استراتيجيات التخاطب اللغوية عند الرئيس دونالد ترامب – 2

 

بالنسبة للكثيرين ، يبدو أن استخدام الرئيس دونالد ترامب للّغة غير التقليدية لا يختلف عن أي سياسي آخر ، لكن الأبحاث الجديدة حول لغة قادة العالم في الماضي والحاضر تكشف الرسائل البسيطة والمباشرة التي تنم عن الثقة وقد تكون المعيار الجديد الذي جعل من الرئيس ترامب رجلاً فريدا في عصره من حيث الخطابة واستخدام استراتيجيات التخاطب اللغوية .

استخدم الرئيس الألفاظ التالية أكثر من مرة لوصف خصومه السياسيين وكان بين أشد هذه التعابير قساوة هي : “Tremendous ” ( هائلة ) “loser” (خاسرة) “Sloppy Steve” ( ستيف القذر) “Crooked Hillary” (هيلاري الملتوية ) . ما الذي يقصده الرئيس بهذه التعابير ؟
هناك من يقول أن كلمات الرئيس تندرج في إطار الكلام العشوائي غير المنظم وأقرب وصف له كان ما قاله عالم النفس الدكتور بيتر كوليت عن أحاديث الرئيس ترامب بأنها عشوائية مثل ” صحن سلطة ” وأن حديث الرئيس ترامب يعكس تفكيره .
أول ما نلاحظه على الرئيس دونالد ترامب هو أسلوب الحديث الذي يميل إلى البساطة وعدم التقيد بالأساليب الخطابية الرسمية . يلجأ الكثير من الساسة إلى لغة قريبة من الناس حتى يفهموا . يتبع الرئيس ترامب نفس الأسلوب في خطاباته المتكررة وكأنه يخطب في حفل شعبي .
تؤكد نتائج دراسة أجرتها جامعة تكساس أن الرئيس ترامب وأمثاله من القادة لم يأتوا من الفراغ بل أن هناك اتجاهات سياسية طويلة الأجل تجسد فكر الرئيس ورؤيته . توحي هذه الاتجاهات مجتمعة إلى أن الناخبين ربما ينجذبون على نحو متزايد إلى القادة الذين يمكنهم جعل المشكلات الصعبة والمعقدة الأسهل على الفهم والذين يجيبون إجابات بديهية وواثقة.
بالنسبة للغويين ، إن الكلمات الوظيفية – مثل حروف الجر والضمائر وكلمات الربط بين الجمل توضح الكثير عن طريقة تفكير الناس . لقد ربط البحث السابق بين المعدلات العالية لاستخدام الضمائر والنفي والأفعال المساعدة بالتفكير التحليلي أو الحدسي المنخفض لدى الرئيس دونالد ترامب . وقد تبين أن الاستخدام الكبير للضمائر “أنت” و “نحن” يشير إلى مكانة أو ثقة أو نفوذ أعلى من استخدام الضمائر غير الشخصية أو “أنا” في حالة الفاعل و ” أنا” في حالة المفعول به أو الجر .
هناك نظريتان رئيسيتان حول سبب تفضيل الرئيس ترامب للأسلوب البسيط غير الرسمي :

الأولى تسمى “نظرية العجز”
تشير هذه النظرية إلى أن مخرجات السيد ترامب اللفظية في الغالب تكون قاصرة وهو يبدو متجهمًا ومفككًا. وتفترض هذه النظرية أن الرئيس ترامب يستخدم أفكارا وتراكيب مختلطة وغير مفهومة وكأنها سلطة خضار مكوناتها الكلمات لدرجة أنك تشعر أن الرئيس يتكلم لغاية الكلام من دون أي محتوى معلوماتي مفيد . ويستشهد أنصار هذه النظرية بأنماط خطاباته الجامحة تجاه العالم والسعودية والشرق الأوسط والفلسطينيين والصينيين وإيران وروسيا وكوريا الشمالية ويعتقدون أن كلمات الرئيس نتاج عقل جامح متهور غير مسؤول ولا يمتلك القدرة على التفكير العميق . ويؤكد الباحثون اللغويون والأكاديميون أن خطابات الرئيس ترامب محدودة التفكير سريعة وجامحة . كما يميل الرئيس إلى استخدام الكلمات المؤلفة من مقطع لفظي واحد وتشير التحاليل والمخابر اللغوية إلى أن ميل الرئيس لاستخدام هذا النوع من التراكيب سببه هو أن نموه العقلي يوازي فقط طفل عمرة 9 أو 10 سنوات فقط. ويظهر ذلك في أجمل صوره وأكثرها صدقا عندما يتحدث الرئيس بعفوية بعيدا عن القيود الرسمية المكتوبة .أما عندما يلقي الرئيس دونالد ترامب خطابا مكتوبا فإن طلاقته اللفظية تبدو بارعة وتشبه أفضل المتحدثين السياسيين براعة .

الثانية تسمى ” نظرية الاختلاف ” :
هنا يركز الرئيس ترامب على استخدام الطريقة غير الرسمية في التواصل مع جمهوره وهدف الرئيس من ذلك هو إشعار المستمعين بأنه قريب منهم وأليف ومحب ومتواضع وأكثر واقعية . الواقعية السياسية في خطاب الرئيس تقنية مهمة للاستحواذ على قلوب المستمعين . إن اختيار الرئيس للكلمات يقدم لنفسه نافذة باهرة للعبور إلى قلوب الآخرين وفكرهم .
يستخدم الرئيس ترامب على سبيل المثال كلمات تشير إلى أن توافقه مع مستمعيه بسيط وصريح وصادق وغير مشروط ويكثر من استخدام كلمات مثل “tremendous” ( عظيم ) أو “beautiful” (جميل ) أو “Marvelous” ( مدهش ). ويكثر من استخدام المترادفات الجميلة في وصف أصدقائه وحلفائه ومن يحقق مصالحه . وفي ذات الوقت ، يستخدم الرئيس ترامب كل ما يحتويه القاموس من مترادفات القدح والذم في وصف أعدائه وخصومه السياسيين ومن يخالفه الرأي للدلالة على عدم الرضا والذم والانتقاد . ويمكن أن نذكر أكثر الصفات شهرة في خطاباته حين وصف خصومه السياسيين بأوصاف مضحكة مثل “Crooked Hillary” “Lyin’ Ted”, “low-energy Jeb” “Sloppy Steve” ولا يجد الرئيس حرجا في وصف خصومه بالخاسرين أو الملتويين وألفاظ أخرى مشابهة .

لذلك فإن تركيز الرئيس ترامب اللغوي ينصب بدرجة كبيرة على سلبية الناس بدلاً من صفاتهم الإيجابية . وفي أحاديثه عن أصدقائه وحلفائه يسرد صفاتهم السلبية ثم مصالحه معهم ثم فائدتهم له ويبرر تعامله مع هؤلاء ” الأوباش” بضرورات المصلحة ثم يعود ليمتدحهم علنا ليوحي للأنصار بضرورة تبرير المصلحة ويوحي للآخرين بالإطراء . ببساطة الرئيس ترامب يستخدم كلمات لا يعنيها في كل الاتجاهات . إن حقيقة استخدامه للغة المتطرفة عند وصف الأشخاص والأشياء مع الحلفاء والأعداء الصريحين والخفيين دعت علماء النفس والباحثين إلى بحث وتقصي حالات ” التفكير المزدوج double thinking ” عند سيد البيت الأبيض .
بمعنى آخر ، يرى الرئيس العالم إما أسوداً أو أبيضاً ، إما جيدًا أو سيئًا ، نحن ضد من لا يسير معنا . لا يمتلك الرئيس أي مساحة هامشية رمادية أو حيادية في علاقاته مع الآخرين فأنت وأنا إما أن نكون معه أو ضده وليس هناك سبيل أخر يمكن اللجوء إليه .
في الواقع ، ليس هذا هو الحال دائما مع الرئيس ترامب لأنه غالباً ما يستخدم تعبيرات مثل “رجل صالح” أو “شاب صالح” عندما يشير إلى شخص يحاول أن ينأى بنفسه عنه أو أنه لا يقدره كثيرًا.
إنها طريقته في الظهور كأنه داعم بينما هو في حقيقة الأمر يلعن الشخص بمدح وإطراء خفيف.
تتضمن مخرجات السيد ترامب اللفظية أيضا رسائل مشفرة أخرى لا يفهمها إلا من يعنيهم بها والمختصون . لقد ثبت بالدليل القاطع الذي لا يقبل الشك أن سيد البيت الأبيض لا يحب الرؤساء الذين يتمتعون بالمصداقية السياسية . لهذا السبب نجد قائمة السياسيين الذين ينتقد أداءهم الرئيس ترامب كثيرا لأنه غير مقتنع بالمصداقية السياسية مثل الرئيس الإيراني والصيني والروسي والفنزويلي إلى أخر القائمة .

ويدعي الرئيس ترامب أنه يدافع عن قضية حرية التعبير ولكن الغرض الحقيقي الخفي منه هو إبلاغ أتباعه والإيغال في إقناعهم بأنه يستمتع في الدفاع عنهم في مواقف عنصرية و جنسية ومعادية للمجتمع بشريحته الواسعة.

إن أهم دليل على أسلوب حديثه وتفكيره هو حقيقة أنه يحب استخدام استراتيجيات لغوية مركبة ومعقدة ومتعددة الجوانب تمكنه من عقد الصفقات المذهلة. ويميل الرئيس إلى استخدام هذه الإستراتيجيات سواء كان في اجتماع حاشد أو في مقابلة تلفزيونية ، أو في حديث للصحافة و يعمل ما بوسعه باستمرار للترويج لعملائه.

يستعرض الرئيس دونالد ترامب أوراق اعتماده وهو يروي قائمة التأييد المتوهجة التي تلقاها ويصفع منافسيه ، ولا يفشل أبدًا في إنتاج مشهد ترفيهي وجذاب مضحك سواء في الكلام المنطوق أو الحركات الوجهية أو الجسدية .
يعتقد الرئيس ترامب جازما أن السياسة تدور حول فن إبرام الصفقات الناجحة وفي حالته الفريدة السياسة الأمريكية مع الأصدقاء والأعداء صفقة كبيرة.

المراجع

The Art of Deal , Donald Trump , 1987

لا تعليقات

اترك رد