة ان تدخل في حرب بالوكالة عن ايران، مؤكدا ان مرشد الثورة الخامنئي أكد بأن سياسة النظام الايراني ليست الحرب”. وقال وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف في لقاء مع شبكة (سي ان أن) بأن” ليس من مصلحة ايران التصعيد، وأوضحنا اننا لن نقوم بالتصعيد، واذا حصل تصعيد فهذا يعني الدخول في تداعيات خطيرة على الجميع”. الحقيقة ان قول حشمت ( عبر وكلاء) يؤكد بأن الحشد الشعبي وحزب الله والحوثيين وغيرها من الميليشيات الأفعانية والباكستانية هم وكلاء للنظام الإيراني بإعتراف فلاحت نفسه.

بلا أدنى شك أن التراجع الإيراني المخزي يترك ورائه حقيقة واضحة للجميع وهي ان الحرب الإقتصادية قد تكون أكثر ضرارا على الدولة من الأعمال العسكرية، وهذه الحقيقة عاشها العراقيون خلال فرض الحصار الأقتصادي على البلد بعد المغامرة الطائشة للنظام من خلال غزو دولة الكويت

الشقيقة. بل أن (سعيد جليلي) ممثل المرشد الإيراني في مجلس الأمن القومي صرح بأن” العقوبات الأمريكية على ايران توازي حربا عسكرية شاملة”.

ويبدو ان التراجع الأيراني إنسحب على أذرعه في المنطقة، من المعروف أن قائد الحرس الثوري أمر ميليشيات الحشد الشعبي يالتهيؤ للحرب القادمة، وعبر زعماء الحشد بأنهم على إستعداد كامل لتفيذ توجيهات الحرس الثوري الإيراني، ويمكن الرجوع الى تصريحاتهم بسهولة، ولكن يبدو أن الصاروخ اللقيط فصل بين الخطين الأبيض والأسود، فسرعان ما تنصل زعماء الحشد من المسؤولية، فقد جاء في بيان لحزب الله العراقي” إن قصف المنطقة الخضراء غير مبرر، وأن توقيته غير ملائم”. وقال قيس الخزعلي زعيم ميليشيات عصائب أهل الحق” إن الحرب المفترضة ليست من مصلحة إيران ولا امريكا”. وصرح (هادي العامري) زعيم ميليشيا بدر بأن ” إن من يحاول إشعال فتيل الحرب إنطلاقا من العراق، هو أما جاهل أم مدسوس”.

لكن اليس من المفترض أن تدعي هذه الميليشيات المسؤولية تناغما مع استعراض عضلاتها وتهديداتها السابقة بإستهداف المنشئات والمصالح الأمريكية؟ ولماذا تبرأت من المسؤولية؟ هل صار ضرب سفارة الشيطان الأكبر ومصالحه أمرا غير مرغوب به؟ وأين توجيهات المرشد الأعلى والجنرال سليماني وجعفري وغيرهم؟

الأغرب منه ان رئيس الوزراء العراقي حمل الميليشيات الشيعية وحدها مسؤولية أي عمل عدواني تقوم به ضد المصالح الأمريكية، منوها ان الحكومية العراقية تحافظ على المصالح الأجنبية في العراق، والإعتداء عليها يعني الإعتداء على الحكومة المركزية. والأنكى منه ان النظام الإيراني تبرأ من أذرعه زاعما بأن أي عدوان على المصالح الأمريكية من قبل الميليشيات المسلحة لا علاقة لإيران به ولا تتحمل مسؤوليته، اي كل يتحمل جريرة عمله.

ويبدو ان هناك وجهات نظر متباينة حول إستهداف السفارة الأمريكية:

1. سيناريو امريكي، حيث قامت القوات الأمريكة بإستهداف سفارتها لإيجاد مبرر للرد العسكري. لكن ما يبطل هذا الزعم ان القوات الأمريكية لم ترد على هذا الإعتداء.

2. سيناريو سعودي، عبر عنه (حشمت الله فلاح) متهما السعودية بإطلاق الصاروخ على السفارة الامريكة لغرض إشعال المنطقة، مضيفا” ان تحركها لعقد اجتماعين للقمة هو جزء من سياسة الرياض الى دفع المنطقة الى حافة الهاوية”. مع ان السعودية لا تحتاج الى ذلك التصعيد، بل صرحت بأنها لا تريد الحرب في المنطقة، ولم يُرصد أي صاروخ قادم من السعودية عبر الأقمار الصناعية.

3. سيناريو إسرائيلي، بأن الكيان الصهوني يحاول توريط الولايات المتحدة من خلال إستهداف سفارتها، ولكن هذا الزعم يبدده ان الصاروخ انطلق من منطقة تخضع لميليشا عصائب أهل الحق، (شارع فلسطين)، ولم ترصد الرادارات العراقية توجه صاروخ من خارج الحدود، ولم ترصده الدول المجاورة للكيان الصهيوني.

4. السيناريو الإيراني. وهو السيناريو المقبول والذي له خلفيات منطقية، ويتوافق مع التهديدات الإيرانية، والجهة التي تستفيد من العملية، على أقل تقدير لجس نبض رد الفعل الأمريكي تجاه النظام الإيراني وأذرعه في العراق.

السؤول المهم هنا: لماذا لم يتهم النظامين العراقي والإيراني تنظيم داعش الإرهابي بإطلاق الصاروخ؟ نترك تحليل هذا الموضوع لأصحاب العقول النيرة.، لأنه يحمل معاني كبيرة.

الخلاصة
لقد كشف هذا الصاروخ حقيقة البطولات الهشة للنظام الإيراني وميليشيات الحشد الشعبي التابعه له، ويفترض بالحكومة العراقية ان تكشف الحقيقة أمام الرأي العام عن الجهة التي قامت بالفعل، فكاميرات المراقبة ونقاط التفتيش تغطي المنطقة التي إنطلق منها الصاروخ بالكامل، كما أن إنطلاق الصاروخ من منطقة تسيطر عليها ميليشيا عصائب أهل الحق، كفيلة بتوضيح الجهة التي تقف وراء العملية، الأمر لا يحتاج الى الكثير من التحليل، وحكومة عبد المهدي تعرف الحقيقة، ولكنها تحال التغطية عليها، مع ان التغطية فاشلة، ولا نعرف الى متى ستغطي الحكومة العراقية على جرائم ميليشات الحشد الشعبي؟

تعليقات خارج التغطية
يقال ان الدستور فصل بين السلطات وان لا سلطة لرئيس الوزراء على القضاء، وان القضاء العراقي غير مسيس، ولكن كيف اتصل رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدري بنطيره اللبناتي لإطلاق سراح محافظ كركوك السابق الإرهابي نجم الدين كريم الذي اعتقل في لبنان بناء على مذمرة عراقية للأنتربول؟ هل عرفتم لماذا يستخف الأنتربول الدولي بالقضاء العراقي؟

احرقت آلاف الدونمات من مزارع الحنظة والشعير في جنوب ووسط العراق، وعلقت المسؤولية برقبة داعش كالعادة؟ نسأل لماذا لم يحرق داعش سابقا اية مزرعة في العراق؟ ومن هي الجهة التي تستفيد من هذا الحرق لتصدر عوضا عنه؟ هل تنظيم داعش الإرهابي أم النظام الإيراني الإرهابي؟

المقال السابقالكرة في ملعب السياسي
المقال التالىالتصعيد الامريكي الايراني
علي الكاش: كاتب ومفكر عراقي مستقل سياسيا ومن مواليد بغداد وأعيش حاليا في النرويج، بكالوريوزس علوم إقتصاد وشهادة أخرى في العلاقات الدولية. خبرة كبيرة بالمخطوطات والكتب القديمة. نشرت مقالات سياسية واقنصادية واجتماعية في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية والمواقع الألكترونية، ومنذ عام 2004 بلغ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد