العوق العظيم

 
العوق العظيم

هذا ليس عنوانا لأحد فصول روايتي (كوثاريا)* ذلك الفصل الذي رسمت فيه أحد شخصيات الرواية ـ حمود الأعرج ـ ذو الإعاقة المزدوجة, والذي ساعدته إعاقته في الإنتصار على الشر المتمثل بأحد شخصيات الرواية. إنما هذا العنوان هو واقع شاهدته متجسدا أمامي في مدينة قلعة سكر* 260 كم جنوب بغداد, تلك المدينة الحالمة على ضفاف نهر الغراف. ما كان يخطر في بالي أن هنالك حقيقة أكثر غرابة من الخيال, وأن هنالك عوقاً حقيقياً أعظم بكثير من العوق العظيم الإفتراضي الذي صغته في روايتي!
إنه حسين ابراهيم من مواليد العراق 1972 الذي جعله حادث سيارة في صيف 1995 أسيراً لكرسي متحرك؛ فصنع من عوقه ومن كرسيه مؤسسة خيرية لرعاية الأيتام والفقراء, بإسم مؤسسة الكرسي المتحرك.

صندوق العوائل الكريمة
elsadaawaqone
عندما جلسنا في باب دكانه, كان بيننا صندوق حديدي صغير بلون سمائي مفتوح من الأعلى, مكتوب عليه (صندوق العوائل الكريمة), شاهدت المارة يلقون فيه تبرعات مالية وقد أحرجني ذلك؛ فرميت بورقة نقدية فيه, عندها أخبرني حسين بأنه يقوم بإعالة ( 900 ) يتيم من هذا الصندوق الصغير ومن عائدات دكانه البسيطة. هذا الدكان الذي حوله إلى مؤسسة لرعاية الأيتام…
حسين ابراهيم لا يرعى الأيتام والأرامل فقط, كما إعتادت على ذلك معظم المؤسسات الخيرية, إنما يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؛ فهو يرعى المطلقات والمهجورات والمسنين والعاجزين, من الرجال والنساء الذين لا معيل لهم.
كما لفتت انتباهي حيث نجلس أكياس وصناديق من الفواكة والخضر والمعلبات حيث يجمع هذه المواد نهاية الأسبوع, ويقوم بمساعدة مجموعة من المتطوعين بعزلها وتشكيل سلة غذائية متنوعة من الفواكه والخضر والأرزاق الجافة, ثم تأتي عوائل الايتام والفقراء ويوزعها عليها.

elsadaawaqtwo
عندما رأيت تلك المواد ظننت انها مما يبيعه حسين في دكانه كما جرت العادة في الدكاكين العراقية ـ خصوصا في المدن الصغيرة ـ بأن يباع كل شيء بنفس المكان, لكن إتضح لي بأن حسين يوزع كل شيء في نفس المكان!

مليون قطعة (كليجة)*
كان سبب زيارتي لحسين لأسأله عن حملة المليون (كليجة) التي أطلقها دعماً للحشد الشعبي والقوات المسلحة العراقية التي تقاتل داعش في شمال وغرب العراق. وقد وصل عدد القطع التي أرسلها حتى الآن 600 ألف قطعة وهو مستمر ـ كما أخبرني ـ بالحملة حتى يبلغ المليون.

elsadaawaqthree
ولم يكتف باطلاق الحملة والإشراف عليها, بل كان يذهب بنفسه إلى ساحات القتال ويوزعها على المقاتلين هناك, مع كميات كبيرة من المواد الغذائية المتنوعة.

(مرام)*
عند الدكان/المؤسسة, التقيتُ بصديقي القبطان الروائي حسن البحار, حيث كان عائدا في إجازة من البحر…
elsadaawaqgfour

فحدثني قائلاً: حسين العميري شخصية مُلهمة ومُثيرة, كنت كلما عدت الى المدينة في إجازة أقضي ساعات طويلة جالساً في المقهى المقابل لهذا الدكان, أراقب حسين ـ بدهشة- وهو يقوم بأعماله الخيرية, التي عجز الأصحاء عن القيام بمثلها, وقد ألهمتني تلك المشاهدات في بناء إحدى شخصيات روايتي (مرام).

من لهؤلاء الأيتام والـ……إلخ؟
التقيت بالسيد ناصر جليل أحد مساعدي حسين في مؤسسته, وهو أحد الناشطين في المجال الإجتماعي, وحدثني بما هو أكثر غرابة فقال:
أحد أصدقائنا الحاج أحمد صالح البدري وهو عراقي مقيم في استراليا, وهو في سؤال دائم عن حسين, وعندما علم بتدهور حالته الصحية عرض علينا أن يتكفل بعلاجه في استراليا مع تغطية كافة نفقات السفر والعلاج, وقال لي: إن شُفي حسين في هذه السفرة فبها ونعمت, وإن لم يُشفى نعتبرها سفرة سياحية ترفيهية لمدة أربعة أشهر.
فرحت وباقي الاصدقاء بذلك فرحاً كبيراً. لكن رد حسين العميري جاء مفاجئاً وصادما لنا جميعا, عندما قال: إن ذهبت للعلاج فمن لهؤلاء الايتام والأرامل ووو…..؟
elsadaawaqgfive
عندما شاهدَ حسين علامات الدهشة وعدم التصديق في وجهي, ابتسم قائلاً:
لا تعجب ياستاذ فأنا لا أدعي أني نبي أو ولي من أولياء الله الصالحين, ولستُ رجلاً مثاليا, إنما أنا إنسان, عادي عندي شعور عميق بأن الله ابتلاني بهذه الإعاقة من أجل رعاية هؤلاء المساكين…

مؤسسة الكرسي المتحرك
حدثني حسين عن بداياته في هذا النشاط الإنساني فقال: عندما توفيت والدتي رحمها الله عام 2008 فكرت أن أقوم بعمل خيري وفاءا لذكراها, فبدأت برعاية ثلاث عوائل والتف حولي مجموعة من الأصدقاء يتبرع كل واحد منا بمبلغ بسيط. ازداد بمرور الأيام عدد العوائل التي أرعاها إلى العشرين عائلة. ثم ابتدأت دائرة العمل بالأتساع وصار أهل المدينة يسألون عن ماهية المشروع وتفاعلوا معه وصارت التبرعات أكبر, وصاروا يتبرعون بأموال الخمس والزكاة والنذور والصدقات, واطلقوا على دكاني اسم مؤسسة الكرسي المتحرك لرعاية الأيتام؛ فأصبح العدد أكثر 50 عائلة, وتطور العمل أكثر فبنيت دارين لعائلتين من الأيتام ليس لهم مأوى, وبنيت ورممت بعض الغرف في بعض بيوت أيتام وفقراء آخرين كانت آيلة للسقوط, ودفعت ثمن بعض العمليات الجراحية لبعض المرضى المعوزين, وتعددت وتنوعت النشاطات؛ فعندما يطرق موسم البرد أبواب الفقراء أكون قد جمعت أكثر من 250 بطانية وأوزعها عليهم تحت جنح الظلام.
وعندما يهل عيد الأضحى الذي يتميز بأن يقوم الموسورين وذوي الدخل المحدود بذبح أضحية ويوزعنوها بينهم, أو يقيمون عليها وليمة ويدعوا بعضهم البعض الآخر إليها, وقلما يُدعى الفقراء إلى مثل هكذا ولائم؛ فاقوم بشراء ما يقارب 30 خروف كل عام وأذبحها وأوزعها عليهم بالتساوي… كما قمت بإغاثة 100 عائلة من العوائل النازحة بعد سقوط الموصل…
elsadaawaqgsix

صار أهل المدينة يطلقون علي بعض الألقاب, منها أبو الأيتام أو الحاج أو أبو الأرامل وغيرها من الألقاب التي أعتز بها كثيراً, حيث اعتبرتها تكريماً لي من قبل أبناء مدينتي.

الرمان القلعاوي وصدقة السر :
من المعروف أن مدينة القلعة تتميز بكثرة الرمان ذو المنظر الجميل والطعم اللذيد, وصار الرمان القلعاوي مضرباً للمثل في العراق, وتشبب به الشعراء والمغنون كناية عن المرأة القلعاوية الجميلة التي تشبهه في الكثير من الصفات, ومنها قصيدة الشاعر الغنائي زامل سعيد فتاح التي غناها المطرب حسين نعمة (حامض حلو ريان… رمان يا قلعاوي).
سألتُ حسين العميري إن كان للرمان القلعاوي دور بمساعدته في نشاطاته الإنسانية فقال:
نعم النساء في المدينة يساهمن بتبرعات نقدية وعينية وكان لهن دور كبير في حملة المليون كليجة. كما ان سيدة تتصل بي منذ خمس سنوات في شهر رمضان وترسل لي مواد غذائية وملابس بقيمة مليوني دينار عراقي, سألتها ذات مرة من أنتي؟ فقالت:وما شأنك بي لا أريد أحداً يعرفني, فقط أذكرني بالدعاء .
وهنالك بعض المغتربين من أبناء المدينة يتبرعون بين الحين والآخر ويعتبرون انفسهم مقصيرن ويعتذرون لذلك. كما زارتني شركة بتروناس الماليزية التي تستثمر حقل الغراف النفطي, وشدوا من أزري وساهموا ببعض التبرعات…
سألتُ حسين إن كان خلال سنوات عمله قد استعان بأحد من المسؤولين الحكوميين فقال:
كل من يزور المدينة من المسؤولين يسمع بي ويمر علي, وهم جميعا يتبرعون ولكني أخجل من ذكر المبلغ الذي يتبرعون به لقلته.

بعض الصور من نشاطات حسين:
مع الشباب الجامعي الذين شاركهم في حملة تنظيف المدينة

صور تتكلم
elsadaawaqgeight

العجوز : يمه حسين أخذني الجوع والمرض والكُبر…
حسين : يمه الجوع والمرض ما تشوفينهن مادامني حي, لكن الكُبر شبيدي عليه؟

حتى العصافير لها مكان في هذا القلب الكبير…
elsadaawaqgnine
المرأة العجوز : حبوبه حسين شلون بينه اذا سافرت وعفتنه…؟
حسين : لا حبوبه شلون أسافر وأعوفكم ؟
لا تفكر أبو علي فلها مدبر سيكتمل عدد المليون كليجة
elsadaten

أمنية
في نهاية الزيارة سألته عن كلمة أخيرة أو أمنية يتمناها, فقال : الحمد لله رب العالمين الذي ما إن يأخذ شيئا من الإنسان حتى يعطيه ماهو أفضل منه. إني أشعر بإرتياح كبير عندما آتي صباح يوم الجمعة* إلى الدكان/المؤسسة وأرى الناس تنتظرني حيث جعلني الله سبباً لتوفير قوت يومهم,. أتمنى على الله أن يمكنني من الإستمرار في هذا العمل الذي صار حياتي كلها .
……………………………………….
• كوثاريا: رواية للروائي نعيم ال مسافر صدت عن دار ميزوبوتاميا/ بغداد عام 2014 .
• قلعة سكر: إحدى مدن محافظة ذي قار جنوب العراق, أسست في العهد العثماني على أعتاب قلعة طينية في تلك المنطقة للشيخ سكر المشلب عام 1863 . تشتهر بزراعة الرمان .
• كليجة : قطع صغيرة من حلوى عراقية شعبية شهيرة ارتبطت بمواسم الاعياد, وأصل الكلمة فارسي ويعني حلق الأذن أو القرص الصغير.
• مرام : رواية للروائي العراق حسن البحار صدرت عن دار الخيال / بغداد عام 2012 .
• ( صدقة السر تطفئ غضب الرب ) حديث نبوي رواه الفريقان.
• صباح الجمعة من كل اسبوع موعد توزيع المواد الغذائية والمساعدات المالية على الفقراء.

المقال السابقلَكَمْ نَسَجْتُ لَكِ المشاعرَ سُلَمّا !!
المقال التالىأمي وأوجاع وطن
نعيم ال مسافر قاص وروائي عراقي من مواليد العراق/ ذي قار. كتب في اجناس ادبية مختلفة. صدر له (غريب الحق، كبوة جواد، شعر). (كتاب حسون، تجاعيد وجه الماء، قصص) (كوثاريا رواية). ( شظايا الاصابع البنفسجية، خروج عن النص، الرواق الأخير، نصوص مسرحية) نشر في مختلف الجرائد والمجلات والمواقع الألكترونية، له رواي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد