“طمطمة الطغيان” !!!

 

ليس غريبا إن ذكرنا إن المجتمعات الغربية أضحت ذاتها تشعر بخيبة أمل كبيرة من الديمقراطية، وتلك الأزمة جعلت من المفيد العودة إلى الأصول الأيديولوجية والنظرية لذلك النظام السياسي والاجتماعي لمحاولة إيجاد وفهم أسباب تدهوره، كما ومن الممكن بناءً على تاريخ نظريتها يتم تقييم حدود الاستدامة والمرونة لنظامها وإدراك ما علاقتها بالعالم العربي؟ إن أبسط تعريف لها أنها ديمقراطية مبنية على المبادئ الليبرالية الساعية لتحقيق أهدافها التي لا تستند فقط على الاقتراع العام وانتخابات السلطة ولكن أيضًا على ضمانات محمية لما يسمى بالحرية السلبية أي حماية حرية الإنسان من تدخل الدول والأفراد بحقوقه السياسية والإنسانية والمدنية والحق في الملكية والحرية الشخصية وحرية التعبير والضمير. ومن المهم بالنسبة لنا أن نميز بين الليبرالية باعتبارها مجموعة من الأفكار حول الحرية الشخصية وحقوق الإنسان، والديمقراطية التي تقوم على مبدأ سيادة أو إرادة الشعب بأسره أو أغلبيته، ومع إن الليبرالية والديمقراطية مترابطين ولكنهما في جوهرهما هما أبعد ما يكونا عن التطابق ففي الديمقراطية يمكن إجراء انتخابات غير ليبرالية ويمكن أيضا تأكيد بعض المبادئ الليبرالية في الأنظمة غير الديمقراطية.

يتيح لنا هذا التمييز أن نرى بعض الأسباب والآليات المهمة لصعوبات تطبيق الديمقراطية الليبرالية ليس فقط في الغرب ولكن في جميع أنحاء العالم، ما نراه اليوم ليس أكثر من انتفاضة الشعوب ضد الليبرالية وهو مظهر من مظاهر عدم التطابق الحاد بين الديمقراطية والحرية، ولقد ظهر التناقض بين مبدأ الحرية الشخصية ومبدأ السيادة الشعبية منذ البداية الأولى لتشكيل المفهوم لضمان استقلالية الفرد وحريته وحماية القانون له، ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك حقًا في ظروف الاستبداد أو في ظروف الانتصار المطلق للسيادة الديمقراطية؟ إن قيمة الديمقراطية ليست أنها قوة الجميع بل لإنها حرية الجميع، ونحن نختارها ليس لأنها مليئة بالفضائل ولكن لتجنبنا الطغيان، وإن فهمها قبل كل شيء يكون الضامن للحريات الإنسانية وهي أساس الأفكار الحديثة حول نظام الديمقراطية الليبرالية غير إننا رأينا كيف أن الأشكال المتطرفة لتدمير الحرية الشخصية والحياة نفسها تصيب وتتدهور جرائها فلذلك أظهرت أنها ليس فقط هشة ولكن أيضًا اظهرت إمكانية أن تصبح نقيض لماهيتها تمامًا.

يبدو حاليا أن الديمقراطية قد انتصرت وانتشرت في جميع أنحاء العالم لتصبح حقل مشكلة آخر وهو الحقل الرئيسي للاهتمام بهشاشتها والبحث عن طرق لتقويتها وهذا هو موضوع النقاشات الحديثة حول أزمتها الهشة وغير المستقرة والتي تحتوي على إمكانات التناسخ في الاستبداد والفوضى وتدمير الحريات، ولذلك فإن المهمة العملية ليست صنع ديمقراطية غير قابلة للتدمير بل تأمينها ضد حماقة المطلق من المشرعين وضد غليان العواطف الإنسانية المدنية والعسكرية وبعبارة أخرى لا نريد اختراع آلة حركة دائمة وإنما آلة مزودة بجهاز للحماية من الخداع.

إذن ما الذي يمكن أن يحمي ويقوي الديمقراطية الليبرالية؟ تعود جميع الخلافات المستمرة المتعلقة بأساسياتها وآفاقها بطريقة أو بأخرى إلى شخصية مكتشفها وهو المنظر الرئيس والمُنور الفرنسي جان جاك روسو (1712-1778 م) وهو الذي اكتشف بوضوح وبدون هوادة فكرة وجود شعب يتمتع بالسيادة والذي يقوم نتيجة للعقد الاجتماعي بإنشاء جمهوريته الخاصة على أساس الإرادة المشتركة وفق جمهورية تتمتع بأعلى سيادة ، والناس هنا هم الذين يتمتعون بالسلطة العليا وهذا هو المثل الأعلى للديمقراطية الغير مباشرة حيث يحكمها جميع المواطنين كما أنهم يضعون قوانين لأنفسهم، وفي حالة السيادة الشعبية

فكل واحد يعطي عزم شخصيته وكل قوته للقيادة العليا للإرادة المشتركة ويقبل الشعب معًا كل عضو كجزء لا يتجزأ من الكل ولا توجد سلطة أو إرادة على سيادته، ولا يمكن أن يكون هناك قانون أساسي ملزم له ككل وحتى العقد الاجتماعي ليس ملزماً له, فيتمتع ذو السيادة بالحرية كما أن كل جزء منه وكل شخص فيه يفترض إن يكون حر، وإذا كان الشخص لا يريد أن يطيع القانون العام وأن يكون حراً فإن الشعب له الحق في إجباره على أن يكون طائعا وحراً، ولذلك فإن الشعب صاحب السيادة التي تم إنشاءها بواسطة الإرادة الحرة له لحماية الحرية العامة والخاصة أي أن افراده يمثلون شيئًا وحيدًا وغير قابل للتجزئة.

بالإشارة إلى الأزمة الحالية للديمقراطية في الغرب وفي جميع أنحاء العالم، فلا يوجد شيء ايجابي جديد في الأساس حول هذه الأزمة إذ كانت هناك دائمًا وستظل هناك قوى تدافع عن الاستبداد وتقييد الحريات والعزلة والإملاء الإيديولوجي والحمائية والمجتمع التقليدي المغلق بدلاً من التحديث المفتوح، وقد كانت تلك القوى ولا تزال خارج التوليف الثابت للثقافات والأيديولوجيات السياسية الرئيسة بالنسبة للإجماع الديمقراطي الليبرالي بمجرد أن توسع نفوذها، ومع كل هذا حافظ الناس دائمًا على حقهم في قول آرائهم والاحتفاظ بما يحق لهم، وعلاوة على ذلك فإن النظرة المتشائمة لآفاقها ليست هي النظرة الوحيدة الممكنة ومنظورها متفائل أكثر من المحتمل لأنها ترتبط بحقيقة أن هناك شروطًا أساسية للانتقال إلى مستوى جديد من التطور الديمقراطي مع الأخذ بالاعتبار في المقام الأول المستوى العالي من التعليم والثروة والوعي.

اما نحن كعرب فنعيش في حالة من التوازن المتجمد والركود في المستنقعات السياسية وعندما تكون الدولة غير قادرة على قمع المجتمع المدني، والمجتمع المدني أضعف من أن يفرض إرادته على الدولة يصبح الأساس المنطقي الأيديولوجي لذلك التخلف هو الأيديولوجية التقليدية لـلمسار الخاص والتي تجعل من غير الممكن شرح وتبرير حال النخبة والركود للإثراء المتهكم والمتهور، والعامة تلتهم بغيضها للبقاء على قيد الحياة، ولذا فإن أهم شيء بالنسبة لقضية الحرية ليس وجود الديمقراطية بل وجود مجتمع مدني، والديمقراطية لظهورها تحتاج إلى مجتمع مدني قائم بالفعل كأساس وضرورة.

لا تعليقات

اترك رد