طمر هوية الأمة

 

لا يحتاج احد الى توضيح الواضح فيما يجري اليوم من إن منطقتنا بصورة عامة الأكثر أهمية في العالم لأسباب كثيرة واضحة يعرفها اغلب الناس فمنطقتنا تعاني بشكل غريب من اكبر عملية نستطيع أن نسميها طمر وتشويه في تاريخ الإنسانية كلها بلا مبالغة واتخذت هذه الحملة أشكال متعددة وصيغ مختلفة لم تبدأ من تعاقب الإحتلالات المتكررة من جهات مختلفة ولا ولن تنتهي بعمليات تذويب الهوية الواضحة لها وإخفاء معالمها في وقت تتعالى الصيحات ويهتف في أماكن كثيرة من العالم بشعارات ليست بجديدة تحت ذرائع شتى لجعل العالم كتلة بشرية واحدة فربنا الجليل جعلنا أمم وشعوب وقبائل ودعانا الى التعاون والتعارف لكنه لم يدعو أبدا الى ذوبانها في بعضها وإذا كانت الدول الغربية مثلا قد فتحت أبوابها لاستقبال الأجانب فلذلك أسباب مختلفة تصب في خدمة مصالحها ولكنها تخضعهم لقوانينها وتحت شروطها وبخلافه فان أبواب الطرد ستكون أوسع من باب الدخول.

إن الحملة التخريبية على امتنا تسير باتجاهين يكملان بعضهما الأول عمودي من خلال تشويه تاريخها الناصع البياض بمختلف الأشكال والطعن بالحقائق التاريخية الثابتة وتشويه الرموز التي تحترمها الأمة بكافة أطيافها وتحويلهم من رموز عظيمة الى مجرد شخوص فارغة من فعلها العظيم لا تهتم ذاكرة الأمة حتى لوجودهم فيها والثاني أفقي من خلال العمل الدءوب الجدي على قطع الصلة مع ذاك التاريخ وإبداله بممارسات وصيغ جديدة مختلفة عن تلك التي نعرفها وخلق أهداف جديدة بديلة لا صلة لها بالتراث والتاريخ والحضارة العظيمة التي نعرفها لتصبح مجرد ذكرى في عقلية الأمة لا قيمة لها على ارض الواقع.

من بين أهم أدوات تلك الحملة استهداف الطبقة الواعية والمثقفة المنتشرة في كل أماكن التطوير والتنوير الفكري كالمسارح ودور السينما ومحطات التلفزة والإذاعات (التي تحولت هي الأخرى الى أمكان مسخرة هزيلة إذا ما استمرت بالعمل) وتحويلها بعد قطع جذورها العميقة من أدوات مبدعة متجددة الى أشباح غير قادرة على النهوض بواجباتها من خلال أما سحبها الى خارج محيطها بالهجرة القسرية باستعمال كل الوسائل لعزلها عنه ومن ثم إغرائها بما يشغلها عن أمتها بل وتسخيرها لتكون أدوات مبتذلة ومعاول هدم في جسد الأمة وحضارتها وإذا فشل هذا الإجراء يتم اللجوء الى الأسلوب الآخر الأقذر والأخطر باستهدافها في بيئتها وتعريضها الى التهديد والتخويف والمنع من ممارسة واجباتها الطبيعية من خلال قوانين وتشريعات تستهدفها وربما يصل هذا حد التصفية الجسدية لإسكاتها ومنعها من تنوير الأجيال القادمة في نفس الوقت الذي يطلق به العنان لما يسمونهم بالمستشرقين من توسيع دائرة عملهم وتنوعها لتصل الى تفاصيل ودقائق الأحداث على السواء في عمق تاريخ الأمة أو في حاضرها وتحليها بما يشتهون ورسم صورة مغايرة لحقيقتها والترويج لما يخططون في نشر عوامل التضليل وتجهيل الأمة ومن ثم الانحراف بها الى الاتجاه الذي يسعون لتحقيقه في خلق امة مهلهلة منهكة منشغلة بواقع مصطنع تافه يسمح لهم بتمرير ما يسعون إليه.

إن الحرب على امتنا لا تنتهج أسلوبا واحدا لتحقيق غاياتها بل تعمل على كل الصعد وبكل الاتجاهات وبكل ثقلها وإمكانياتها فإذا كان السلاح وأدوات القتل العسكرية التقليدية تهدف الى إخضاعها بالقوة بعد سلب عناصر قوتها لصالح إرادة القوى الغازية ومنع مواجهتها ومقاومتها وتحقيق غاياتها فان السلاح الأخطر منه يستهدف عقل الأمة ومثقفيها لسلخها عن التمسك بثقافتها وآدابها وأعرافها وتقاليدها فبعد أن اندحرت عسكريا تراجعت نخبها الواعية ولو بشكل مؤقت لأنها غير قادرة على حماية نفسها من الاستهداف وعليها أن تصبر أو تغير أساليب عملها ووسائل قتالها للعدو حتى تستعيد الأمة عافيتها ثم تبدأ هذه الطبقة باستنهاض طاقاتها من جديد لمعاودة نشاطها في تأدية واجباتها التي ألزمت بها نفسها كضمير حي للأمة والشعب حيث لا ينبغي له أن يموت أبدا من خلال وسائله مهما كانت بسيطة.

إن أعلى درجات الخطورة ومكمن المقاتل في هذا الموضوع هو استسلام الأنظمة الرسمية في الأمة الى الإرادة الخارجية التي تهيمن وتوجه هذه الحملة ورضوخها بشكل يكاد يكون مطلق وهي لا تمتلك القدرة على المقاومة وإبداء الرأي لأنها قد جاءت الى موقع الحكم بإرادة تلك الجهات ومن السهل طردها وإبدالها لما رخصت به ثمنها لذلك أصبحت أدوات بيدها في مطاردة أي صوت واعي ومثقف ممكن أن يعلو للمطالبة بحق الأمة في الاستفادة من تجاربها السابقة والاقتداء برموزها الوطنية وليس أدل من ذلك واقرب من ما أطلقوا عليه تسمية الربيع العربي حيث تمكنت الجهات الخارجية من ركوب الموجة الشعبية التي كانت تطالب بالإصلاح ومصادرتها فانحرفت وتحولت الى حلبات اقتتال وصراع بين أبناء الشعب الواحد مع زج أدوات قتل جماعي وإثارة الفتنة تحت تسميات دينية متطرفة لا صلة لها في الدين ورغم إن الكل يجب أن يتعظ مما حصل خلال هذا العقد المنصرم الذي نشرف على نهايته تكررت الحالة اليوم في السودان بثوب جديد فلم يكتفوا بتقسيمه وراحوا يسعون الى توسيع دائرة الخلاف بين أكثر من جهة فيه وإذا لم تتدخل رعاية الله وعنايته لهذا الشعب الكريم فانه باتجاه هاوية سحيقة لا تعرف نهايتها وربما تمتد بسيناريو يختلف قليلا الى الجزائر الحبيبة في نفس الوقت الذي يتم تهيئة المنطقة لتحمل نتائج الحرب الأمريكية الإيرانية التي ستكون لا سامح الله إن وقعت أرضنا مسرحها وشعبنا ضحيتها.

إذن خلاصة القول إننا نعيش اليوم بواكير حالة الصراع بين أن تعيش الأمة محتفظة بكل مقوماتها التي أسست لقيامها ونجحت فيها منذ أن خلقها الله على هذه المعمورة أدواتها حملة الفكر النير والعقيدة الراسخة يتسلحون بالإيمان بالله ربها وبأحقيتها في الوجود كأمة ساهمت ولها الفضل الى حد كبير في بناء الحضارة الإنسانية وبين قوى خارجية بأدوات داخلية تديرها اذرع قوية تمتلك كل الإمكانيات القتالية عالية الدقة نهايتها تعتمد على المطاولة والصبر ووعي أبنائها.

لا تعليقات

اترك رد