الحراك التّاريخي .. الغاز المسيّل وخيبة البطل

 

ننسى أحيانا أنّنا كائنات تاريخية تعيش لحظاتها وفق معيار العقل والتفكير وعلاقات يَسِمُها الحوار، ونتصرّف كما لو إنّنا منفصلين عن تلك العلاقة التي تربطنا بالآخر وبالمجتمع ولا يوجد سوانا على الواجهة، فنحاول أن نستأثر باللحظة لصالحنا كما لو كنّا الحلقة الوحيدة في إعلانات نجدة العالم.

هذا ما حصل تماما وأنا أتابع حركة الشرطي الذي انصرم من بين زملائه وتسلق الشّاحنة الشُّرطية وراح يفتح غاز عبوته المسيّل للدّموع على موج الحراك الهادر، فما وجد سوى الأحذية تَقذف وجهه، وبذلك أعاد إنتاج حذاء منتظر الزّيدي التاريخي المقذوف في وجه بوش معدم التاريخ. هذه الصّورة التي استقطبت “زومات” العالم وهي تسافر من محطّة إلى أخرى ومن نقّال إلى آخر ومن كومبيوتر إلى آخر، نسي صاحبها ذلك الــ”الرّمبو” الفاشل أنّنا في عصر الصّورة التي تديم الحدث وتعيد إنتاجه من زوايا قرائية مختلفة وتأويلية/استيعادية عميقة.

لم يخطر ربّما على بال “الشرطي الرّومبو” أنّ انفصاله عن زملائه إنّما يكثف اللحظة الأكثر تفكيكية في فضاء الكتلة الشّرطية العازمة على حفظ الأمن، وبالتالي يكون – الشرطي الرّمبو – النّشاز الذي لا يعبّر عن المبادرة بقدر ما يكشف عن عزلته داخل الموقف الشُّرطي العام وبالتالي رغبته الأكيدة في الظهور واستعادة الموقف الفردي المعزول الذي يريده إشاريا من قبل الجماعة الشّرطية، وأيضا رغبته في أن يُنسب الحدث في تفريق الجمهور أو منعه من صعود سلالم البريد المركزي له وحده، لكنّه في خضم ذلك كان يستهين بالمبادرة التي تنخلق داخل الجماعة الحراكية التي تعتبر كتلة تاريخية واحدة غير معزولة عن جماعتها الاجتماعية ولا عن الوطن ولا عن أهدافها، فهدف الحراك هو تغيير النّظام الفاسد بدولة حديثة عصرية خارج نطاقات العصبوية المقيتة، وسلوكه يطرح السّؤال المقابل: ما هدف المؤسّسة الشّرطية؟ الأكيد حفظ النظام وحياة المواطن، لكن سلوك الرّمبو بدّد تلك الرّؤية أو شكّك في الاعتقاد في ذلك المقصد.

تتم العمليات الفردية المعزولة أحيانا بتلميحات ذاتية تتقصّد السّبق وتحقيق الخارق كي تتحدّى المجتمع معبّرة بذلك عن فردانية تتوق إلى الاختلاف والتّمايز عن المجموعة الاجتماعية بكل طوائفها، ولذلك في لحظة من اللحظات تنفلت الذات من كل الارتباطات الاجتماعية والعرفية والرّسمية وتتصرّف بسذاجة لا تقترب من العفوية أبدا، إذ السلوك العفوي عادة ما يكون بريئاونبيلا، ولا تتصرّف أيضا انطلاقا من فعل “مغامرة”، فالمغامرة فعل ثوري يؤرّخ للبطولة النّاجزة في وعي الجماعة الوطنية، إذ وصف الزّعيم المناضل مصالي الحاج للشباب الثوري بالمغامرين ورد محتمِلا الهامش الكبير للنّجاح في مهمّة الثورة، ولا يمكن وصف سلوك “الشرطي الرّومبو” سوى بـ”الخيبة البطولية” التي انتهت بتحييذه من على سقف الشّاحنة الذي يكرّس رمزيا السّقف البطولي للمهمة الحراكية.

إنّ لحظة إدارة ظهر الشّرطي الرّومبو للكتل الحراكية الشّعبية هي لحظة إدارة الظهر للتاريخ، إذ الحراك ليس كتلة بشرية معزولة عن سياقات المجتمع والتاريخ والثقافة، إنّها وعي تاريخي يتحرّك ليصل إلى أهدافه المعلنة من خلال الصوت واللافتة والحركة المعبّرة. إنّ هذا الشّرطي انفصل عن مجموعته واعتلى سقف الشّاحنة متسلقا مجدا ضائعا في علاقة خاسرة، لأنّه كان يمثل استمرارا لنظام انطلق الحراك أصلا للمطالبة بالقطيعة الجذرية معه، فانفصاله عن مجموعته لا يمثل سوى ذلك السلوك الذي يكشف عن التضاربات والصّراعات المعبّرة عن التوجه المتعدّد داخل أبنية التموقعات السُّلطية، ولهذا استطاع الحراك التاريخي استعادة المبادرة وتسلّق اثنان من موج التاريخ الناطق باسم الحرّية والقيم الأصيلة للمبادئ الديمقراطية وأزاحاه من على سقف الشّاحنة الشّرطية، ذلك المرموز الوطني العالق بين حقيقة حفظ الأمن والآلة القمعية التي انكشفت في سلوكات “الشرطي الرّومبو”.

إنّ فتح العبوة في عيون الموج الهادر من الجماهير الناطقة باسم الجزائر الناهضة من جرحها الوطني، يرسم الرّغبة لدى السلطة القائمة في ممارسة الإبعاد عن طريق لعبة التخويف من المآل الحراكي الذي لا تحمد عقباه، والذي قد تتسبّب فيه الجاهزية المعزولة للأفراد المنتمين للمؤسّسة الرّسمية، لكن دلالة الرش في حدّ ذاتها تتفكّك حيثياتها لتعلن عن المقدرة الحراكية في مقاومة الطيش الخفيف أو “قرصة الأذن”، وهو ما يعني رغبة وقدرة الجميع في تجاوز عنق الزّجاجة واللااستقرار المجتمعي الذي يهزّ نسبيا المؤسّسات الرّسميةويعطل مهامها، ولعل الرّسائل الموجّهة بعد هذه الحادثة من بعض الوجوه السياسية والمعارضة إلى المؤسّسة العسكرية مطالبة بالمباشرة السّريعة في الحوار الوطني وتشكيل الحكومة المدنية التوافقية يخيّب توقّع “الشرطي الرومبو” في استدامة الأزمة، ويكشف عن إمكانية الخروح منها في ظروف أسهل لكن بكثير من الوقت.

لا يمكن للوعي الزّائف أن يطيح بالوعي الجوهري، وهو ما حاوله “الشرطي الرّومبو”، فالمروحة التاريخية الملوّح بها في وجه فرنسا الخائبة إنّما تمثل الأيقونة المستمرّة في العقل الوطني التاريخي الذي ينجز مهامه التاريخية انطلاقا من علامات العمق التاريخي الوطني، فـ”ثورة الابتسامة” منشأها وجه العربي بن المهيدي الثائر الصابر المبتسم بعنف في وجه عنف المستعمر، وبالتالي تصبح البطولة الخائبة للشرطي الرّومبو خارج وعي التاريخ كما مثّلت المروحة لحظة الندّية التي تعرف كيف ترمّم فجوة الذات في مواجهة من يحاول المساس بكيانها الوطني المتحرّر من خوف المواجهة، وهي لحظة الخوف التي أربكت الرّومبو وهو يواجه التاريخ من كل جانب، فإدارة الظهر لجهة لا تعني التخلص من كل الجهات التي تمثل التاريخ في المظهر الهادر لمسارات الحراكالتاريخي الحاضنة في كل حدب وصوب لصورة وطن يتحرّك من أجل العثور المتجدّد على هوية باسمة ويوم تشرق شمسه من أفق المواجهة والتحدي ونشدان الحرّية.

1 تعليقك

  1. أحسنت النصح اخي عبدالحفيظ
    الخروج عن الحراك الجماهيري ومحاولة الإنفراد بموقف ذاتي يهدد اول من يهدد الخارج عن الحراك فيما تمضي المسيرة الشعبية نحو غاياتها حتى النصر

اترك رد