أمي وأوجاع وطن

 
أمي وأوجاع وطن
لوحة للفنان نذير مسلم

أرخى اللّيل سُدُوله وانتشرت وساوس الخيبة في صدري ..الوم في نفسي لِما هذا الاختيار ..غربة ثم عزلة ثم انطواء.. شيءٌ يوجع لطالما أسْكَرَني من شدة الألم ..

لكن في وحشة الليل ومع صعود القمر، ثمة يدٍ تمتد نحوي ، تخترق صدري، تسحب آلامي وترميها في جوف السماء بعيدة عني بنَفخة من فمي. وتعود بنَفْحة ريح طيبة أملأ بها صدري..

إنها أمي.. نسمة زكية وهالة عطف دائرية.. عند محيطها تنجلي كل مخاوفي وأوجاعي
..
أمي في منتصف عقدها الثامن لا أحدَ يعرف فكَّ رموز شَّفْرَتها إلاَّ الأحزان..

إن كان الحزن بوجهي أو بوجه طفل بريء سرقوا منه حُرِّيَّته أو من جائع نام على الرصيف وملأ الذباب وجهه أو من بريء أرادوا التنكيل به؛

فتراها تمد يدها عوناً للمحتاجين، وتراها لفحة شمس حارقة بوجه الظالمين ..

كما فعَلَت لأبن جارتنا وكان في سِنّ الرابعة عشر يوم احتلال بغداد ..

بعد أن هزأ بهم أخذه الجيش الأمريكي من باب داره، واشتدَّ الصراخ والعويل في الشارع؛ فخرجت لهم أمي رغم كبر سِنّها متصدية، تصيح بهم: اتركوه.. اتركوه…. صعدت سيارة الهَمَر العسكرية وجلست جنبه وقالت:

خُذُوني بدلاً عنه! فهو طفل بريء وإنه لريحانة أمه .. أتريدون فَطْرَ قلْبها ؟

كانت المسكينة أمه تلطم خديها وتصرخ …حتى ترَجَّل أحد الجنود من السيارة .. سَحبَ أمي وأخرَجَ من جيبه رزمة نقود وضعها بيد المُترجِم وقال له: اعطِها هذه النقود كي ترحل …

فاشتعلت النار الأزلية برأسها وصارت كلظى الجمر عيناها وتحشدت كل غيرة أهل سومر فيها..

رَمَت النقود بوجهه ..سحَبَت أبن جارتنا معها وقالت: أتَعْرِف من هذا؟

إنه عزّوز ابن وطني.. وإنَّكم لراحلون.

لا تعليقات

اترك رد