نضال قسوم.. الهداية هي إعجاز القرآن الوحيد وليس العلم !

 

لا تزال الثقافة العربية في رحى معارك المعنى العصرية، تتعثر في مسعى الخلاص من أسمالها وطلاسمها الأسطورية التي شكلتها نتاجات أجيال من الاشتغال داخل المرجعيات الكبرى التي استقامت عليها الدائرة الثقافية العربية بوصفها من كبريات الثقافات التي أنتجت حضارة بخلفيتها الدينية، ولعل أبرز ما استعصى تفكيكه في مسار الخلاص من تلكم الأسمال، هو مضمون السرديات الكبرى التي فسرت التاريخ والعلم وأسست لتأويلية أولية للنصوص المرجعية على رأسها القرآن الكريم تأويلية سرعان ما أخذت طابع المركزية الجمركية في الإنتاج المعرفي والعلمي، أي استحالت إلى محور غير قابل للتجاوز من كل ذي عزم في ولوج النص وقراءته خلافا لم هو مقروء منهجا ومضمونا.

واليوم يظهر خطاب الاجتهاد في النص القرآني قد استدار زمنه من العجز الفكري والفقهي في الرد على كبريات أسئلة العصر، إلى الإعجاز العلمي، بين رافض وفارض لتناقضهما وجوبا ووجودا، بين قائل ببطلان المشروع من أصله وبين مقاتل لتأصيله ولكل في ذلك حجته وأدلته وأدواته، ومن الفريق الأول برز مؤخرا الفيزيائي الجزائر الدكتور نضال قسوم، الذي لا يفتأ يتبرأ من كل معجز بالعلم للقرآن الكريم، فعلاَم استند في براءته تلك؟ وهل الهداية كمعطى رسالي وحيد للقرآن، تنفي احتمال حمله للإشارات العلمية؟

تلزمنا طبيعة الإشكال الجدلي المتعلقة بحقيقة الاستدلال القرآني للظواهر والمكتشفات العلمية من عدمها التأكيد على أن المنتصرين لها لا يقدمون خطابهم على أساس أن القرآن كتاب تاريخي وعلمي يحوي نظريات تصاغ أصلا وفق قوانين عقلانية مستنبطة من حقول التجريب، إنما هم يؤكدون على أن الخلاصة النظرية العلمية تلك تأكيد لما يرونه حقيقة ربانية وردت في القرآن الكريم من باب التورية للآيات التي نصت علية الآية القرآنية (سنريهم آيتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) وهي الآية التي يرفعها الإعجازيون

العلميون في القرآن، لشرعنة نشاطهم وخطابهم الاستدلالي في حقل توظيف العلم لتأكيد وتوطيد العقيدة.

بينما تقف النخب العلمية والعلمانية الرافضة لهكذا توظيف للقرآن والزج به في حقول النشاط العلمي التجريبي الخالص، حائلا دونما إعطاء الغطاء أو الشرعية لذلكم النشاط على اعتبار أن القرآن كما يقول الدكتور نضال قسوم أنما هو ( كتاب هداية روحية، اجتماعية ونفسية ولا يعدو ذلك بالمرة) رافضا بذلك حتى فرضية حمله لأدنى الإشارات العملية التي قد تدعم صدقية مصدره من كونه متأت من القوة الخارقة الخالقة للكون وفق تلكم النواميس التي يستكشفها العقل العلمي، متجاهلا حتى ما قيل أنه بنية رقمية تشد وثاق هيكل النص القرآني تحمل شفرة ثمة من أدعى حلها حتى.

والواضح أن الدكتور نضال قسوم الذي هو نجل رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الدكتور عبد الرزاق قسوم، يروم بالتصدي ودحض خلاصات المهتمين بمسأـلة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم وحتى السنة النبوية، تجنيب القرآن مطبات الأحكام العلمية القطعية التي يحاول هؤلاء فرضها عليه في حين لا تفتأ تتهاوى في مسارات النشاط العقلي الإنساني النظريات العلمية حيث يبطل تواليا بعضها البعض مما قد يخل في أعين أبناء الإسلام بل وحتى ممن هم خارجه بإيمانهم بحقيقة النصر القرآني الربانية، جراء هذا الإسقاط غير العقلاني وغير المبرر علميا ومنهجيا من قبل الإعجازيين.

وقد ركز الدكتور نضال قسوم في تناوله لما يعتقد بأنه إخفاق وانحراف كبير لدعاة علمنة المعجزة القرآنية وفق مكتشفات العلم النظرية على وجه أخص، مذ اتسع نطاق التمدرس العالي لأبناء المسلمين وولوجهم كبريات المعاهد العلمية بخلفيتهم الثقافية والإيمانية، محاولين الانتصار لها بدمج الغيب القرآني في النص المفتوح للتأويل، مع حصائل المخابر العلمية – ركز – على ثلاثة محاور؛ مسألة الانبثاق الآدمي الأول – نظرية التطور – الظواهر الفلكية.

ففي المسألة الأولى ظهر وأنه انتصر للخط الذي شقه فقيه اللغة الراحل عبد الصبور شاهين القائل بتطور آدم وليس بخلقه الخاص، كما تؤكد الرؤية الكلاسيكية للإسلام فيما يتعلق بالانبثاق الآدمي الأول، ولعل إصرار الدكتور نضال قسوم على الانتصار لهذا الطرح “الشاهيني” متأت أساسا من انتصاره المسبق لنظرية التطور التي لا يرى فيها عيبا ولا طعنا في الدين، طالما أن غياب القطعية النصية في مسألة ظهور الآدمية متجل بشكل تام في القرآن والنصوص المتمرجعة إليه في التراث الثقافي والعلمي الإسلامي ، من تفسير وفلسفة في طبيعة الوجود الإنساني الأول، ويؤكد الدكتور قسوم على أن مائزة الآدمية في حقل الخلائق الكونية هي الوعي الذي رُكب فيه، ودليله في ذلك على أن الملائكة استغربت، كرم الاستخلاف في الأرض التي منحها إياه الله، محتجة في ذلك بماضي الدم والإفساد في الأرض الذي عاينته هي من قبل!

أما فيما يتعلق بالظواهر الفلكية، فيعتبرها خدعة اللغة التي تستعمل في إيلاج مبضع التأويل والتفسير للظواهر العلمية من قبل “الإعجازيين القرآنيين” فكثيرة هي المصطلحات والأسماء التي أُلبستها الظواهر الفلكية دونما أن تكتمل في عملية التعرية الاصطلاحية والتركيب اللغوي في الدلالية المفرداتية المتجذرة في قاموس اللغة العربية ولغة الخطاب العلمي، ومثاله في ذلك ما يثار مؤخرا بعد التقاط أول صورة حقيقية للثقب الأسود من أن هاته الظاهرة وردت في القرآن وتحديدا في وسورة التكوير (فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس)

غير أن الدكتور قسوم في نفيه لإمكانية التأويل العلمي هاته الآية من قبل الإعجازيين القرآنيين، يرتجع إلى تفاسير الأقدمين وهنا تنهار قوى اللغة التي يمكن خلالها تجاوز تراث الرؤية للقرآن الذي يستعين بشواهد ظرفيته وظروفه التاريخية لتفسير نصوص القرآن، مثلما أخفق في انتقائية غريبة في التدليل برفض مشبخة الحاضر لنشاط الإعجاز العامي في القرآن والسنة، حين استند إلى مرجع للشيخ السعودي سعود العريفي حاول من خلاله دحض الأطروحة الإعجازية، مع كل ما هو مسجل من تحفظ على مرجعية السعودية الدينية

المناوئة لكل ما هو علمي نابع من نشاط العقل العلمي الخالص، ولعل حادثة رجل الدين الخبيري في نفي دوران الأرض منذ سنتين لخير دليل على ذلك.

صحيح أن اللغويين العرب تخلفوا كثيرا في مدار الألسنية العلمية التي كان بوسعها فيما لو تطورت وتقوت أن تفجر الخطاب القرآني وتستخرج ما فيه من كنوز مضمرة داخل سميك قشرته اللغوية، بما كان سيضع حدا للتراشق التأويلي لكثير من نصوصه التي أعجزت العقل عن استيعابها، ما دفع بالبعض إلى يخبط خبط عشواء في الكثير من آيات القرآن وفرض قراءته العلمية لها بحسبانها خلاصة علمية يقينية محضة، وهو ما حول ظاهرة “الإعجاز” إلى موضة كما أشار إليه الدكتور قسوم ونشاط سهل ومربح ومريح لكل زاعم لفهم القرآن والنظريات العلمية الكبرى.

من هنا تكشف مساعي الدكتور قسوم في نقض نظرية الإعجاز العلمي في القرآن والسنة التي تطورت وصارت حقلا معرفيا إسلاميا بدرس بالجامعات، أننا بإزاء مأزق إيبستيمولوجي منهجي في التعامل مع لغة التراث وتراث اللغة، لتفكيك بنيات مفاهيمية ظلت تشكل عائقا في سبيل اندراج العقلانية داخل النسق المعرفي والعلمي الإسلامي، يخرجه من نطاق الهلامية المتاجرة بقدسيته، والمستثمرة في أبعاده الغيبية، إلى حيث إشراقات العقل بوصفه أداة الإسقاط والاستنطاق لمسكوتات النص المرجعي.

المقال السابقنظرية الفوضى
المقال التالى“طمطمة الطغيان” !!!
بشير عمري كاتب صحافي جزائري.. يشتغل على نقد الخطاب السياسي، بالإضافة لاشتغاله في حقول الأدب والفن نقدا وإبداعا يكتب في القصة القصيرة والرواية... عمل بالعديد من الصحف الجزائرية، ويساهم في عدة دوريات عربية وأجنبية. حامل لدبلوم في الاقتصاد التربوي، من المعهد التقني للتسيير. صدر له: 1) حول ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد